ضد مجهول

كتبهامحمد جاد الزغبي ، في 31 أكتوبر 2008 الساعة: 20:43 م

 هذا الباب عبارة عن تحقيقات صحفية أكتبها لمجلة العز الثقافية وكان أول تحقيق فيها هو تحقيق الشهر الماضي والذى لم يتسنى لى نشره بأى منتدى لغيابي
وأتمنى أن تكون السلسلة الجديدة حاملة لقدر من الفائدة والمعلومة )

 
باب ضد مجهول
الجريمة الأولى ـ لغز سوزان تميم
{ المجهول نوعان .. مجهول لفرط غموضه , ومجهول آخر لفرط ظهوره }


المكان :
إمارة دبي عاصمة الإقتصاد الأولى بالشرق الأوسط ـ العاصمة المصرية القاهرة ـ العاصمة البريطانية لندن
الزمان :
بدايات شهر أغسطس عام 2008
الحدث :
بتاريخ العاشر من أغسطس صدر قرار النائب العام المصري المستشار عبد المجيد محمود بحظر النشر فى قضية مقتل المغنية اللبنانية سوزان تميم التى وقع فى دبي فى فترة سابقة وذلك بعد وصول فريق التحقيق الإماراتى لمصر والقبض على القاتل محسن السكري ضابط أمن الدولة السابق والذى أدلى باعترافات مثيرة تضمنت اسم رجل الأعمال المعروف هشام طلعت مصطفي باعتباره المحرض الرئيسي للجريمة
التفاصيل :
من وكالات الأنباء والمواقع الإخبارية ،
ووفقا لرواية حراس برج الرمال 1 فى منطقة جميرا بيتش ريزيدنس، الذي كانت تقطن فيه القتيلة ,
جاءت الأنباء أن سوزان تميم استضافت في شقتها حفلة في وقت متأخر من الليل، بحضور حوالي 20 ضيفا بقوا حتى ساعات الصباح الأولى من يوم الاثنين، قبل العثور عليها مقتولة.
وقتلت سوزان تميم، 31 عاما، في شقتها الواقعة في دبي، ووجدت جثتها في غرفة المعيشة بالشقة، وقد ذبحت من الوريد إلى الوريد بخنجر حربي خاص من النوع الذى يستخدمه رجال القوات المسلحة وله ماركة مميزة وطراز معين ولم يكتف القاتل بالذبح بل سبقه بعدة طعنات متفرقة على جسد القتيلة قبل ذبحها فلقيت مصرعها على الفور
واضافت المصادر ان الرجل المشتبه به، شوهد آخر مرة وهو يدخل المصعد متجهاً نحو شقتها في الطابق الثاني والعشرين، عند الساعة التاسعة من صباح الاثنين، وهو وقت ارتكاب الجريمة حسب اعتقاد الشرطة.
