مصر والجزائر وأزمة الضمائر

كتبها محمد جاد الزغبي ، في 26 نوفمبر 2009 الساعة: 02:42 ص

مصر والجزائر وأزمة الضمائر


لم يدر بخلدى يوما أن يكون من مهمة المفكرين والكتاب الاهتمام ـ كباحثين ـ بشأن رياضي
ولو تخيلته ما كنت أتخيل أن يكون هذا الاهتمام منصبا على كرة القدم بالذات على اعتبار أنها رياضة الفراغ العقلي وتعتبر ـ رغم شعبيتها المهولة ـ رياضة فارغة المعنى والهدف والمضمون وتخلو من مميزات الرياضة المفيدة التى تقوم على مبادئ التنمية الجسدية وترقية العقل باحتمال مصاعب التدريبات كما هو الحال فى الرياضات القتالية والرياضات العقلية
فهى رياضة تقوم أساسياتها على جهد بلا طائل لهدف بلا فائدة , رغم أنها أصبحت منذ منتصف القرن العشرين آلة اقتصادية تفوق فى بعض أموالها تجارة المخدرات والسلاح
وجاءت الأعوام الأخيرة من القرن العشرين وبدايات القرن الجديد لتصبح كرة القدم هى أكبر سوق يهتم به ـ ليس مشجعوها فحسب ـ بل أكبر رءوس الإقتصاد فى العالم إلى جوار كبار السياسيين فى كل بلد

وحاول المفكرون والعلماء من قبلهم لفت نظر العامة لمدى خطورة الانجراف فى التعصب الكروى الذى يتسبب فى كوارث تتضاءل أمامها نوازل الزلازل والبراكين , وذهبت جهودهم هباء
فهى تعتبر إدمانا خطيرا عند مشجعيها مهما بلغ كمال عقولهم فى جوانب أخرى مما دفع بعض العلماء مثل الشيخ المحدث أبو اسحاق الحوينى والدكتور وجدى غنيم إلى السخرية الحارقة من هذا العداء الذى يفرق بين الناس لأجل تشجيع هذا النادى أو ذاك فضلا على كمية الأموال المهدرة والأوقات الضائعة والتغييب المستمر
وإلى جوار هؤلاء أثارت جبهة علماء الأزهر عاصفة من النقد إزاء الفتوى التى خرجت لتبيح إفطار اللاعبين كما لو كانوا جنودا فى ساحة قتال !
ورغم هذا فالآذان مغلقة والعيون مقفلة ,

ولم يدع المفكرون والعلماء مشجعى كرة القدم إلى تركها واهمالها بل دعوهم إلى نوع من التعقل فى الاهتمام بها كرياضة تسلية لا أكثر ولا أقل , وحتى هذا الطلب البسيط أصبح بعيدا عن خيال الدعاة ,
بل على العكس ـ تصاعدت الحمى حتى وصلت إلى تفاعل جماهيري لم تحظ به قضية القدس فى بلادنا , هذا فضلا على قبول الجماهير لتغييب إعلامى متخلف خدع الملايين وصور لهم أن المنافسة الكروية هى الحلم الذى تسعى إليها الأمم فى التقدم

وكل هذا تم الصبر عليه , حتى فاض الكيل بما هو جار الآن على الساحة الإعلامية بين مصر والجزائر على إثر منافستهما فى تصفيات كأس العالم , وتضاعف إثر تلك المباراة كمية التغييب الفكرى التى تمكن الإعلام الرسمى والخاص من حبكها على الجماهير لتحقيق مكاسب وقتية لا يهمهم فيها إثارة الفتنة بين شعبين أقل ما يجمعهما رابط الدم الواحد

كيف بدأ التغييب :

كانت ضربة البداية هى اتجاه الإعلام فى البلدين إلى تجييش الجمهور واعتبار المباراة الفاصلة بين المنتخبين فاصلة فى الجنة والنار , وهذه هى قوة الإعلام وما أدراك ما سحر الإعلام
ومع الشحن المتبادل وصل الفريق الجزائري إلى مصر لتبدأ نغمات التحريض على الجانبين ثم تنقلب إلى مهزلة حقيقية مع ترويج الإشاعات حول سقوط قتلى جزائريين فى القاهرة ـ رغم فوز الفريق المصري ـ
وكردة فعل طبيعية لم يقصر الإعلام الجزائري فى رد الصاع صاعين , وهكذا فى متوالية إعلامية قادتها من مصر بعض القنوات الفضائية ومن الجزائر إحدى أشهر الصحف التى نشرت خبر مقتل الجزائريين رغم زيف الخبر ونفيه على لسان عبد القادر حجاز سفير الجزائر بمصر
وتحول الأمر إلى معركة , معركة بدأ فيها التغييب من أول لحظة , عندما أعلن الجانبان عن نقطتى تغييب خطيرتين
أولهما : أن المباراة معركة قومية , أعتقد شخصيا أنها حظيت باهتمام يفوق اهتمام الإعلام بحرب أكتوبر !
ثانيهما : اعتبر كل طرف أن همجية الإعلام هى شعور قومى وعليه فالاتهامات لم تقتصر على أطرافها من مهاويس كرة القدم أو الإعلام الباحث عن الربح فقط بل أصبح الحديث عن مصر بمجموعها والجزائر بمجموعها

وتناسي الناس فى غمرة الانفعال أن المنافسة كانت بسبب لعبة كرة قدم , كما تناسوا أن اتفاق آلات الإعلام الرسمية على تجييش العواطف ما كان ليتم صدفة أو على نحو غير مرتب ,
كما تناسوا أن الإعلام الرياضي كله قائم على الإثارة المقصودة لكى يتمكن من حصد ملايين الجنيهات عبر القنوات والصحف التى تسعى لأى خبر يزيد من شعبيتها ومتابعة الناس لها حتى لو ذهبت عقول الناس إلى الجحيم

والذى يطالع الإعلام المصري الخاص بالذات يجد عجبا عندما رأيناهم ـ ردا على حملة الجزائر ـ يلجئون إلى استعادة ذاكرة التاريخ فيما يخص ما لاقته المنتخبات المصرية فى الجزائر ,
ومن الغريب أن هؤلاء الذين لا يستحون , يذكرون الناس بالتاريخ الرياضي فى الستينات والسبعينات دون

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مصر والجزائر

كتبها محمد جاد الزغبي ، في 22 نوفمبر 2009 الساعة: 14:55 م

مصر والجزائر

وإلى متى يا مصر بؤْس الحالِ
وإلى متى نبقي بلا أوصال ؟!
أتثور أصوات الصغار .. وتنحنى
للعاصفات .. نصائحُ الأبطال ؟!
وندقُ ناقوس المعارك عاليا
وكأن أرضي آذنت بزوال
ودماءُ غزة لم تزل آثارها
تكسو الغروب بِحُمرة الإهمال

قالوا بأن سفيههم .. ألقي العلمْ
فأجبت ما ذنب الشعوب لتصطدمْ
فِـعلُ السفيه إلى السفيه مَـردهُ
فبأى شرع للسفيه سنحتكم ؟

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مصطفي محمود .. بحّار العلم والإيمان

كتبها محمد جاد الزغبي ، في 9 نوفمبر 2009 الساعة: 00:40 ص

مصطفي محمود..
بحـــّـــــــــار العلم والإيمان

من هو ..
هو الطبيب والأديب والمفكر المصري مصطفي محمود .. صاحب الرصيد الضخم من الأعمال الروائية والفكرية التى أكسبته مكانته فائقة التميز بين مفكرى عصره ..
بدأ رحلته مع الحياة العملية طبيبا متخصصا فى طب وجراحة الأعصاب . ومع بداية الستينات اتجه لنشاطه الروائي على نحو أكثر تركيزا فقام بالتفرغ تماما للأعمال الأدبية وصدرت أعماله المتنوعة فى أكثر من اتجاه .. بدء من القصة القصيرة والرواية والمسرحية وأدب الرحلات والأعمال الفكرية المختلفة خاصة مع اتجاهه الى قلعة دار أخبار اليوم ودار المعارف .. لا سيما بعد أن اكتسب الشهرة الواسعة كشخصية متعددة الأبعاد ومفكر من طراز خاص جدا ..

