ردا على د.نبيل فاروق : مسألة تكفير الغرب
قضية غريبة للغاية أثارها أستاذنا الكبير د. نبيل فاروق الذى عرفناه منذ عام 1985م , رجلا مهمته بناء الإنتماء [1] , عرفناه رجلا طيلة عمره يدافع عن المثل العليا فى تاريخنا العريق , وبعض الأمثلة المشرقة من حاضرنا , ومحاربا فى نفس الوقت للممارسات العلمانية القائمة على الترويج للمفاهيم الغربية ونماذجها باعتبارها لا تصلح مع أخلاقياتنا وحضارتنا الإسلامية
فإذا به يفاجئنا بمقال متهافت أقل ما يقال عنه أنه مقال للخلط والتخليط لا تعرف له هدفا , ولا تعرف له قضية , ولولا أننا نعرف الدكتور نبيل جيدا لتخلينا كاتبه علمانيا صرفا يستنكر مجرد الإنتماء لدينه وعروبته !
وكان مجمل المقال الغريب الذى عنوانه ( تكفير الغرب ) , هو انتقاده الشديد لمن يقول إن الغرب كافر !! , ليس هذا فقط وإنما لم يكتف د. نبيل فاروق بهذا الإنكار لحقيقة بدهية ومن مسلمات العقيدة الإسلامية , بل قام ـ فى خلط شديد ـ بتبرير تكفيرنا للغرب بأنه من نواقص الشخصية العربية وأنه غيرة من تقدم الغرب ماديا وعلميا !!
وحقيقة إن الرد على هذا الكلام لا يحتاج جهدا من أى نوع وإنما ما يحتاج الجهد هو معرفة أسباب كتابة د. نبيل لهذا الكلام وما هى دوافعه , وهناك أمور تحتاج لإيضاحات ضخمة ـ ما كنت أحسب أننا نحتاجها ـ بعد أن قرأت لبعض الشباب تعليقات على المقال تؤيد ما كتبه ولا تعترف بكفر الغرب أو كفر النصاري أيضا !
والمسألة الأخيرة ـ كفر النصاري ـ أثارها الصحفي الشهير وائل الإبراشي فى إحدى حلقات برنامجه ( الحقيقة ) وكانت سقطة منه رهيبة أذهلتنا فى الواقع عندما هاجم بعض منتسبي التيار الإسلامى لأنهم يكفرون النصاري ـ على حد قوله ـ وكأنهم هم الذين يكفرونهم ولم ترد هذه الحقيقة فى القرآن ـ وهذا كله من علامات الساعة بلا ريب , عندما نجد أنفسنا أمام المسلمات نواجه من يطلب إثباتا عليها , على حد قول الشاعر
وليس يصح فى الأذهان شيئُ ×× إذا احتاج النهار إلى دليل .
وقبل الرد على ما أثاره نبيل فاروق والإبراشي نحتاج إلى أن نلقي النظر إلى حقيقة مهمة دفعت هؤلاء الكتاب الكبار ـ رغم جلاله مكانتهم وعقولهم ـ إلى النزول إلى مثل هذه الهاوية التى لا يتردى فيها إلا عتاة العلمانية المنكرين لثوابت القرآن والسنة ,
والسبب فى هذا يعود إلى نقطة شديدة الخطورة لو لم ينتبه إليها كُــتـّـابنا الأفاضل فالعاقبة ستكون وخيمة .
هذه النقطة تتمثل فى أن البعض ـ تحت تأثير كراهيته للمتعصبين أو بعض المنتسبين للتيار السلفي ممن يتكلمون بغير علم ـ وجدوا أنفسهم فى مواجهة مع الإسلام بدلا من أن يكونوا فى مواجهة مع التعصب , وأصبحوا ينظرون إلى هؤلاء باعتبارهم محتكرى الإسلام والمعبرين عنه وأقوالهم حجة على الإسلام أيضا !