وقد رصدت المشتبه فيه كاميرا البناية عند دخوله كما رصدته كاميرا المراقبة الموجودة داخل شقة القتيلة
وفيما بعد وعقب استكمال شرطة دبي للتحقيقات ظهر أن المشتبه فيه هو محسن السكري مصري الجنسية ويعمل كمدير أمن لدى مجموعة شركات عملاق الإقتصاد هشام طلعت مصطفي , وعلى الفور قامت الشرطة المصرية بإلقاء القبض على المتهم الأول محسن السكري وهو يرقد مستجما فى إحدى الفنادق التابعة لمجموعة المتهم الثانى بشرم الشيخ
وفى نفس يوم إلقاء القبض عليه قام على الفور بالإعتراف بارتكابه الجريمة وأنها تمت بناء على تحريض رجل الأعمال هشام مصطفي نظير ثلاثة ملايين جنيه .. عثرت الشرطة على ما يقارب هذا المبلغ فى شقة السكري ومخبأة داخل فرن بوتاجاز
واتخذ النائب العام المصري المستشار عبد المجيد محمود قراره بتقديم هشام طلعت مصطفي للمحاكمة عقب إتخاذ كافة الإجراءات التنظيمية فى مثل هذه الأحوال حيث يتمتع هشام مصطفي بالحصانة البرلمانية باعتباره واحدا من أعضاء مجلس الشورى وأحد أقطب الحزب الحاكم وفى نفس الوقت أرسل فريق التحقيق المكلف من النيابة العامة بالقضية التسجيلات التى قدمها محسن السكري مثبتا بها واقعة التحريض إلى الإذاعة والتليفزيون ليتم فحصها ثم صرح أحد رجال النيابة أن النيابة العامة لم ترسل الأشرطة للتأكد من سلامتها أو من شخصية المتحدث وهل هو بالفعل هشام مصطفي أم لا ,
بل أرسلتها للتفريغ فقط حيث أن النيابة تثق فى صحة التسجيلات وعليه تم إلقاء القبض على هشام مصطفي
ومن ناحيته أرسل وزير الداخلية المصري حبيب العادلى فى طلب المتهم ليستمع إلى اعترافاته بنفسه , وتم إقتياد المتهم ـ الضابط السابق ـ إلى مكتب الوزير مغمى العينين ليكرر اعترافاته بالجريمة والمحرض ونيته الهرب للبرازيل لولا القبض عليه كما أشار إلى تهديدات سابقة وجهها إليه هشام مصطفي لتنفيذ المهمة بلندن ولما عجز عن التنفيذ هناك تبعها إلى دبي حيث اشترى الخنجر الحربي ببطاقته الإئتمانية المسجلة باسمه وقام بمخادعة القتيلة لتفتح له الباب ثم طعنها عدة طعنات نافذة قبل أن يذبحها ويستقل طائرته عائدا إلى القاهرة بعد إتمام مهمته ليتقاضي بقية أجره ويهرب للبرازيل
وعن سبب إرتكاب الجريمة ودافعها أوضح السكري أن هشام مصطفي جمعته بالقتيلة علاقة زواج عرفي قامت تلك الأخيرة باستغلالها لتبتز بها هشام مصطفي وتحصل على نصف ثروته وفق نصوص القانون البريطانى الذى تمت زيجة ببنوده باعتباره زواجا مدنيا وكانت سوزان تميم قد رفعت بموجب عقد الزواج قضية طلاق على هشم مصطفي تتيح لها الحصول على نصف ثروته وفقا لقانون الزواج البريطانى
وبعد أن أعاد المتهم اعترافاته أمام العادلى قام هذا الأخير بإجراء اتصال بالدكتور زكريا عزمى رئيس ديوان رئيس الجمهورية وأبلغه بما سمع نظرا لمكانة وحساسية مركز هشام مصطفي وذلك ليقوم زكريا عزمى بإبلاغ الأمر للرئيس

التحليل :
قبل أن نخوض فى محاولة تحليل تلك الجريمة يجدر بنا أولا أن نعود إلى سبب إختيارها من الأساس كموضوع تحقيق فى هذا الباب الذى يعتنى بالجرائم الغامضة أو المقيدة ضد مجهول ,
والسبب بالغ البساطة وهو أن الفاعل بالفعل لا زال مجهولا وإن كان معلوما بصفة رسمية وفقا لإعترافه ,
لأننا سنعرض ما يهدم هذا التصور بل وما يمكن أن يهدم جريمة سوزان تميم من أساسها باعتبارها جريمة إضافية أو ثانوية لجريمة أصلية غائبة عن الظهور وإن دلت عليها فى وضوح عدد من المشاهد تتناقض للغاية مع الزاوية التى تظهر بها الأحداث باعتبارها جريمة قتل ذهبت ضحيتها سوزان تميم عبر أحد أزاوجها من رجال الأعمال
فالواقع يقول أننا أمام مشهدين منفصلين ارتبطا برباط واحد لا مشهد جريمة فقط .. والرابط لا زال مجهولا

المشهد الأول فى دبي ولندن حيث تمت الجريمة الظاهرة ..