رحلة الفكر والايمان ..
فى بداية نشاط الدكتور مصطفي محمود الفكرى فى مطلع الستينيات .. كانت الأمواج قد تجمعت خلف السدود فى العالم أجمع مع الصراعات العنيفة الساخنة والباردة بين أقطاب العالم الجديد الذى انخرط الى أبعد مدى ممكن فى محاولة فرض المذاهب واستقطاب الدول تبعا للفكر الاستعمارى الجديد القائم على الاستعمار المذهبي والاقتصادى ..
كانت الساحة تحتدم بالصراع بين الشيوعية الممثلة فى الاتحاد السوفياتى .. والرأسمالية المتمثلة فى الفكر الأمريكى .. اضافة الى الصحوة اليهودية بدعوتها الصهيونية المتمثلة فى المؤسسة اليهودية أو ما يعرف باسم المجلس الصهيونى العالمى الذى أسسه تيودور هيرتزل وتبنى بناء الحلم على أرض الواقع .. لتخرج الى الوجود دولة بنى صهيون على الفكر العقائدى الموظف لأغراض سياسية فى مزيج لم يتحقق الا لاسرائيل .. والتى نبتت كشوكة فى ظهر العالم العربي ..
وفى العالم العربي .. ومصر المعبرة عنه بصفتها التاريخية والقيادية الطبيعية .. كان الصراع على أشده بين الاشتراكية التى نادى بها عبد الناصر متبعا خطوات الشيوعية نوعا ما .. وان كان قد حاول ابعاد تلك الفكرة بقيامه بمحاصرة الأحزاب اليسارية المصرية وضربها ..
وطرف الصراع الآخر الممثل فى دعوة الأصولية الاسلامية والتى قامت بها فى ذلك الوقت جماعة الاخوان المسلمين ..
وكما هو معروف كان الصراع دمويا رهيبا .. لا سيما وأن الدعوة الأصولية التى انتهت الى الاخوان كانت تجد الفكر الاسلامى قد انحصر فى دور العبادة وغاب غيابا تاما عن ساحة العمل السياسي المحتدمة بين الشيوعية والرأسمالية ..
وكان مجمل نظرة الاخوان الى تلك الدعاوى كلها بما فيها الدعوة العلمانية التى استقطبت كبري الدول الاسلامية .. وموضع الخلافة العثمانية .. والتى احتلتها علمانية أتاتورك
فى ظل هذه الظروف كان الفكر مشتتا .. والمفكرين الشبان الجدد والذين مثلوا طليعة الفكر المصري مثل مصطفي محمود وخالد محمد خالد .. وجدوا أنفسهم فى قلب البحث عن هوية ضائعة بين ما هو عربي وما هو اسلامى بعد انفصال المفهومين بفعل التنابذ بين أطراف الحكم العربي ..
ومع تراجع الفكر الاسلامى المستنير الذى بدأ مع القرن الماضي .. وكان سبب التراجع منطقيا بتداعى الحوادث لغياب رواد التجديد من علماء الأزهر اضافة الى تراجع قوة الاخوان المسلمين بفضل ضربات النظام الحاكم التى لم تهن ضدها ..
ولم يبق من رواد الفكر الاسلامى المستنير علماء محاربون مثل المحدث احمد شاكر والشيخ الشنقيطى وعلى بعض دربهم عباس العقاد والرافعى .. ولم يكن باستطاعتهم فى مناخ العداء الحادث أن يتفوه الا رمزا ..فالرافعى اتجه الى التاريخ والأدب والعقاد حصر نفسه فى الحديث عن التاريخ الاسلامى القديم دون اسقاط على الواقع الحال ..
وان كانت بعض كتاباته المميزة والنادرة أعطت دفعه مناسبة الى حد ما فى الدفاع عن الدولة الاسلامية وطعن المذاهب التى نادى بها من يطلقون على أنفسهم تقدميون .. مثل كتابه .. " لا شيوعية ولا استعمار "
الا أن المفكرين الجدد .. وجدوا أنفسهم رغما عنهم فى ظل الصراع الضباب الحادث .. ينزلقون الى معترك التدافع عن الاسلام والتماس الدعاوى القائلة بعدم صلاحية هذا الفكر للعالم المتقدم ..
فوقع خالد محمد خالد فى بداياته أسيرا للفكر الشيوعي .. وخرجت بعض كتاباته تطعن دون قصد فى الفكر الاسلامى وفكرة الدولة الاسلامية وهى الكتابات التى تبرأ منها فيما بعد بعد أن عاد لجادة الصواب .. وأصبح أحد أنبغ رموز الفكر الاسلامى فى تاريخه ..
وكذلك مصطفي محمود .. وان كان انزلاقه تمثل فى هاوية العقيدة والوجود الالهى …
ومع تزمت الردود والاتهامات ..
انفرد مصطفي محمود بنفسه وفكره وخض أصعب رحلاته على الاطلاق .. من الشك الى الايمان وهى التجربة التى خرج منها ليصبح عملاق العلم والايمان وعبر عن مرارة التجربة وقسوة الرحلة فى كتاباته .. منها " رحلتى من الشك الى الايمان " و" حوار مع صديقي الملحد " و " الوجود والعدم " و" الله " ..
ونجا مصطفي محمود من أخطر مزالق حياته على الاطلاق ..

مفكر .. نسيج وحده ..
المتأمل فى هذا المفكر العبقري .. والنصف حقيقة لمكانته .. يجده واحدا من أندر العقول المصرية والعربية على الاطلاق .. مفكر من طراز شديد الخصوصية .. يطالع بعين الباحث ما حوله .. ويخرج ما لديه الى القراء وجموع مشاهديه .. فيستوعب البعض .. ويعجز البعض الآخر ..
فمن ناحية براعته الروائية والقصصية .. لا حاجة بنا الى اطالة الحديث عنها .. فهى مجال قابل للاستيعاب .. ومدى تمكنه وموهبته فى الصياغة تشهد بذلك ..
كما فى كتابه " حكايات مسافر " أو " أكل عيش " .. أو روايته " رجل تحت الصفر "
أما ما يستدعى التوقف عنده ف

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

شرح تلبيس إبليس لابن الجوزى ” 5 “

كتبها محمد جاد الزغبي ، في 1 نوفمبر 2009 الساعة: 15:26 م

بعض رموز العصرانية المعاصرة


من أكبر الكوارث التى تعرضت لها الثقافة والفكر الإسلاميين فى عالمنا المعاصر والحديث هى كارثة أن تسعين بالمائة من المعارف المتداولة ـ بين المثقفين فضلا عن العامة ـ هى ثقافة تندرج تحت مفهوم " خدعوك فقالوا "
فمنذ مطلع القرن الثامن عشر وبدء حركة الغزو الفكرى المكثف الذى عاصر انتهاء الحملات الصليبية العسكرية وبداية الإحتلال الاستعمارى ونهايته بدوره
وهناك موجة من التغريب والتزييف والتشويه طالت كل طرق وسبل الثقافة بلا استثناء وأصبح المجتمع يردد معارف شهيرة على أنها من الثوابت التاريخية والفكرية , بينما هى من الدجل الثقافي لا أكثر ولا أقل
وبمرور الزمن ومع مطلع الخمسينيات من القرن العشرين , انفردت الساحة الإعلامية العربية بالتطور الرهيب فى وسائل الإعلام بعدد من المؤثرات الفكرية الغربية التى تشعبت فى التشويه بدرجة مهولة ,
ليس هذا فقط بل تزامن مع ذلك أن النظم العسكرية الثورية التى طرقت أرجاء العالم العربي دخلت إلى الساحة مباشرة كشريك متضامن لأصحاب التشويه والتغريب إما بدور إيجابي عن طريق فتح المجال لانتقاد كل ما هو إسلامى وانتقاد الثوابت الأصولية والحركات الإسلامية المعبرة عن السلف وفكره
وإما بدور سلبي عن طريق فتح المجال لدعاة التغريب والترويج الإعلامى المتكرر لشخصيات أطلقوا عليها ألقاب مفخمة للغاية مرددين الشعارات البراقة للعصرانية والعلمانية التى تقوم على نفس البنود التى ذكرناها سابقا