ناسين أو متناسين أن الإسلام حجة فى ذاته وليس هناك شخص فى الوجود تعتبر أفعاله حجة على الإسلام إلا النبي عليه الصلاة والسلام وحده دون سواه , وذلك وفقا للقاعدة الفقهية الثابتة منذ الأزل
( كلٌ يؤخذ منه ويرد عليه إلا النبي عليه الصلاة والسلام )
والقاعدة الفقهية الأشهر أيضا التى تقول ( أقوال العلماء ـ لاحظوا أن الحديث عن العلماء أنفسهم ــ يُستدل لها ولا يستدل بها )
بمعنى أنه حتى أقوال العلماء لا يتم قبولها إلا إذا اقترنت بالدليل الساطع وإلا تم اعتبارها من سقط القول لا يؤبه بها ,
والعبرة بمن يتحدث فى الدين أن يتحدث وتحت يمينه آيات الذكر الحكيم والسنة المطهرة , وبغير ذلك يعتبر الخوض ـ مجرد الخوض فى الدين إثما كبيرا
وما فعله الإبراشي ونبيل فاروق تطبيق مباشر لهذا الإنزلاق الذى وقع فيه بعض الإعلاميين , فبدلا من أن يكتفوا برفض وجهات النظر المتعصبة ورفض أصحابها , إذا بهم يرفضون ثوابت القرآن والسنة والعقيدة السليمة لا لشيئ إلا لأن هذه الثوابت جرت على ألسنة السلفيين وتكلموا بها !!
فهل هناك مصيبة أكبر وقعا من هذه المصيبة , وهل السلفيون وحدهم هم من يقولون بثوابت العقيدة الإسلامية وبأن الإسلام هو الدين الخاتم وأن كل من يدين لله بدين غير الإسلام هو كافر كفرا قطعيا لا شبهة فيه حتى ينطق الشهادتين , وهل هناك شك فى أن كافة الأديان السابقة قد نسخها الإسلام وأبطلها وأصبح الإسلام وحده هو الطريق الشرعي الوحيد إلى الله تعالى ؟!
وإذا كنتا نحتاج مناقشة فى هذا الشأن فأى دين يبقي لنا بعد ذلك ؟! بل أى قرآن وأية سنة ؟!
وماذا نفعل فى قول الله تعالى
[إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ] {آل عمران:19}
وهى آية من عشرات الآيات فى القرآن الكريم حددت أن الإسلام هو الدين الخاتم وأن كل من يبتغي دينا غيره لن يقبل منه , ثم اقترن ذكر ذلك بذكر حال أهل الكتاب وكيف أنهم اختلفوا عن هذا الدين ونبذوه ورفضوه بعد أن نزله الله عليهم وهى آية تحمل فى طياتها المعنى الصريح بكفر كل من ليس بمسلم سواء من أهل الكتاب أو من الملحدين ..
ونثبت أولا خطأ ما ذهب إليه الإبراشي ومن تحمس له من القراء بإنكار كفر النصاري !! .. وهذا فيما يلي ..
أولا :
لا يخلو قول الإبراشي من خلط عنيف متعمد وسيئ النية أيضا , حيث أنه يربط تكفير النصاري بقضية التعصب ليبدو كما لو أن تكفيرهم جزء من العصبية التى لا يسمح بها الإسلام ! , مما يعنى بالتبعية أن كفر النصاري غير وارد فى الإسلام وهذا لا يقول به عاقل فضلا عن مسلم ..
فهى من المسلمات التى قامت عليها العقيدة الإسلامية حيث جاءت أركان الإيمان سبعة وهى الإيمان بالله وكتبه ورسله وبالقدر والبعث والحساب والقضاء ,
ومن أبجديات الإيمان بالرسل الإعتراف بالأديان السماوية السابقة , جنبا إلى جنب مع الإعتراف بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام وسقوط تكليف الرسالات السابقة بوصول الإسلام واعتباره الدين الوحيد الحق منذ بعثة محمد عليه السلام وحتى يرث الله الأرض ومن عليها , مصداقا لقوله تعالى..
[وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ] {آل عمران:85}
وقوله عليه الصلاة والسلام ..
( والله الذى إله إلا هو لو كان موسي حيا لما وسعه إلا أن يتبعنى )
وهو دليل قطعى أن قيام الإسلام يعنى سقوط الملل السابقة عليه واشتمال الإسلام عليها وأن موسي عليه السلام نفسه أو غيره من الأنبياء لو طال بهم العمر وأدركوا بعثة محمد عليه السلام لما كان جائزا لهم إلا أن يؤمنوا بالإسلام ويتبعوا رسوله عليه الصلاة والسلام ..