والمشهد الثانى فى القاهرة حيث تقبع إمبراطورية هشام طلعت مصطفي صاحب الثروة المقدرة بخمسة وعشرين مليار جنيه مستثمرة فى معظمها بمجال الإسكان والتعمير الذى يعتبر فيه هشام مصطفي الحوت الأكبر بمشروعاته التى اشتملت على فنادق الفور سيوزنز الشهيرة ومشروع مدينة الرحاب ومدينة مدينتى ومشروع سان ستيفانو وهى كلها مشروعات تعد هى الأضخم والأبرع والأكثر اكتساحا للسوق العقاري فى مصر فضلا على نشاطات إقتصادية ضخمة بالخارج
أى أننا أمام شخصية ليست عادية بالتأكيد خاصة لو أضفنا للثقل الإقتصادى الثقل السياسي الكاسح الذى يتمتع به هشام مصطفي وعائلته باعتباره هو أحد نواب مجلس الشورى والأهم أنه واحد من الندرة المحيطة بجمال مبارك من رجال الأعمال كما يحتل شقيقه مقعد مجلس الشعب عن نفس الدائرة
هذا المشهد هو المشهد الأصلي على مسرح الأحداث أما مشهد جريمة القتل فلا يمكن اعتباره إلا المشهد الظاهر أمام الكاميرا لأن المشهد الأول يحتوى أحد أباطرة المال والأعمال بكل ما تحمله خصومات هذا العالم من تصفية حسابات ونزوع للتدمير طمعا فى مكانة أفضل فى السوق الذى لا يعترف إلا بالقوة المطلقة
وإمكانيات ونفوذ هشام مصطفي لا يتمتع به إلا عدد محدود من تلك الفئة الكبري المتمتعة باتصالات ونفوذ خرافي وعادة ما تنتج عن الصدامات فيما بينهم أفلام تظل مخبأة فى العلب ولا يعرض منها إلا مشاهد الإعلان عنها فقط بينما تظل التفاصيل فى طى الكتمان على الدائرة الجهنمية
وعليه فلكى يكتمل السيناريو الحقيقي للأحداث يجب أن نضيف المشاهد التالية
* مشهد التنافس والصراع النارى بين قطبي السياسة والإقتصاد هشام طلعت مصطفي وأحمد عز إمبراطور ومحتكر الحديد والملياردير الأكثر نفوذا فى مصر , تلك الخلافات التى ولدتها احتكارات أحمد عز للحديد وهو الإحتكار الذى يحميه عز بنفوذ ديناصورى لا يرضي عنه بقية أطراف اللعبة .. وقد هاجم هشام مصطفي هذا الإحتكار وأعلن الأرباح الخرافية التى يجنيها عز من تلك المميزات والتى تضرب منافسيه فى نفس المجال كما تضرب سوق العقارات ـ الذى يمثل هشام مصطفي معظمه ـ فى مقتل وتسبب فى إفلاس لعديد من الشركات المعمارية المتوسطة القوة
ولأن أحمد عز لم يتعود السكوت فقام بالرد على هشام مصطفي بإعلان أرباح هذا الأخير ـ الأرباح الحقيقية ـ من مشروعات الإسكان الفاخر التى غزا بها هشام مصطفي السوق وتربع عليه
* مشهد آخر أيضا يمثله هذه المرة ملياردير ثالث لا يقل قوة وعنفوانا عن زميليه وهو نجيب أنسي ساويرس بشركته أوراسكوم للإنشاءات التى تمثل منافسا تقليديا لمجموعة هشام مصطفي
* مشهد ثالث ورابع وخامس لقضايا فساد وقضايا جنائية من العيار الثقيل تعرض لها أباطرة الإقتصاد منذ عصر الإنفتاح وحتى اليوم وتمت تصفيتها وتبرئة ساحة هؤلاء الكبار وكلها تعتبر جريمة سوزان تميم إلى جوارها عبارة عن طرفة سخيفة ثقيلة الدم إذا قارنا جريمة قتل راح ضحيتها شخص واحد بجريمة ككارثة العبارة السلام 98 التى راح ضحيتها فوق المائتى شخص وخرج منها ممدوح إسماعيل بالبراءة فضلا على تقديمه للمحاكمة أصلا بقيد جنحة لا جناية أى أنه لو لم يحصل على البراءة لما تعدت عقوبته الحبس والغرامة فقط لا غير