ومع قيام الآلة الإعلامية الجبارة من صحافة مقروءة ومسموعة ومرئية وغيرها من وسائل الإعلام التروجية انتشرت تلك الشخصيات بنفس الألقاب المفخمة واستقرت فى قلوب العامة والمثقفين على نحو أصبحت فيه من الثوابت التى تعرض نقادها لأبشع أنواع التنكيل الإعلامى إذا جرؤ واحد منهم فقط على نقد شخصية منها !
وبينما يقوم العلمانيون وأضرابهم بطعن كل الأصول الإسلامية متخذين أقوال العصرانيين وكتاباتهم كدليل على الإسلام وحجة عليه , قام الإعلام باسباغ التشويه على كل علماء ومفكري الإسلام الأصوليين فى نقدهم العلمى المنهجى للأفكار العصرانية المنحرفة التى تهدم الأصول وتبدد الفروع تحت زعم الحداثة والتطوير والتجديد

وكانت المعركة ولا زالت قائمة على وجه تقليدى واحد وهو قيام أهل العلم بالذب عن حياض الشريعة والثوابت فى مواجهة الأسماء اللامعة التى تتعرض لها , وذلك بأسلوب الطرح الموضوعى الذى يعتمد على دراسة آراء العصرانيين وكتاباتهم كاملة غير منقوصة وبيان عوارها وتبيين فحواها الحقيقي بأسلوب علمى رصين وبعيد عن التجريح
بينما يكون الرد المقابل من العصرانيين ومناصريهم هو اتهامات التخلف الحضاري والشهرة التى يزعمون أن العلماء يسعون إليها حين يتصدوا لعلماء العصرانية ومبشريها !
رغم أن علماء الإسلام المدافعين عن السنة هم فى القيمة العلمية أكبر بمراحل من دعاة العصرانية , ولكن المشكلة أن الصورة أمام العامة غير واضحة بسبب التشويه الذى تسببت فيه وسائل الإعلام وقامت بترويج شخصيات العصرانية باعتبارهم أهل القمة التى لا ينازعهم فيها عالم آخر , رغم الأخطاء الفادحة فى المنهج الذى يتبعه العصرانيون وأخطاءهم التى لا يقع فيها أصغر طالب علم يعرف فحوى ما يقول ويروج له
وأقل مثال لذلك ما قام به العصرانيون مثلا فى ترويج الشخصيات المنحرفة فى التاريخ الإسلامى والتى أجمع المؤرخون قاطبة على جرحهم والكلام فيهم وبيان مذاهبهم ,
فعندما يقول قائل أن القرآن الكريم هو مُؤَلف جاهلى يعتمد على ما اعتمد عليه الأسلوب الشعري الجاهلى ويوصف قائله بأنه من علماء الإسلام ومفكريهم فتلك طامة كبري
وعندما يقول قائل بإنكار سائر المعجزات الحسية للأنبياء تحت زعم عدم منطقيتها ويوصف صاحبها بأنه إمام من أئمة الفكر بل هو أكبرهم فتلك مصيبة جامعة
وعندما يقول قائل أن عصرنا الحالى لا يحتمل الصراع السخيف ـ كما يصفه ـ بين مسمى الإسلام والديانات الأخرى وأن المسلمين يجب أن يتوقفوا عن الزهو بملتهم على بقية الملل ويقال أن هذا قول يصدر من مفكر إسلامى , فتلك كارثة

وكنتيجة حتمية لانعدام موهبة القراءة واكتفاء معظم المثقفين بالقراءات الخاطفة كان من الطبيعى أن تمر تلك الأقوال عليهم فى جو من ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

شرح تلبيس إبليس لابن الجوزى ” 4 “

كتبها محمد جاد الزغبي ، في 1 نوفمبر 2009 الساعة: 15:21 م


أما نتائج الفكر المعتزلى وشواهده فى تاريخ الأمة ومدى الأثر السلبي العنيف الذى لا زالت تعانى منه أمة الإسلام ليومنا هذا فتلك من الممكن أن نجملها باختصار فيما يلي :

أولا : اعتبر المعتزلة أصول الإسلام أصولا خمسة هى الركن الواجب الاعتقاد به وأجملوها فى التوحيد والعدل والوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر " 1 "
من خلال تلك الأصول بنى المعتزلة عليها أقوالهم ومعتقداتهم التى تسببت فى فتنة خلق القرآن وتعطيل صفات الله وإنكارها وإنكار المعجزات الغيبية والقول بكفر مرتكب الكبيرة ,
وتكمن المشكلة الحقيقية أن أصول المعتزلة وأقوالهم فى العقائد لم تقتصر عليهم فقط بل إنها مثلت المعين الرئيسي الذى استقي منه معظم الفرق المبتدعة الأخرى " 2 "
كالخوارج الذين كفروا مرتكب الكبيرة وتبرءوا من بعض الصحابة , وبالرغم من أنهم أول فرق الإسلام ظهورا فى التاريخ إلا أن معتقداتهم الكلامية لم تنشأ مع نشأتهم بل نشأت عقب ظهور بدع فرق الكلاميين كالمعتزلة وأخذوا عنهم المنهج الكلامى فى التوحيد والصفات
وكالشيعة الذين عطلوا الصفات فى بعض فرقهم وفى البعض الآخر قاموا بالتجسيم ونحوه , وكل هذا بسبب الأصل الأصيل الذى بنى عليه المعتزلة مذهبهم ألا وهو تقديم العقل كحكم على النصوص جميعا
وعلى عادة أهل الزيغ ـ وقعوا فى تناقض كبير جدا ـ فبينما هم ينادون بحرية العقل والفكر ويدعون للخلاص من أحكام الفقهاء وجمود الدين وتحرير الناس من تلك الأقوال , فوجئنا بهم وهم على هذا المنهج الفلسفي يكفرون سائر الأمة بلا استثناء إذا لم يدرك كل واحد من الأمة إدراكا تاما مقولاتهم الفلسفية المعقدة التى تصعب على العلماء فضلا على العامة , ويناقضون الأصل الأصيل فى الإسلام أنه العقيدة البسيطة السمحة الموافقة للفطرة ,
والغريب أن كثيرا من الناس لا ينتبه إلى حقيقة أن المعتزلة وسائر فرق المبتعدة تكفر جميع المسلمين ممن لم يتابعوهم على تلك المناهج الشاذة , وتلتصق تهمة التكفير بعلماء السنة بينما هؤلاء العلماء منذ مطلع الدعوة المحمدية وهم يقررون الضوابط التى تحكم التكفير وأحكامه وهى الضوابط التى لم يعرفها المعتزلة وغيرهم

ثانيا : لما كانت أقوالهم ومباحثهم الكلامية تتعارض تماما مع نصوص السنة النبوية المبينة للقرآن فى مجمله وتفصيله لم يجد المعتزلة حلا إلا إنكار السنة التى تتعارض مع معتقدهم مهما كانت درجة ثبوتها عند علماء الحديث , وبالتالي ردوا معظم أحاديث الصحيحين والسنن وكل شروح الصحابة والتابعين المتعلقة بالعقائد , وزادوا أيضا عندما ضربوا عرض الحائط بالمرجعية النبوية فخاضوا فى القضايا المتشابهة رغم النهى المشدد ,
وهذه وحدها مصيبة جامعة من عدة وجوه , فهم ابتداء أسقطوا تماما أصول علم الحديث من جرح وتعديل ودراسة المتون والأسانيد التى تثبت بها السنن والأقوال وأنواعها , والإسناد ـ كما اتفق علماء الأمة ـ من الدين وبسواه لقال من شاء بما شاء " 3 "