وهذا هو سبب تسمية النصاري واليهود بأهل الكتاب أو أهل الذمة , حيث انتهى مسمى المسيحية واليهودية انتهاء مبرما بقدوم الإسلام
ثانيا :
ثانى أوجه الخلط التى وقع فيها الإبراشي وثانى نقاط سوء النية أنه خلط عامدا بين الكفر الإعتقادى الذى أثبته الله عز وجل وبين حكم التكفير , فبيّن للناس وأوحى إليهم أن تكفير الإسلام للنصاري معناه قتالهم وقتلهم واضطهادهم , وجعل كل تلك المعانى مربوطة بمعنى التكفير !!
وهذا كله ليس من الإسلام فى شيئ فكفر أهل الملل الأخرى ليس معناه إطلاقا ظلمهم بل حتى الكفار الملحدون والمجوس لا يجوز قتالهم أو ظلمهم أو نهبهم ما داموا مسالمين متعايشين فى أرض الإسلام والإعتداء عليهم إثم عظيم توعد النبي عليه الصلاة والسلام فاعله بأشد العذاب .. وفى القرآن الكريم أمرنا الله تعالى بإجارة الكافر المطلق إذا استجار بنا وذلك فى قوله تعالى ..
[وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ] {التوبة:6}
وسماحة الإسلام ليس معناها إطلاقا إنكار كفر النصاري ! , كما أن كفرهم ليس معناه الإعتداء عليهم بل سماهم النبي عليه الصلاة والسلام أهل الذمة أى لهم ذمة ( عقد أمان ) من المسلمين للنصاري فى حرية عبادتهم وشرائعهم وأن إقامتهم فى دار الإسلام محمية بالمسلمين كواجب عليهم وأن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين وهو ما أوصي به الله ورسوله فى قوله تعالى ..
[لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ] {الممتحنة:8}
ثالثا :
لتدركوا أن هذه الأقوال وأشباهها القصد المقصود منها هو تشويه صورة الإسلام بالذات وعن عمد , تأملوا كيف يقيم العلمانيون الدنيا ولا يقعدوها على المسلمين ويتهمون الإسلام بما هو منه براء وفى نفس الوقت لا ينبسون بحرف واحد تجاه الإرهاب الفكرى والمادى الذى مارسه النصاري ضد المسلمين فى الأندلس قديما , وحديثا ما فعلته ميلشيات الصرب فى مسلمى البوسنة ,
وأيضا ما يعتقد به النصاري اعتقادا عمليا بكفر المسلمين باعتبارهم لا يؤمنون بألوهية المسيح !
رغم أننا كمسلمين نعترف بنبوة عيسي وموسي عليهما السلام ونعتبر الإيمان بهما جزء لا يتجزء عن الإيمان بالنبي عليه السلام , فى الوقت الذى ينكر فيه النصاري نبوة محمد عليه السلام ويتهمونه بالكذب والدجل ولا يعترفون بالعهود والمواثيق ولم يردوا حتى جميل المعروف الذى نفذه لهم النبي عليه الصلاة إلى النصاري وعهد عمر بن الخطاب فيما بعد ..
فلماذا لا يتذكر أو يذكر وائل الإبراشي وأمثاله حرفا عن تكفير النصاري لنا ويدندن فقط بتكفير المسلمين للنصاري , هذا مع ملاحظة الفارق الشاسع بين مسلك المسلمين فى التعامل معهم ومسلكهم فى التعامل معنا
ولماذا لا يتذكر التشويه العصبي للإسلام القائم ليل نهار فى السياسة الغربية والإعلام الغربي والمقترن بالحرب على المسلمين فى بلادهم وفى الغرب واضطهادهم فى شعائرهم ومناسكهم ووصمهم بالإرهاب !!
رابعا :
القائل بعدم كفر النصاري الإعتقادى وبأن دينهم الذي يدينون به هو دين محرف تكذيب مباشر ـ والعياذ بالله ـ للقرآن الكريم الذى صرحت آياته بكفر أهل الكتاب وإختلافهم على دين الإسلام بعد نزول الرسالة المحمدية , ومن ذلك قوله عز وجل ..
[وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ اليَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ] {البقرة:120}
وقوله تعالى ..
[وَقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ] {التوبة:30}
أما قول القائل بأن تلك الآيات تخص فريقا واحدا من فرق النصاري فهذه الآية كافية لتبين له قوله , وفيها شمول الكفر لكافة أهل ال
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