وجريمة أخرى كقضية شركة هايدلينا التى تورط فيها عضو مجلس الشعب ورجل الأعمال الشهير هانى سرور وخرجت بالبراءة أيضا بالرغم من أن الضحايا لم تبرد أجسادهم بعد
* مشهد أخير ويتمثل فى قضايا من نوع آخر ـ كنوع قضيتنا اليوم ـ لا تعد جرائم كبري بالمقارنة للجرائم السابقة ومع ذلك فقد سقط بسببها حيتان من رجال الأعمال ويرجع السبب الرئيسي فى ذلك أن هذا اللون من القضايا له علاقة بحرب هذا العالم وتصفية الخصومات التى تفرز نوعا من ضغط النفوذ لتسري الإجراءات القانونية سيرها الطبيعى لا لتبرئة المتهم بل لزيادة تورطه
مثال ذلك قضية رجل الأعمال الشهير حسام أبو الفتوح صاحب توكيل شركة بي إم دابليو الألمانية السابق والذى تم تقديمه للمحاكمة بعدد من قضايا التهرب الضريبي والرشوة والقضايا الجنسية وهى كلها قضايا أمام نفوذ رجل مثل حسام أبو الفتوح ما كان لقضية واحدة منها أن تصل أساسا إلى النيابة لكن باب النفوذ أمام أبي الفتوح تم إغلاقه بنفوذ أكثر شراسة سَهلَ لتلك القضايا بلوغ حدها النهائي والسبب هو الغنيمة التى رفض أبو الفتوح التنازل عنها طواعية فتنازل عنها مجبرا وهى توكيل أشهر شركات السيارات الألمانية فى العالم

وأيضا قضيتنا اليوم .. قضية هشام مصطفي وسوزان تميم

المشاهد من زاوية أخرى

فى العدد الأسبوعى للدستور الصادر بتاريخ 11 / 9 / 2008 م نشر الأستاذ محمود سالم الكاتب البوليسي المعروف تحقيقا وتحليلا مبدعا عن الأخطاء الساذجة التى وقع فيها المتهم الأول عند ارتكابه الجريمة وكشف بها عن عدم مهنيته حيث أنها أخطاء لا يرتكبها خريج أحداث فضلا على ضابط أمن دولة سابق قضي بالجهاز ثمانى سنوات كاملة ,
واعتبر الأستاذ محمود أن جريمة هذا الضابط هى جريمة حمقاء بل وربما تكون الأكثر حماقة فى تاريخ الجرائم
غير أنى واستنادا إلى نفس القاعدة الأمنية الذهبية { الأدلة الكاملة هى أدلة زائفة } أعتقد أن جريمة سوزان تميم يمكن اعتبارها الجريمة الأبرع لا الأغبي فى تاريخ الجرائم وذلك بالنظر إلى الأمور من زاوية خاصة تتناسب ووضع المتهم الثانى بالتحديد هشام مصطفي باعتبار أن عالم المال والأعمال أحد عوالم الغموض فى عصرنا الحالى
فالجريمة وفق ما تم نشره تثير التساؤل بعدة نقاط محددة أعتقد أنها كلها أو بعضها هى أحد أهم أسباب تفاؤل المحامى العريق بهاء أبو شقة بالقضية وإعلانه عن التفكير الجدى بقبول الدفاع عن هشام طلعت مصطفي فيها ويمكن تلخيصها كالتالى
أولا :
ما وقع فيه المتهم الأول الرائد السابق محسن السكرى من أخطاء لا يمكن اعتبارها أو قبولها أبدا على أنها أخطاء عادية وقع فيها القاتل لأنها وببساطة تعتبر مسلمات لا يمكن أن يهملها طفل فى العاشرة من عمره إذا كان دائم المشاهدة للأفلام البوليسية فما بالنا بضابط محترف فى أرفع جهاز أمنى مصري يتلقي رجاله تدريبات مميزة للغاية تؤهلهم لمستوى ضباط المخابرات لأنهم ووفقا لمهام جهاز أمن الدولة مسئولون عن أمن البلد فى الداخل ويحملون ملفي الإرهاب والتخابر ..