ومن المستحيل أن نغفل قواعد علم الحديث عند معالجة النصوص صحة وتضعيفا وإلا أصبح الأمر هزلا , ودخل فيه كل داخل بعقله يرفض ما شاء ويقبل ما شاء
ومن ناحية أخرى وقعوا فى تناقض شديد فبينما يقررون أنهم لا يعترفون بالعقائد إلا إذا ثبتت بالتواتر نجدهم يقبلون الأحاديث والواهية والضعيفة وأحيانا الموضوعة إذا وافقت معتقدهم وهواهم , وهم بذلك يضربون القاعدة التى أسسوها لأنفسهم
ومن ناحية ثالثة , حددوا قبولهم الحديث بالتواتر فى أمر العقائد وبذلك ضيعوا جل السنة النبوية التى تتعدى سبعمائة ألف حديث صحيح بالمكرر ثابتة سندا ومتنا عن النبي
وضياع السنة بهذا الشكل يعنى ضياع الدين كله بلا جدال لأن الأحاديث المتواترة لا تتعدى بضع عشرات فقط
وبالتبعية , قاموا بإسقاط حشمة الصحابة والتقليل من أقدارهم وادعوا أن إحدى الطائفتين فى معركة الجمل فاسقة رغم أن الطرف الأول منها على رأسه الإمام على بن أبي طالب والطرف الثانى على رأسه عائشة أم المؤمنين وطلحة والزبير رضي الله عنهم جميعا , وغير ذلك من المعالجات التاريخية الفلسفية التى لا ترضي الله ورسوله عليه الصلاة والسلام ولا تنطبق أيضا على الواقع , فتلك الحروب لم تكن حروب جاه وسلطان بل كانت فتنة اجتهاد وتأويل
وبالتبعية أيضا أسقطوا كل اعتبار لعلماء الحديث والفقه ونقلة العلم المتين وأصحاب المذاهب ولم يكتفوا بذلك بل حاربوهم بالسلطان والنفوذ الطاغى فى عهد المأمون والمعتصم والواثق ووصل الأمر بالجاحظ أحد كبرائهم أن حرض المعتصم على قتل إمام السنة أحمد بن حنبل تحريضا عنيفا قائلا له " اقتله ودمه فى عنقي أنا "
ولم يعرف الإسلام قبل فتنة المعتزلة هذا الإسفاف العلنى المباشر بعلماء الأمة وسلفها الذين نقلوا لنا الدين وحفظوه

ثالثا : كان من أساس دعوة المعتزلة ولوازمها إنكار الفقه وعلوم الشريعة المبنية على الأصول المعتبرة عند العلماء واستبدالها بأهواء علم الكلام " المنطق والفلسفة وغيرها "4 "
, واهتموا اهتماما شديدا باستيراد هذا الفكر الأوربي الذى بذل قرونا فى دراسة وجود الله وتكييف الخالق والمخلوق والبحث فى قدم العالم وغير ذلك من القضايا التى لا تنفع مسلما عاميا أو عالما فضلا على سفاهة الإشتغال بها , فما الفائدة فى شغل العقل بترهات قضايا البحث عن الخالق وأمامك القضية مبسوطة ومشروحة بالقرآن والسنة ,.
ومن هذا الفكر العقيم توارثت أجيال المسلمين تلك العلوم وجعلوها من أسمى العلوم العالية منشغلين عن قضايا الأمة وتراثها
وهذا هو وجه التناقض الثالث ,
فبينما انفردت الأمة الإسلام فى سائر مجالات الفكر من شريعة وعقيدة وحديث وفقه وتفسير ولغة على سائر الأمم وتميزت عن سائر الأمم أن علمها مستقي من مشكاة النبوة وعلماء الإسلام مواريث الأنبياء بإسناد متصل لا يوجد فيه شبهة بعكس الأمم الأخرى كاليهود والنصاري التى تلقت كتبها الرسالية الرئيسية محرفة ومشوهة وبلا أسانيد ولا إثبات

نقول , بينما انفردت أمة الإسلام بهذا واعترف الغربيون بضحالة حضارتهم وجدنا المعتزلة ـ وهم دعاة الفكر كما يقدمون أنفسهم ـ يخترعون منهجا تابعهم عليه أجيال المعاصرين فى رفض تلك العلوم البالغة الثراء والانطلاق إلى العلوم الفكرية الغربية التى ليس فيها موضع اتفاق ولا موضع ثبوت ؟!
وبينما أهملوا الفكر الإسلام ومشكلات المسلمين وجدناهم يجلبون مشكلات الأوربي فى عقائد أرسطو وإقليدس وغيرهم ويعربوها ويضعون لها الحلول التوفيقية ويطرحونها للمسلمين على أنها علوم تعادل أو تفضل ما لدى من المسلمين من علوم وأفكار ؟!
ووجه التناقض هنا واضح لمن يتأمل مدى حماقة الإتجاه الذى يدعى لنفسه الفكر والعقل ويتصرف بلا أدنى عقل ولا أدنى منطق عندما يشغل نفسه بحضارة مبنية على الكلام ويترك حضارة ملئ السمع والبصر أسرف فى نقدها ودراستها عشرات الآلاف من مستشرقي الغرب الذين تركوا ترهاتهم وانشغلوا بالغنى الإسلامى , بينما المعتزلة تائهون فى بحور الجدال

رابعا : فتحوا المجال من أوسع أبو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

شرح تلبيس إبليس ” الجزء الثالث “

كتبها محمد جاد الزغبي ، في 13 أكتوبر 2009 الساعة: 17:02 م


أولا : تلبيسه على المعتزلة
تعرض بن الجوزى فى هذا الفصل لشرح التلبيس على المعتزلة أول الفرق الكلامية التى ظهرت فى القرن الثانى للهجرة , ولأن كلام الفرق وأحوالها بعيد عن عصرنا الحالى فيمكننا تقريب مفهوم المعتزلة بتعريفهم على أنهم فئة من المفكرين الذين ظهروا فى عهد الأئمة الكبار كالحسن البصري وأبي حنيفة والشافعى وبن حنبل وبن نصر الخزاعى واستمرت منذ ذلك الحين , ولم نذكر إمام دار الهجرة مالك بن أنس لكونه لم يواجههم مباشرة لأن منشأ الفرق كلها كان فى العراق
وللتعريف بالمعتزلة أو داء الفرق الذى ظهر بالإسلام يمكننا نتخيلهم فى عصرنا هذا بالصحفيين أو المفكرين أصحاب الإنتماءات للمذاهب الإجتماعية العلمانية والشيوعية والمادية ولمذهب الإنسانى الجديد وغير ذلك
من الذين يدخلون فى صراع دائم مع الفقهاء وأهل الشريعة كأنهم أصحاب الدين , وهذه هى أزمة التلبيس عندهم حيث لم ينظروا إلى الفقهاء والعلماء على أنهم حملة رسالة دينية مصدرها الشارع الإلهى جل سبحانه , وعليه تعاملوا معهم على أنهم أصحاب مذهب فكرى بشري مثلهم
ولهذا تجدهم يرددون تعبيرات مضحكة فى بعض الأحيان عندما يتصدى لهم الفقهاء بالمنع بأمر ما تبعا لمنع الدين فيه فيخرج علينا من يقول بوجوب الخلاص من تحكم الفقهاء الذين يحكموننا بأفكار القرون السابقة , وكأن هؤلاء الفقهاء يتوارثون انتاجا بشريا يتناسب ونظرية التطور والتقدم , لا أنهم يتعاملون بأسس الشريعة التى لا تخضع لأفكار البشر تعديلا وتوفيقا
وهذا اللون من الصراع هو نفسه الذى نشأ مع نشـأة المعتزلة الذين تسموا بهذا الاسم عندما انحرف أحد تلامذة الإمام الحسن البصري وهو واصل بن عطاء عن طريق شيخه واختلف معه فى الآراء التى تعارفت عليها الأمة فى عهد الصحابة ودخلوا إلى مجال العقائد بالعقول لا بالنصوص ورفضوا أن يتوقف العقل عند أى قضية كانت ,
ولأنهم قدموا العقل كمصدر من مصادر التشريع عندهم تصادموا مع الفقهاء والمحدثين فى مجال العقيدة , لأنهم إن سلموا للعلماء بمقاليد الشريعة فى الفقه فالفقه مجال لا يحتوى على قضايا عقلية عويصة لأن الشريعة جاءت تحمل بين طياتها ما يناسب الفطرة
ولهذا كان الصدام أصلا فى مجال العقيدة
وهو المجال الذى يعتبر مجالا شائكا لم ترد فيه نصوص شارحة بل وردت فيه نصوص تصف للمسلم ما ينبغي عليه الإيمان به غيبا كالإيمان بالله تعالى وصفاته وذاته والملائكة والجنة والنار والبعث وما إلى ذلك من قضايا الغيبيات التى ينبغي على عقل المسلم أن يسلم فيها فلا يدخل إليها بعقله محاولا الفهم وإلا كان مصيره الضلال
وهذا أمر طبيعى ,
فأساس الحساب كله يتركز على قضية الإيمان بالمسلمات الغيبية , ولو أن الأمر فى الدين أمر ضرورة إقناع بالغيوب لما كان هناك داعى أبدا للثواب والعقاب ,
فطالما أن الإنسان سيشترط دليلا عقليا ماديا لكى يؤمن , فإيمانه هنا لا فائدة منه ولا فضيلة إذ أنه سيري بعينه فعلام إذا كانت الرسل والرسالات
ولهذا كان العقل طريقا لإدراك وجود الخالق سبحانه وطالما أن العقل سلم فى هذه القضية بالإيمان وحقيقة وجود الله تعالى , فليس له أن يقف متشككا ومطال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

