هذا الدعاء برعاية فودافون
كتبهامحمد جاد الزغبي ، في 9 نوفمبر 2008 الساعة: 07:19 ص
رحل رمضان ..
هذا الشهر الكريم الأكرم الذى يمن الله علينا به مرة كل عام , وكعادتنا المتأصلة فى عصورنا المتأخرة تطوف فى هذا الشهر العديد من المشاهد التى تودى بعقل العاقل وحلم الحليم .. بعضها مضحك وبعضها مبكى وأغلبها يصيب الشباب والشيوخ بنوع نادر من شلل الأطفال ,
وكل عام تتزايد نسبة الإضمحلال بالعقل المسلم والعربي منه على وجه الخصوص حتى أننا نتساءل بكل الحيرة أين المنتهى ؟!
لا سيما وأن المظاهر المعنية كانت تزداد بمقدار الضعف كل عام ثم أصبحت تتزايد بمقدار الضعفين على الأقل على نحو يؤكد على مدى الغياب التام تقريبا لأدنى إدراك لمعنى أو فضيلة الشهر الكريم بل ولست مبالغا إن قلت أنها تلقي الضوء على غياب شبه تام لمعنى الدين نفسه فى أعماق العامة
وسأركز القول اليوم على الإعلانات وطبيعتها مهملا الحديث بشكل عام ـ قد يطول ـ عن عشرات من تلك المظاهر تبدأ بالمسلسلات التى بلغت فى مصر وحدها أربعة وستين مسلسلا جديدا دفعة واحدة على نحو جلب لنا سخرية وكالات الأنباء البريطانية التى علقت على شهر رمضان عند المسلمين باعتباره شهر الموسم التليفزيونى
وهو كَمْ مسلسلات لو أن هناك من تابعها جميعا طيلة الشهر فلا شك أنه سيعانى من إستطالة الأذن بشكل لافت عند العيد !
ولن أتحدث كذلك عن البدعة الجديدة والإختراع الذى أتى به أشرف الشريف نجل رئيس مجلس الشورى المحروق ” المجلس وليس الرئيس ” صفوت الشريف والذى يعد ولده من أباطرة مجال الدعاية والإعلان فى مصر لا سيما باختراعه الذى أخذ عنه حق التسجيل الحصري ألا وهو الخيام الرمضانية ,
والخيام الرمضانية ليست كما يوحى اسمها من أنها أماكن تخص فضائل الشهر بل هى ببساطة خيام تنصب فى الشوارع بشكل فخم ومثير ليسهر بها الأثرياء أو الطبقة المسماه بالراقية من المغرب حتى الفجر ويتناولون بها السحور على أنغام ” العنب .. العنب .. العنب ” ويكتمل المشهد براقصة ـ من النوع المحتشم للأمانة ـ نظرا لظروف شهر الصيام !!
لتصبح شوارع القاهرة الشهيرة بشهر رمضان عبارة عن تكرار لشارع الهرم والذى حمدنا الله سابقا على أنه مجرد شارع واحد له أهله فإذا بأهله اصطنعوا لأنفسهم موسما خاصا فى نفس الموسم الذى اختاره الله لنا لنتوب ونعود بعد عصيان !
دعونا من هذا كله ولنلقي نظرة على الجديد الذى رأيناه جميعا ودفع بنا للظن أنه بالفعل هناك حالة عامة من الإستهتار بالقيم الدينية والأخلاقية ليست قاصرة فقط على أهل الإنحلال بل إنها امتدت للجماهير , وهو نتاج طبيعى لغرس الجهل الذى جعل من الدين قماشة عريضة للإستثمار مما أدى بالمتجاوزين أن يطلوا برئوسهم دونما خشية من أحد
ففي أول أيام رمضان ومع أول رشفات من ماء التمر تلقتها الأفواه فاجأتنا القنوات الفضائية بدعاء مذاع عقب آذان المغرب مباشرة وفى نهايته ظهر صوت المذيع قائلا “ هذا الدعاء برعاية فودافون ” !
ولست أدرى لماذا لم ينقلوا صلاة التروايح مباشرة تحت رعاية موبينيل لصاحبها نجيب ساويرس عملا بحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام القائل فيما معناه “ إن لم تستح فاصنع ما شئت “
لن أعلق وأكتفي بما خرج من فمى ساعتها وكان كفيلا بإفساد صيام اليوم بأكمله وحسبنا الله ونعم الوكيل !
لست أدرى أى استهتار يتحكم فى مجال الإعلانات بسائر العالم العربي والإسلامى على نحو يدفعهم للجرأة غير المسبوقة على الثوابت الدينية وبلا أى حساب لمؤسسات الدين ورجاله وعامة المسلمين فى قلب أكرم وأجل الشهور عند الله
ويأتى هذا الإعلان متمما للإعلانات المستفزة السابقة عليه
والتى رأينا فيها نابليون والفرنسيين يقفون أمام أسوار عكا عاجزين عن دخولها ثم ينسحبون .. الجديد فى الإعلان أنه قام بتبديل سبب الإنسحاب من قوة وثبات حامية عكا بقيادة أحمد باشا الجزار ليجعله بسبب ورود رسول من عكا يحمل معه صندوقا صغير ما إن فتحه قائد الحملة الفرنسية حتى أصدر أمره بالإنسحاب ..
طبعا لأن الصندوق كان عبارة عن صندوق شوكولاته بونبون سيما ..