ولو أن محسن السكرى بهذه الحماقة فكيف أمكنه الإستمرار بالجهاز ثمانى سنوات كان من الممكن أن يرتكب فيها طنا من الكوارث الأمنية طالما أن تفكيره قاصر إلى هذا الحد , وكيف يمكن أن تصدر عنه تلك الغفلة وهو الحاصل على شهادات تميز من الولايات المتحدة خلال دوراته التدريبية ؟!
فبداية كيف يمكننا الإقتناع بأنه سافر لإتمام مهمته فى دبي دون سلاح ودون خطة تنفيذ ؟!
وهل من هو فى مؤهلات السكري التدريبية والأمنية والجسمانية يعجز عن القتل بوسيلة نظيفة لا تترك أثرا وهو صاحب الخبرات الواسعة فى القتل والقتال نتيجة عمله السابق ونتيجة لتجارب ليست سهلة مر بها أثناء عمله مع شركة { عراقنا } المملوكة لنجيب ساويرس فى العراق حيث تعرض هناك لعمليات خطف وتهديد ونجا منها جميعا
ثم أنه اختار أن يشترى سلاح الجريمة من دبي وهو خنجر حربي مميزا بماركته وطرازه , ولن تجد فى دبي بأكملها من يشترى هذه الماركات إلا عددا محدودا للغاية يسهل تتبعه فيما بعد , هذا فضلا على شرائه له ببطاقته الإئتمانية المسجلة باسمه ؟!
وهى كارثة منفردة أيضا يصعب جدا أن نتخيل مرورها على السكري مرور الغفلة أو العدم الإنتباه لأن الشراء بالبطاقة الإئتمانية معناه فتح طريق ذهبي أمام الوصول إليه ؟! فكيف غامر بشرائه بالبطاقة ولم يشتريه بالسعر مباشرة .. ولو أن الأمر تطلب معه للضرورة شراءه ببطاقة الإئتمان فهل عجز الضابط السابق عن تزوير بياناته
كما كيف يمكننا الإقتناع أنه لم ينتبه إلى كاميرات المراقبة فى المبنى أو فى داخل شقة ضحيته فضلا على سفره بجواز سفره الحقيقي وعودته إلى مصر التى تمثل لغز الألغاز لأن المنشور من أنباء يشير إلى أنه كان يزمع الفرار إلى البرازيل فما الذى منعه من الفرار وكيف عاد إلى القاهرة مغامرا بهذا الشكل , وهل العودة سببها رغبته فى الحصول على أتعابه ؟! وهل التحويلات البنكية إختراع لم يسمع به محسن السكري من قبل ؟!
ثانيا :
هل يبدو منطقيا أن يتم إلقاء القبض على السكري ثم فورا يكشف باعترافاته ( * ) عن المحرض للجريمة بل ويقدم أدلة دامغة تمثلت فى شرائط تسجيل تم فيها الإتفاق ؟! وهل يجهل ضابط شرطة سابق معنى الإعتراف المدموغ بالأدلة وعواقبه ؟! وهل يجهل أيضا أن الأدلة فى غياب الإعتراف الصريح تهبط إلى رتبة القرائن وتثير الشك فى نفس القاضي والذى يتم توظيفه لمصلحة المتهم كما تقتضي قواعد القانون الجنائي ؟!
وهذا التسجيل ذاته يثير الحيرة من موقف النيابة العامة إزاءه , إذ كيف يعلن فريق التحقيق أن الصوت الوارد بالتسجيلات هو صوت هشام مصطفي وأن شرائط التسجيل لم يتم إرسالها إلى مبنى الإذاعة والتليفزيون لفحصها بل لتفريغها فقط .. والسؤال هنا كيف تمكنت النيابة من الجزم بأن الصوت هو صوت هشام مصطفي مع أنها مسألة فنية بحتة ؟!