شرح تلبيس إبليس لبن الجوزى ” الجزء الثانى “

كتبها محمد جاد الزغبي ، في 11 أكتوبر 2009 الساعة: 16:45 م

شرح تلبيس إبليس لبن الجوزى " الجزء الثانى "

وفى الفصل الأول تحدث بن الجوزى عن الفئة الأكثر وقوعا تحت تأثير التلبيس وهى فئة أهل البدع ,
فمن المعروف أن أهل البدع أشبه بالكرة التى يتقاذفها الأطفال وهى لا حول ولها وقوة , فكذلك هم فى يد الشيطان يتلاعب بهم بمنتهى اليسر والسهولة ودون أن يكلفوه جهدا
ومن الطبيعى أن وصف أهل البدع كان له محل فى زمان بن الجوزى الذى كان الخير لا زال باقيا بين العوام بالشكل الذى يصنع التواصل بينهم وبين العلماء , أما بعصرنا الحالى فقد غاب مفهوم البدعة عن لفظها ولم تستطع العوام أن تميز خطاب علمائها الذى يبين لهم معناها وأمثلتها
وملخص تعريف البدعة التى حذر الرسول عليه الصلاة والسلام منها مرارا هى أى شيئ يستحدث فى أمر من أمور الدين سواء فى العقيدة أو العبادات لم يتم تقريره بحكم شريعة ,
ولكى نعرف الفارق بين البدعة وبين الزيادة فى النوافل , فالبدعة تنصرف فقط إلى الفروض المحددة سلفا كعدد ركعات الصلاة أو عدد التسبيحات التى تتلوها أو الأدعية النبوية الواردة بالسنة أو فى أمر من أمور الحكم والتشريع العامة والتى حددها القرآن والسنة مسبقا , أو أمور الزكاة وما إلى ذلك من طرق أداء الفروض أو الغيبيات المسكوت عنها أو المبادئ العامة لنظام المجتمع
فلكى نتقي البدعة فى هذا فإن الواجب يقتضي أن تنفذ ما ورد بشأن الفروض والعبادات والمبادئ العامة بالشريعة كما أنزلت وكما وردت بلا زيادة أو نقصان أو اجتهاد مع نص
أما إن أحببت الزيادة من قبيل النفل لنفسك فهذه قربي لله تعالى شريطة ألا تجعلها طريقة يقلدك فيها غيرك فتدعوه إليها بحذافيرها ,
فلك أن تدعو غيرك ليحيي الليل أو بعضه بالقيام , لكن ليس عليك أن تحمله حصرا على تقليدك فى عدد ركعات معين تفرضه عليه فرضا
وهناك أنواع من البدع الفكرية كأن تخوض فى موضوعات نهانا الله ورسوله عن الخوض فيها أو الجدل تحت مسمى البحث العلمى , أو أن تخرج على الناس فتنكر أمرا ما قد أجمعت الأمة على قبوله منذ سالف العصور وليس فيه ما يخالف النص ,
هذا فيما يخص العبادات , أما ما يخص المبادئ العامة فليس للمجتمع أن يستجيب لبدع النظم الحاكمة أو المجموعات المتحزبة الداعية لترك التقليد لما ورد بالقرآن والسنة واتباع التقليد لما ورد بالفكر الغربي !
وهذا لا شك أنه من التلبيس إذ كيف يمكن أن تفاضل شرع الله لك فى الحياة وهو خالقك وتفضل عليه مذاهبا أثبتت التجربة فشلها
كما أنه من البدع أن تبالغ فى التبديع , وهذا من التلبيس الذى يقع فيه الكثيرون , فتحت حرصهم المبالغ فيه لتحرى السنة دخل بهم الشطط لرفض ما سمح به الله من اجتهاد تبعا لمصالح الأمة ودنياها , وفى العموم يتم تعريف البدعة على أنها اجتهاد فى مقابل نص تشريعى ثابت , وبالتالى فإن كان التصرف اجتهادا فى مواجهة اجتهاد فلا يدخل تحت مفهوم البدعة
أما إذا أردنا أن نتعرف على مفهوم البدعة ومفهوم أهل البدع فى عصرنا الحالى , فهم أكثر مما نتخيل ,
فكل من تراه يزكى نفسه ويرفض غيره أو يسفه سابقيه هو من أهل البدع , وكل من تراه يعطى الأمر لأهله فى كل مجال إلا فى مجال الفقه والشرع تراه ينفرد بنفسه بعيدا عن أقوال وأحكام العلماء ضاربا بهم عرض الحائط فهو من أهل البدع , وكل من تراه داعيا لمذهب فكرى معين يناقض به المعلوم من الدين بالضرورة هو من أهل البدع
وتحت هذه الأوصاف الثلاث تندرج سائر المبتدعة فى عصرنا الحاضر
والمتفق عليه قديما وحديثا أن الفارق الرئيسي بين أهل البدع وأهل السنة , هو أن أهل البدعة يؤمنون بفكرة معينة أولا , ثم يصرفون جهودهم لإثباتها من خلال النصوص أو اختلاق الإثبات لها من خلال لى أعناق النصوص لو لم يجدوا نصا صريحا ,
بينما أهل السنة تراهم يعرفون الحكم أولا قبل أن يؤسسوا عليه الفكرة والقناعة ,
مثال ذلك ,
وهو أشهر مثال فى سائر عصور الإسلام , ألا وهو مثال الشيعة الذين تبقت من فرقهم المتعددة ثلاث فرق قط لم تندثر وهم الإثناعشرية الرافضة , والإسماعيلية والنصيرية العلوية ,
فهؤلاء ابتكروا مفاهيم جديدة اخترعوها لتناسب أهواءهم ثم بحثوا فى النصوص عما يؤيدها ولما لم يجدوا قدموا التأويل بين أيديهم على النص الصريح , فسقطوا فى أكبر حماقة عرفها تاريخ الإسلام وهم يلبسون نصوص الثناء على الصحابة فى القرآن ثياب الذم , ويستبدلون نصوص الذم بالمنافقين ليسقطوها على أهل الإيمان وهم يظنون أنفسهم فرقة ناجية بأسمائهم لكونهم سجلوا فى نادى أولياء أهل البيت وكأن ولاية البيت عبارة عن إعلان باللسان وابتعاد عن العمل والإتباع وغير ذلك مما سنتناوله فى موضعه إن شاء الله

الفصل الثانى : شرح تلبيسه على العوام
هذا الفصل لم يورده بن الجوزى فى أول الكتاب بل أورده فى آخره حيث خصصه لشرح تلبيسه على الناس فيما يخص طول الأمل وترك العمل,
و كان تركيزه على الفئات التى تشذ عن القول السديد فينبه عليها , ولم يحمل هما فى مواجهة العامة لكون العامة على مستوى رفيع من الاستجابة والإدراك والتمييز والانتباه لأقوال العلماء , فلم يكن الأمر يؤخذ إلا عن أهله وحسب ,
أما عالم اليوم فيعانى من اختلاف مصادر الثقة والتلقي مصداقا لحديث الرسول عليه الصلاة والسلام
" إن الله لا يقبض العلم انتزاعا من الناس بل يقبضه بقبض العلماء … الحديث "
وبمجرد قبض العلماء يتخذ الناس رءوسا جهالا فيفتون بغير علم فيضلون ويُضلون وبالتالى صارت أزمة العوام ليست قاصرة على طول الأمل وقلة العمل بل أصبحت متعددة بتعدد وجوه التلبيس الذى جلبه الجهل والتغييب
وقد أصبحت شاشات الفضائيات أحد أهم مصادر التلقي للجماهير واندفعت تلك الأخيرة تتخذ لها شيوخا ودعاة بحسب الميل الشخصي أو بحسب الشكل الظاهرى أو بحسب أسلوب الحديث ولباقته وقربه للجمهور ,
وآخر معيار تفكر فيه الجماهير هو معيار المكانة العلمية ! , وتلك كارثة عظمى لأن هذا المعيار هو الوحيد اللازم لتحديد الثقة فيمن نأخذ عنهم
وكنتيجة فعلية لذلك رأينا المهازل التى لم يكن يتوقعها أحد إلا على سبيل الطرفة , من ذلك مثلا :
انتشار الوعظ والإرشاد الدينى على وجهين متطرفين أحدهما يتبع