وليت الأمر اقتصر على القنوات الفضائية المعتادة بل إن الإستهتار امتد للقنوات الإسلامية التى نسي بعضها أنها قنوات دعوة ـ أو تقدم نفسها على أنها كذلك ـ وفكروا فقط فى العائد المادى وهؤلاء جرمهم أشد وأنكى وأفظع
لأن القنوات العادية أمرها معروف وبرقع حيائها متهتك أما القنوات الفضائية الدعوية فالمفروض أن يمنع الحياء أصحابها من إظهار غرضهم الدنيوى فى المكاسب لو كان غرضهم الدينى غائبا
إلا أنه مع الأسف الشديد أفلتت منهم بعض التصرفات التى تنضم لتصرفات سابقة معروفة من تعمد فتح الموضوعات الجدلية للإثارة وتعمد إستضافة مجهولى الهوية ليلقوا بفتاواهم وآرائهم بعد أن صوروا الدين مرتعا لكل متحدث مثل جمال البنا الباحث عن الشهرة بأى ثمن فقدم نفسه على أنه مفكر إسلامى مجدد وأتى باستنباطات لا شك أنها عبقرية وكل علاقتها بالإسلام أنها تذكرك بإسلام الشاطر لاعب النادى الأهلى وكان منها إباحته التدخين فى نهار رمضان وإباحته ـ وعذرا ـ للقبلات والأحضان بين الشباب على إعتبار أنها من اللم المعفو عنه وغير ذلك من الفتاوى الخمس نجوم
وأتت التصرفات الجديدة ومن بعض قنوات جادة تحتفظ باحترام ومهابة بين قطاع عريض من المشاهدين لتزيد السهام المتكاثرة على صدر الوعى , ولو أحسنا الظن ـ وهو واجب ـ فسنقول أنها تصرفات أتت عن غير عمد تحت تأثير المنافسة ,
ومنها مثال يثير الدهشة والعتاب الشديدين يخص الداعية محمد حسان والذى نحسبه على خير ولا نزكى على الله أحدا وهو صاحب إحدى القنوات الجادة المليئة بالفائدة والتى تتناقص سلبياتها أمام سلبيات القنوات الأخرى
وشخصية الرجل لا تسمح له أبدا بالوقوع فى هذا المأزق وهو إعلانه عن قناته وبرامجها بإعلان نصف صفحة كاملة فى جريدة الفجر المصرية التى يرأس تحريرها العلمانى المعروف عادل حموده صاحب التاريخ المشهود والأسلوب المعهود فى السخرية والإحتقار لكل ما يمت بصلة للدين والتدين منذ أن كان كان رئيسا لتحرير مجلة روزاليوسف قبل طرده منها وحتى رياسة تحرير الفجر ومرورا برياسة تحرير صوت الأمة ..
ففي روز اليوسف كان المجلة فى عهده أشبه بمجلة البلاى بوى ولا زلنا نذكر موضوعها الشهير الذى تم نشره على عدة صفحات ويحمل عنوان أشهر قبلات السينما مدعما بالصور فضلا على ترصدها لسائر رجال الدعوة والعلم من الشيخ الشعراوى حتى أصغر خطيب مسجد ولم يسلم منهم مفكر أو فقيه
وفى صوت الأمة جعل منها منبرا تظهر نصف صفحاته على الأقل بالسب والتقريع والسخرية لكل رموز الإسلام قدامى ومحدثين فضلا على إفساحه الصفحات لأمثال خالد منتصر العلمانى التافه الذى كتب ساخرا من حقيقة الإعجاز القرآنى ومن الطب النبوى ومن أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام وغيرها ..
وفى الفجر كانت الطامة الكبري عندما تعرض كاتبه محمد الباز للإمام البخارى وللصحابي الجليل أبي هريرة واتهم كليهما بالزور والكذب وتلفيق الأحاديث وقبول الرشوة وغير ذلك من الغثاء الذى أثار جموع المسلمين
هذا فضلا على أنهم يفردون بصفة مستمرة صفحة أو صفحتين تخصصان للهجوم على سائر أئمة ودعاة السلفية على وجه التحديد وعلى رأسهم الشيخ محمد حسان نفسه والذى وصفوه سابقا بما يندى له الجبين
وبعد كل هذا يظهر إعلان نصف صفحة للشيخ محمد حسان يروج لبرامج قناته الفضائية على صفحات نفس الجريدة ..
ولسابق خبرة بالعمل الصحفي فقد أدركت بالطبع أن الإعلان له مقابله الحتمى والذى بحثت عنه فى الصفحات الداخلية لأجد العدد خاليا من أى هجوم على السلفيين كعادة الجريدة بل كانت الطامة الأكبر وجود موضوع يحتل ركنا متميزا فى أعلى الصفحة قبل الأخيرة وعنوانه ” الشيخ محمد حسان أكبر شيوخ الفضائيات شعبية “
وفى صلب الموضوع كلام جميل ومنمق .. ومستغرب طبعا لأنه غير مسبوق ولم يعتد كتـّاب هذه الجريدة أن يكتبوا مثله فضلا على جهلهم بآداب الكتابة فى هذا المجال فكتبوا مدحا عن الرجل هو فى حد ذاته ذم لأنهم صوروه كنجم سينمائي يتفوق على أبي اسحق الحوينى ومحمد عبد الملك الزغبي ووجدى غنيم وغيرهم من الدعاة المصريين ممن يشغلون القنوات الفضائية الشهيرة
ودونما شك أن الشيخ محمد حسان وقع ضحية مشورة مغرضة دفعت به لمثل هذا التصرف وليته ينتبه لأمثالها من ألاعيب الوسط الصحفي والذى يعد معهودا به أن تتعرض شخصية معينة لمسئول أو رجل أعمال لهجوم جريدة ما فيقوم بنشر إعلان بها فى مقابل كف الهجوم والإنقلاب إلى المدح والتقريظ وهو الأسلوب الذى تقع فيه سائر الصحف كداء فشلت معه كل الحلول
ولك الله يا أرض العرب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : المقالات السياسية | السمات:المقالات السياسية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