ثالثا :
وهل حماقة السكري انتقلت بالعدوى إلى رجل عمال محنك مثل هشام مصطفي على نحو دفعته لإتمام اتفاقه مع القاتل بنفسه دونما أن يضع بذهنه لحظة واحدة أن هذه المكالمات ستقوده إلى كشف أمره ؟!
وهل هشام طلعت مصطفي صاحب المليارات الخمسة والعشرين والمكانة السياسية والإتصالات العالمية ضاقت به الدنيا فلم يجد إلا محسن السكري ليطلب منه تنفيذ الإغتيال ؟! وهل تخلو مصر أو حتى دبي التى أصبحت أكبر عاصمة إقتصادية بالشرق الأوسط من القتلة المحترفين بالرغم من أنها كعاصمة اقتصاد تعتبر عاصمة للجريمة المنظمة بالتبعية ؟!
وإن خلت مصر هل خلت أوربا منهم ؟! وهل يعجز هشام مصطفي عن الإتفاق مع أحدهم ؟!
رابعا :
دافع الجريمة ذاته والسيناريو المطروح لتمثيلية التحريض يعد سيناريو باهتا جدا ويتطلب رجلا عاديا لا رجلا بحجم هشام مصطفي لأن هذا الأخير وهو صاحب المكانة والإتصالات والنفوذ العالمى ما كان له أبدا أن يخشي تأثيرا أو تهديدا من مغنية متوسطة الشهرة لا أمل لها فى الحصول على مبتغاها حتى لو قامت برفع ألف قضية طلاق فى محاكم بريطانيا
وعلى فرض وجود تهديد من سوزان تميم لهشام مصطفي وخشي منه هذا الأخير فما الذى منعه من تسويته سلميا بدا من المغامرة البالغة الحماقة بتعقبها عن طريق أحد موظفي شركته وهو ضابط شرطة سابق غير مضمون الولاء بطبيعة الحال إزاء أمر كهذا ..
ليس هذا فقط بل إنه حسب اعترافات السكري قام هشام بتهديده إن بالقتل مع سوزان تميم إذا رفض التنفيذ وهو الأمر الذى يضرب بالمنطق عرض الحائط إذ كيف يمكن أن يأمن هشام مصطفي أو يضمن رد فعل السكري إزاء تهديد كهذا
ناهيك عن تضارب الأقوال الوارد فى اعترافات السكري والذى يقضي بأن الإتفاق بين السكرى وهشام مصطفي كان على دس الهيروين لسوزان تميم ولكن العملية تطورت إلى القتل ,
وهذا يدفعنا للتساؤل أى الروايتين صحيحة ..
الرواية التى يظهر فيها هشام مصطفي وحشا كاسرا قادرا على الفتك بالسكري وسوزان معا
أم الرواية التى يظهر فيها السكري وحشا كاسرا بدوره فينفذ العملية قتلا لا إيقاعا فى تهمة التهريب
هذا بالطبع لو غضضنا الطرف عن سذاجة التفكير فى خطة الهيروين لا سيما وأنها لم تعد تصلح كفكرة لفيلم سينمائي هابط
خامسا :
من ضمن أقوال المتهم الأول ذاتها والتى قال فيها أنه قام بالتقل مضطرا بناء على تهديد هشام مصطفي لنا أن نضيف سؤالا أو لغزا آخر ..
فبالنظر إلى طريقة تنفيذ الجريمة والتى ظهر منها أنه قام بطعن القتيلة عدة طعنات نافذة تجاوزت الأربع مرات قبل أن يذبحها من الأذن للأذن !
فهل هذى طريقة قتل يلجأ إليها قاتل مدفوع دفعا وبالإكراه لتنفيذ الجريمة ؟.