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

شرح تلبيس إبليس لابن الجوزى “1″

كتبها محمد جاد الزغبي ، في 11 أكتوبر 2009 الساعة: 16:09 م

شرح تلبيس إبليس لابن الجوزى

" شرح كيفية دخول إبليس على أصحاب الفرق المختلفة فى الإسلام وعلى عوام الناس , وسيكون من ضمن الشرح عرض مبسط لمفهوم أفكار وعقائد تلك الفرق بلغة مبسطة ومعها أيضا عرض لأشباهها من الفرق المعاصرة التى أخذت نفس الأفكار
والشكر لشيخنا الفاضل أحمد سعد الدين الذى أعطانى فكرة شرح هذا الكتاب
"


إن من مقدرات هذه الأمة فى عصرها الحالى أنها تبتغي الهدى حيث الضلال , وتطوى الوجه جانبا عن كل حلول الأزمات ومقاييس الحضارة برغم توافرها فى تراثها البالغ الثراء بشكل يكفي ألف أمة للنهوض لا أمة واحدة وحسب
ففي الوقت الذى تفتقد فيه بقية الأمم تاريخا ثريا موثقا تبنى عليه حضارتها باعتبار أن التاريخ ركيزة الحاضر والمستقبل , نعانى نحن من ضخامة الثراء فى تاريخنا !
وبينما تفتقر شعوب العالم إلى كل موهبة وتسعى خلف العباقرة , نعانى نحن من تخمة فى عددهم وكثرتهم وكفاءتهم
وبينما تنهض الأمم بمواردها البشرية والذاتية والطبيعية وتستغل كل قطرة فيها ,, ننحدر نحن إلى أسفل كلما ازدادت رقعة وتنوعت مواردنا

وأخيرا ,
بينما تتمنى كل أمة أن تجد فى مفكريها من يستشرف لها المستقبل ويقدم لها أسباب النهوض من الأزمات وتلافي العقبات ويغرس فى أعماق شبابها الإنتماء
نتخلى نحن طواعية عن كل هذا الفيض الغامر من أسباب النهوض وعوامله والذى تركه لنا التاريخ منذ عهد النبي عليه الصلاة والسلام وهو يرسم صورة المستقبل ويحذر من كوارثه , وحتى ثلاثة أو أربعة قرون مضت , فعبر هذه الفترة قدمت الأمة مئات الألوف من العلماء والمفكرين والفلاسفة فى سائر المجالات لم يتركوا هفوة أو يهملوا حرفا يحمل حلا دون أن يقدموه على طبق من ذهب للأجيال القادمة حاملا بصمتهم التى نفذوا وصاياها فى حاضرهم لكى نتعلم منهم ,

وتركنا كل هذه الكنوز وهؤلاء الآلاف المؤلفة من العلماء والذين يكفي عددهم ليشكلوا رعية دولة كاملة بعصرنا الحالى , فى نفس الوقت الذى سعينا فيه خلف ثقافات مسوخ الغرب التى تفتقد أدنى مقومات الحضارة الإسلامية فى بناء المجتمع وتربية الحضارة ,
ولهثنا خلف فلسفتهم المريضة التى كانت تعالج قضايا الفكر بأسلوب الإلحاد تارة وبأسلوب الخرافة تارة أخرى , تاركين ما تركه لنا علماؤنا فنهبه المستشرقون ليبنوا عليه فلسفة جديدة تعالج قصور فلسفتهم القديمة
نظرنا بانبهار لمن يسميهم الغرب فلاسفة وهم يلقون على الناس أقوالهم المهووسة وصفقنا معهم لها
واستمعنا ـ وعلى وجوهنا علامات الإكبار ـ لمن يقول , أن العالم كله عبارة عن وهم فى خيالى وأنا وحدى الحقيقة !
ولمن يقول أن الكون نشأ بمحض الصدفة وأنه لا وجود للإله , وأن المادة التقت مع بعضها ـ بالصدفة أيضا ـ وكونت المخلوقات والأكوان !
ولمن يهذى أكثر فيدعو لفلسفة اللامعقول ! وفن ما بعد الحداثة وأدب الحداثة و … إ‘لخ هذا الهذيان

وتركنا المثل العليا الإسلامية ورضينا أن نصفق للمثل العليا الغربية المبنية على الخرافات من أمثال هركليز وأخيليس وهيرا وغيرها من آلهة اليونان وبطليموس وأغسطس ويوليوس قيصر وغيرهم من قادة لتاريخ الغربي
التمسنا البطولة فى دول الغرب التاريخية وكأننا لا نملك من التاريخ أبطالا هدموا هذه الأصنام
ولو تأملنا تاريخ الغرب بنظرة سريعة منذ مطلع حضارة الرومان لوجدنا أن دولهم كانت تقوم بعزيمة رجل واحد تتوافر فيه صفات القيادة والبطولة من أمثال بطليموس وأغسطس وفيليب المقدونى ونجله الإسكندر الأكبر وغيرهم ,
وفى العادة لم يكن يظهر عندهم فى الجيل الواحد أكثر من بطل واحد تتوافر فيه هذه المواصفات ,
بينما جاء الإسلام برسول الإسلام عليه الصلاة والسلام ومعه اثنا عشر ألفا بطل يتفوق الواحد منهم على مائة من هؤلاء ,
وظهرت مكانتهم بمقارنة بسيطة ,
لأن هؤلاء الأبطال أسسوا مع النبي عليه الصلاة والسلام دولتهم التى سيطرت على الجزيرة فى بحر عشرين عاما فقط , ثم اتسعت رقعة الدولة فدمرت الإمبراطوريتين الغربيتين بكل ثقلهما وفى وقت واحد فى أقل من عشرة أعوام
و قبل أن يمضي نصف قرن كانت دولة الإسلام تحتل من مشرق الأرض إلى مغربها فى نفس الوقت الذى استغرق فيه الصراع بين الروم والفرس دون تفوق أحدهما ثلاثة آلاف عام !
فأى الصورتين أجدر بالإنهبار يا ترى ؟!

وأبطال الغرب فى الأساطير اليونانية التى لا زالت تحظى بشعبية عارمة فى نفوسهم , مثل أخيل الذى يدعون أنه كان نصف إله وأنه لم يهزم قط , ومعه هكتور مروض الخيول وأمير طروادة وغيرهم كثير ممن كانوا فرسان حروبهم وجاءت سيرتهم تشوبها الخرافات غالبا بفعل مزج الخيال بالواقع , وابتعاد تاريخهم عن التوثيق بأدنى صوره
وأعظم ما يمكنهم الفخر به أن أبطالهم كانوا فرسانا مغاوير يرجحون كفة الجيوش , بقوى غير منظورة من الآلهة التى يعبدونها بينما عندنا تاريخنا يحمل أساطير أبطال لا تعد ولا تحصي وكلهم دخلوا حروبهم فلم يهزموا بمعركة قط مهما كانت الكفة مرجحة لعدوهم
فافتتن شبابنا بهؤلاء بينما تاريخنا الموثق المؤكد والذى حفظه العلماء فوصل إلينا بأسانيده كاملا يحتوى من الأساطير الحقيقية ما يدفن سيرة أساطيرهم التى وصلت إليهم وثلاثة أرباعها كذب والربع الآخر أحلام يقظة
فمثلا ,,
حارب المسلمون فى بدر تحت قيادة النبي عليه الصلاة والسلام وهم ثلثمائة مقاتل فى مواجهة ألف مقاتل وانتصروا انتصارا ساحقا وكانت الملائكة تقاتل إلى جوارهم حتى رآها بعضهم عيانا كما تذكر كتب السير , بل ورآها بعض المشركين أيضا ,
وكان منا خالد بن الوليد سيف الله المسلول الذى لم يدخل معركة قط فهزم فيها وقاد المسلمين فى العراق وواجه الفرس ثم قفل راجعا إلى الشام فقاد المسلمين لمواجهة الروم فى اليرموك وقبلها سحق أكبر رءوس الردة فى اليمامة , وقال عنه المستشرقون إن خالد قائد لم يكن له أبدا أن يولد فى الصحراء ليحارب على شاة أو جمل
وكل قياداته فى جيوشه كان التفوق العددى والتسليح لصالح خصمه بنسبة واحد إلى عشرة على الأقل , ومع ذلك كان النصر الساحق حليفه
وعندنا الزبير بن العوام الذى كان فى ميزان المسلمين بألف , فما بالنا بميزان الآخرين
وفى اليرموك كان يقتحم ميمنة الروم منفردا فيخترق صفوفها المتراصة بأعداد مهولة وينفذ من الجانب الآخر سالما بعد أن يجندل من أبطالهم ما لا يحصيه إلا الله
وعندنا العلاء بن الحضرمى الذى خاض بجيشه البحر على خيوله وعبر لعدوه فى الجانب الآخر فهزم أعداءه بصورته تلك وحدها قبل أن يهزمهم بسلاحه
وعندنا على بن أبي طالب الذى ما سل سيفه فى مواجهة فسقط منه قط ,
وهذا غيض من فيض تعجز الأوراق على استيعابه فى جيل الصحابة وحده رضي الله عنهم , فما بالنا بالأجيال التالية بعدهم والتى استمرت حتى عصرنا الحالى فى بعض الصور النادرة التى تجلت فيها قدرة العقيدة الصحيحة عندما تنفجر فى قلب المسلم ,
وأعظم مثال لذلك ما فعلته الجيوش المصرية والسورية بمساندة أشقائها فى مواجهة رمضان " حرب أكتوبر " والتى كانت أحد أكبر الأسباب المباشرة لتحري السياسة الغرية لهدفها الأعظم ألا وهو ضرب تلك الروح التى تبعث الصحوة
هذا فى ميادين القتال بخلاف العلماء الذين نوهنا عنهم فى البداية وكان الواحد منهم يكفي أمة للنهوض , فامتلكت أمة الإسلام ألافا
ثم ماذا ؟!
ثم ذهب أكثر من تسعين بالمائة من تراثهم فى كارثة بغداد على يد المغول , وبقي أقل من العشر ,
وهذا العشر ما استطعنا نحن ـ الأجيال المعاصرة ـ أن نطبع وننشر منه إلا أقل من خمسة بالمائة من هذا العشر والباقي موجود بخزائن الكتب مخطوطا أو مسروقا فى بلاد الغرب
وهذه الخمسة بالمائة المطبوعة تملأ أرفف المكتبات بشكل عجز عنه المتخصصون فى كل مجال أن يستوعبوها قراءة فقط لأن العمر لا يكفي لمجرد مطالعتها
ثم يأتينا بعد ذلك أحد الحمقي من هؤلاء الذين يسميهم الإعلام بالمفكرين ليدعونا إلى الحضارة بمفهومه , ومؤداها أن نترك التراث لكى ننفتح على العالم !
وكأن الفكر الغربي المشوه هو قبلة الحضارة وهو الفكر الذى يتخلى أهله الآن عنه بعد أن تقلب عبر القرون من الإلحاد إلى الوجودية إلى التدين الكنسي إلى العلمانية إلى حداثة وفلسفة اللامعقول ثم أخيرا ظهرت النداءات المجتهدة منذ مطلع القرن الجديد تدعو للعودة إلى الدين وتغذية الجانب الروحى ,
وحماقة الداعين إلى الغرب تتبدى فى نقطتين كل منهما تثبت أنهم قوم بلا عقول
الأولى : أن ما يدعوننا إليه من ترك التراث الإسلامى العريق يبدو غريبا معنا ونحن شعوب تخلت عنه أصلا منذ قرنين من الزمان !
وفى نفس الوقت الذى يصفون فيه الحضارة الإسلامية بالتخلف , نجد الغرب نفسه جند أهل فكره لدراسة الحضارة الإسلامية وعرف عنها ما لم نعرفه نحن عن حضارتنا إلا من خلال دراساتهم الإستشراقية التى حاولت هدم هذا الفكر فالتصقت به وآمنت به رغم أنفها , فصرح منهم بالإيمان من ترك المكابرة واتخذ بعضهم طريق الهوى بعد أن أعلن انبهار

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

هذا حديث النفس فى أشجانها “3″

كتبها محمد جاد الزغبي ، في 16 سبتمبر 2009 الساعة: 02:27 ص

3 ـ يستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير !
نقطة نظام فى البداية , حيث تكثر فى رمضان المسابقات التى يبحث مشتركوها عن الإجابات فى المنتديات والمواقع ويطلبون إجابتها حثيثا للفوز
و عامة هذه الأسئلة المفيدة المحفزة تكثر فى رمضان نظرا لانتشار عادة المسابقات المعارف الإسلامية ,
وهى عادة أنعم بها وأكرم لولا أن بها عيبا خطيرا يخص المتسابقين
حيث يعمد كل منهم إلى الحصول على الإجابات الصحيحة واستكمالها طمعا بالفوز فى المسابقة , ـ وليس فى هذا عيب ـ
لكن العيب كل العيب أن تكون المعارف الإسلامية أداة لمثل هذا وحسب , لا سيما إن كانت هذه المعارف كنوزا لا انتهاء لها
وطبقا لبعض التجارب رأيت من يجعل همه حمل الإجابة دون حتى أن يكلف نفسه تدبرها أو الاهتمام بما فيها من فوائد أجل وأعظم من كل مسابقات الدنيا
ولنعطى مثالا
معظم الأسئلة يكون محتويا على عدة معارف تخص أفضل الأعمال للعبادة وطرق المغفرة أو معلومات السير والتفسير والحديث وغيرها
نجد العشرات ينقلون الاجابات دون أن تلفت أنظارهم لحظة واحدة أن يستفيدوا بتلك المعلومات أو يعملوا بها أو حتى ببعضها
وهم فى ذلك أشبه بالذى بذل جهده فى البحث عن كنز عظيم ,
فلما وجد الطريق إليه إذا به أفرغ صندوق الكنز من اللالئ واكتفي بأن يحمل الصندوق الحديدى
!
ويدل على هذا أن معظم المشاركين بتلك المسابقات ما كان ليخطر ببال أحدهم أن يبحث عن هذه المعلومات لولا أنها وردت بمسابقة
بل ولو كان السؤال يتطلب إجابة جزئية وله فى نفس الوقت إجابة متكاملة تحمل مزيدا من المعلومات لوجدته يطوى عنها نظره ويكتفي بنقل الإجابة المطلوبة
ثم الطامة الأعظم .
أنك لو سألت أحد هؤلاء المتسابقين سؤالا مما ورد أول الشهر أو العام الماضي مثلا لن تجده يذكر إجابته رغم أنه كتبها ونقلها فى المسابقة , وذلك أنه اكتفي بطرحها فى مكان الإجابة وانتهت وظيفتها بالنسبة له عند هذا الحد
فانظروا كيف نتبدل الذى هو أدنى بالذى هو خير , !
ونعود لموضوع خاطرة اليوم
وهو فى رحاب حديثين شريفين نثبت بهما نفس ما أثبتناه فى الخاطرة السابقة أننا لا نتفهم أو حتى نحرص على تفهم القرآن وكذلك السنة المشرفة وأبعاد الأحاديث النبوية ,
ويكفي لبيان ذلك أن نعلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام أوتى مجامع الكلم , بمعنى أن أحاديثه المشرفة التى تزخر بها كتب السنة تكون غالبيتها تحمل أقل الكلمات وأقصر العبارات مما لو تم شرحه لملئ المجلدات ,
وكما أهملنا فى تحرى تفسير ومعانى القرآن الكريم أثناء التلاوة , نهمل كذلك فى الحديث , حيث أن الأحاديث تحتوى من الفوائد التى استخرجها العلماء ما يكفي أمة كاملة للنجاة من النار
وحسبنا من هذا المجال مثالين عظيمين
,
فصحيح البخارى وصحيح مسلم مطبوعان فى مجلدين فقط وفى بعض طبعاتهما فى مجلد واحد لكل منهما , لأنهما يحتويان نصوص الأحاديث فقط
فإذا نظرنا لشرح الكتابين كما هو شرح صحيح البخارى المسمى فتح البارى لبن حجر العسقلانى علامة عصره , لوجدناه مطبوعا فى ثلاثة عشر مجلدا بخط صغير مقروء وصفحات تزدحم ببعضها البعض وهى لا تطيق كثرة المكتوب !
وكذلك الحال مع شرح مسلم الشهير الذى قام به العلامة النووى
وإذا ما طالع المرء أحد هذين الشرحين يجد عجبا , حيث يشعر من أول صفحة أن الشراح يختصرون فيما يطرحونه قدر استطاعتهم رغم استطالة الشرح بهذا الشكل الذى بيناه
مما يدل كل قارئ على مدى الكنوز المخبوءة التى أخرجها هؤلاء العلماء من تلك الأحاديث التى وردت فى الصحيحين ولا تتجاوز تسعة آلاف حديث فقط بدون المكرر , فما بالنا ببقية متون الأحاديث الصحيحة التى تجاوز عددها الخمسمائة ألف
وقد أخذت مثالا حديثان يتفقان فى موضوعهما ويحملان من الفوائد ما يعجز أكثرنا عن إدراك حده , لنتأمل فيهم بأقصي درجة من الاختصار ونرى كم نخسر وكم نفقد ؟!!
أما الحديث الأول
فهو من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأخرجه مسلم فى صحيحه ويخص ثانى اثنين إذ هما فى الغار خليفة النبي عليه الصلاة والسلام أبي بكر الصديق
حيث روى أبو هريرة أن النبي سأل يوما من أصبح منكم اليوم صائما ؟ قال أبو بكر رضي الله عنه : أنا . قال : فمن تبع منكم اليوم جنازة ؟ قال أبو بكر رضي الله عنه : أنا . قال فمن أطعم منكم اليوم مسكينا ؟ قال أبو بكر رضي الله عنه . أنا . قال : فمن عاد منكم اليوم مريضا . قال أبو بكر رضي الله عنه : أنا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما اجتمعن في أمريء ، إلا دخل الجنة
بين يدى الحديث
الحديث يتناول عدة فوائد وجوانب من أهمها
الأول : بيان فضل تلك الأعمال الواردة فى الحديث حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام جعلها مفاتي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