أم أنها طريقة قتل إنتقامية وتشفي وتظهر فيها بوضوح رغبة شخصية حارقة فى الإنتقام لأن الخنجر الحربي بطبيعته المختلفة عن الخناجر العادية تكفي منه طعنة واحدة بالصدر أو العنق أو البطن ليردى ضحيته قتيلا على الفور
فما الذى جعل السكري يبادر بالطعن المتفرق بالجسد ثم يلجأ للذبح فى النهاية دون أدنى حاجة فعلية لهذا الأمر إذ أن ضحيته كانت قد فارقت الحياة بالفعل ؟!
وهل يمكن الإقتناع أن القتيلة قاومته لدرجة أنه اضطر لهذا بالرغم من أن المقارنة بين جسد السكري ولياقته البدنية وبين جسد سوزان الرقيق توضح أن عطسة من السكري كفيلة بإلقائها أرضا !
والأهم .. ما هو السر خلف تعمد السكري تنفيذ جريمته بهذه البشاعة وهذا الغل الإنتقامى الذى يبدو غريبا جدا أمام سيناريو الأحداث المطروح من أنه مجرد قاتل مستأجر لا قاتل مترصد وقاصد وبهدف شخصي
وبتأمل هذه العناصر يتبقي السؤال عما هية الحقيقة خلف كل هذا الغمام المتناثر ..
والحقيقة تبدو غير محتاجة إلى تخمين إذا نظرنا للأمر بزاويته الخاصة التى تكشف عن عالم المال والأعمال وسياسته المخفاه والتى تصبح فيها القاعدة الرئيسية هى الضرب بأى وسيلة للوصول إلى الهدف , ومسألة تدمير الخصوم عن طريق الزج بهم فى الجرائم العادية أمر معتاد وتمت ممارستها أكثر من مرة ومثال ذلك توكيل بي إم دابليو الذى سقط فيه حسام أبو الفتوح وهناك أيضا قضية الآثار المتهم فيها طارق السويسي بنفس الطريقة المعهودة وهى كشف الملفات عند الحاجة ,,
لا سيما إذا تأملنا كنه جريمة سوزان تميم والتى تعد جريمة تافهة فى مضمونها إلى جوار جرائم ضخمة خرج منها أباطرة المال والأعمال بسهولة مثل قضايا ممدوح إسماعيل وهايدلينا وغيرها
فهذه الجرائم رغم أنها كانت قضايا رأى عام إلا أن حدوث الجريمة بعيدا عن لعبة تصفية الحسابات فتح الطريق أمام رجال الأعمال لإنهاء أزماتها بعكس الجرائم التى يتم تدبير أحداثها بغرض التصفية حيث يتم حبكها بحيث تودى بالشخصية المقصودة سواء قام بالجريمة أم لا
ورجل فى حجم هشام طلعت مصطفي لو أن القضية تسير بلا أصبع خفي ما كان لها إلا تنتهى كسابقتها وشخصية القتيلة ما كان لها أن تقدم أو تؤخر ولهذا فقد جانب الصواب من صعدوا الأمر بأنه أزمة دولية ولهذا عجز النظام عن حماية رجله لأن النظام ـ لو أراد لفعل ـ إذ أن الإمارات بالرغم من ثقلها الإقتصادى لا تمثل الدولة ذات الكيان السياسي الضاغط لدولة بحجم مصر لا سيما وأن أوراق الضغط متوافرة وبكثرة لدى النظام المصري وكانت أشهرها ورقة الضغط على قناة الجزيرة منذ أعوام والتى أتت ثمارها فى وقتها فكفت القناة عن ملاحقة النظام
وبالتالى فإن ما نراه لو أضفنا إليه سرعة الإجراءات الغير معهودة فى القضية لوجدنا أنفسنا أمام صراع حيتان مائة فى المائة لا يمثل فيه خصوم هشام مصطفي عاملا مساعدا كما توقع البعض بل يمثلون العامل الرئيسي فى اللعبة بأكملها
وبالتالى أيضا .
فإننا لسنا أمام واقعة واحدة بل أمام واقعتين وهما جريمة قتل سوزان تميم , وقصة أخرى ربما لا تكون علاقة من قريب أو بعيد بقضية القتل وهى قصة الإيقاع بهشام مصطفي فى هذا الفخ إما عن طريق إستغلال علاقته العملية بالسكرى لو كان السكري هو القاتل فعلا , وإما عن طريق إستغلال علاقته السابقة بسوزان تميم والترويج لها كدافع للقتل
إلا أن المؤكد والذى يظهر من خلال أقل تدقيق فى الوقائع أن كل ما تم طرحه من سيناريو تحريض هشام مصطفي للسكري على القتل هو سيناريو مختلق ,
وبعد إعترافات السكري وأخطاؤه التى نسميها مجازا أخطاء .. يظهر فى وضوح أن اعترافاته هى تنفيذ موجه لخطة مسبقة
ون يخرج الأمر عن كونه تنفيذ لجريمة القتل قام به السكري بغير تحريض أو بتحريض طرف ثالث
أو أنه كان تنفيذا لاتفاق أقل درجة من القتل وخالفه السكري للإيقاع بهشام مصطفي لا سيما
وأن التسجيلات التى حصلت عليها النيابة من الجائز جدا أن تكون عبارة عن كلام عام وليس صريحا بخصوص عملية القتل بحيث يمكن تأويله بعد تنفيذ الجريمة على أنه كان يعنى ضمنيا اتفاقا على القتل بينما هو فى الأصل اتفاق على عمل آخر تماما ربما لا تكون له صلة بالقضية ( *** )
أما السؤال عما سيجنيه السكري من إقحام نفسه فى جريمة قتل بهذا الشكل والمغامرة بحياته فالأمر أيضا قابل للتفسير إذا عرفنا أن الشركاء فى الجريمة قد يشتركوا فى الغالب بعقوبة أقل من العقوبة الأصلية
أى أن الأمر من الممكن أن يصل إلى الأشغال الشاقة سواء فى حكم الجنايات أو حكم النقض فيما بعد هذا فضلا على التخفيف المفترض حال اعتراف المتهم وتبيانه أنه قام بالجريمة مضطرا وتحت ضغط , فهذا يهبط بالعقوبة إلى الأشغال الشاقة المؤقتة من عشر إلى خمس عشرة عاما
ويكتمل المشهد إذا عرفنا أن الطرف الثالث المجهول والذى إستطاع حبك الخيوط بهذا النفوذ لن يكون صعبا عليه أن ينقذ السكري من أى عقوبة أيا كانت عن طريق تهريبه
وفى ظل غياب الحقائق الدامغة ,,
تظل الجريمة ضد مجهول

ـــــــــــــــــ
( * ) تم طرح هذا التحقيق منذ شهر مضي قبل فض أحراز القضية وبدء جلسات المحاكمة بنحو شهر كامل .. وفى أولى الجلسات تراجع المتهم الأول عن اعترافاته وأوضح أنه مجرد ضحية !
ومن الغريب أن نفس العبارة أنه ضحية كانت هى التى جرت على لسان لى هارفي أوزالد الذى تمت محاكمته بتهمة قتل الرئيس الأمريكى الأسبق جون كيندى ثم تكشفت الحقائق والوثائق بعد الجريمة بعشرين عاما وثبت تورط المافيا فيها لا سيما بعد أن تم اغتيال أوزوالد قبل اتمام محاكمته وهو نفس المصير الذى يخشاه السكري ولهذا تقدم بطلب رسمى لحمايته وتمت إجابته وانتشرت إجراءات أمن غير مسبوقة حوله قبل وأثناء المحاكمة

( ** ) فى أولى جلسات المحاكمة وبعد فض أحراز القضية ظهر بالفعل صحة ما خمنه الكاتب فى هذا الشأن ولم تحتو التسجيلات إلا عن حديث عام فى أمر يجرى بين السكري وهشام مصطفي وليس فيه ذكر صريح للجريمة

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : المقالات السياسية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من التعليق