هذا حديث النفس فى أشجانها ” 2 “

كتبها محمد جاد الزغبي ، في 12 سبتمبر 2009 الساعة: 21:53 م

هل تقرأ القرآن ؟ تمهل قبل الإجابة
رمضان هو شهر القرآن , ومن دواعى الأسي ـ وما أكثرها فينا ـ أننا لا نقرأ القرآن إلا من رحم الله من خاصة عباده فى هذا الزمان
ولست أعنى بالقراءة مجرد نشر المصحف بين يديك فى بيتك أو إمساكه نهارا لتضييع وقت المواصلات !
كما لست أعنى ذلك الذى يقرأ بهدف إدراك الختمة مرة أو مرتين أو ثلاث ويباهى نفسه بذلك وتراه وهو يقرأ فتشعر أنه يطالع جريدة الأخبار مثلا أو يحل الكلمات المتقاطعة , فلا عينه ترتجف عند آية العذاب ولا قلبه يبتهج لآية الثواب !
إنما أعنى بالذى يقرأ القرآن ذلك الذى يحرص على قراءته كما يحرص فى قراءته
أما الحريص على قراءته فهو الذى يتركه ويجعل لنفسه النصيب الأوفي منه لا سيما برمضان وقد كان الفقهاء والعلماء يتركون كل ما بأيديهم فى رمضان ويقبلون على المصحف ليل نهار
وأما الحريص فى قراءته فهو ذلك الذى يجزيه الله سبعين حسنة فى الحرف مصداقا لحديث النبي
" من قرأ القرآن ولم يعربه ـ أى لم يفهم مضمونه ـ كان له بكل حرف حسنة والحسنة بعشر أمثالها , …….
إلى أن يقول " ومن قرأ القرآن وأعربه كان بكل حرف سبعين حسنة والحسنة بعشر أمثالها "
وليس المقصود هنا بالطبع من إعراب القرآن هو أن تفهمه فقها بل المطلوب تفهمه معنا ,
ولو كان المقصود من الإعراب فهم التفسير لقال النبي عليه الصلاة والسلام " فقهه " ولم يقل أعربه , كما أن الفهم لو كان المقصود به التفسير لكانت بشارة الرسول عليه الصلاة والسلام لا تتحقق لأحد ولو من أعلم العلماء لأن القرآن الكريم بحره لا تدركه الأبصار اتساعا
فالمقصود أيها الأحبة هو أن تقرأ القرآن وعى معنى الكلمات ومدلول الآيات ,
وهذا ما كان يعرفه ويفهمه السلف بعامتهم فضلا على خاصتهم , كانوا أبطالا عماليق يهتمون أول ما يهتمون باللغة وبيانها لكى يتمكنوا من بناء شخصية إيمانهم ,
فقد حكى الأصمعى الأديب المشهور أنه كان بمجلس يحضره أعرابي فقرأ قوله تعالى
[وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] {المائدة:38}
فأخطأ في نهاية الآية غافلا وقرأ بدلا من " والله عزيز حكيم " قال " والله غفور رحيم "
فالتفت إليه الأعربي الأمى الذى لا يقرأ ولا يكتب ولا يحفظ من القرآن شيئا فقال له
" يا هذا ليس هذا كلام الله "
فغضب الأصمعى وشعر بالإهانة وهم بالثورة فإذا الأعرابي يصر على موقفه أن ما قرأه الأصمعى ليس كلام الله , حتى نبه أحد الجلوس الأصمعى إلى خطئه فى خاتمة الآية وقال له هى " والله عزيز حكيم "
فقال الأعرابي " نعم هذا كلام الله ,, عز فحكم فقطع ولو رحم وغفر ما قطع "
فانبهر الأصمعى واستحى من فهم الأعرابي الرشيد وقال " يبدو أننا لا نحسن كلام العرب "
لا كما يحدث بعالمنا اليوم نجد من العلماء من يلحن اللحن الفاحش فى اللغة , أو يضع العبارات فى غير مرادها ,
وابتعادنا عن اللغة كان هو السبيل لابتعادنا عن القرآن فالإنسان يمل ما لا يفهم بالطبع ,
وهذا نتاج طبيعى لما نشره الإعلام المغرض من سخرية باللغة العربية ورجالها وتمييع الإهتمام بها فى المدارس وقلة المهتمين من أولياء الأمور بأبنائهم فى مجال حفظ القرآن على النحو الذى نجمت عنه النتيجة المأساوية الآن
وأيضا كان هذا هو السبب الرئيسي فى نجاح الفرق المذهبية والعلمانية وغيرها فى أن تضلل الآلاف والآلاف , وكل هؤلاء كانت النجاة ستكتب لهم ببساطة , فقط لو أنهم تمكنوا من إدراك مدلول آيات القرآن المفهومة المحكمة الظاهرة , والتى خفيت عن الناس بسبب أميتهم العقيمة بالعربية
ولنضرب الأمثلة ونرى ,
مثلا منهج العلمانية القائم على اعتبار الدين أم خاص يجب إبعاده عن المجتمع , واتخاذ القوانين الانسانية والمناهج الانسانية فى أساليب الحياة ,. هذه الدعوى لم تنجح فى بداياتها بعالمنا الإسلامى مثلما نجحت فى الآونة الأخيرة والسبب فى ذلك أن أجدادنا الأميون كانوا أكثر فهما لمدلول القرآن منا , وعندما استمعوا لهذا اللغو واستمعوا فى نفس الوقت لقول الله عز وجل
[أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْع

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي