محاورات فى العلمانية

كتبهامحمد جاد الزغبي ، في 21 ديسمبر 2008 الساعة: 23:33 م

السؤال الأول

هل يمكن اعتبار العلمانية دين ؟ له كل مقومات الديانة الأرضية ؟
أم لايتوفر في هذا الفكر المنحرف من المقومات مايجعلنا نطلق عليه لفظة : ( ديانة أرضية )

 ولكن يجب ألا نطلق على المذاهب الإنسانية التى قدمت نفسها على أنها ديانات هذا اللفظ عندما يأتى وقت معالجتها
فإن كان الإسلام منذ أتى نسخ ما قبله من ديانات فأصبت مللا
فكيف بالمذاهب الأرضية التى اتخذت آلهة من البشر كالبوذية والكونفشيوسية والزرادشتية
وغيرها
ونعود لسؤالك
 

اقتباس        

هل يمكننا أن نستنتج أن العلمانيين قد اعتبروا العلمانية ديانة أرضية يؤمنون بها نشأت على أساس

الفلسفة البراجماتية ؟ أم أنها مجرد فكر مناهض لتعاليم الدين ومتمرد على كل ثوابته أتى كردة فعل

لهيمنة الكنيسة فحسب ؟    

 كلا يا صديقي
لم يتخذ العلمانيون مذهبهم هذا باعتباره دينا أو محلا للدين
وليتهم فعلوا ..
لأنهم بهذا لكفونا عناء الرد عليهم عندما نضمهم بيسر وسهولة إلى زمرة فاقدى الإدراك
انما قام العلمانيون بتقديم العلمانية كمذهب إنسانى قائم على الفوضي لا الحرية
لا يقر بأى دين ولا يعترف به كحاكم على سلطة المجتمع

إنما يقر بأن كل شخص له الحق فى الإعتقاد بما شاء من معتقدات بشرط ألا يطالب المجتمع بأن يلتزموا بها أو أن يقوم بالدعوة إليها
ومبررهم فى ذلك كما سبق الشرح ما فعلته الكنيسة بالعصور الوسطى بأوربا وكان من نتيجته هذا الكفر الطبيعى بكل دين وكل معتقد يقوم عليه
وهذا وإن كان تطورا طبيعيا فى الغرب الذى خرج من خطأ الضلال ـ بالإعتقاد الفاسد ـ إلى خطيئة التضليل بهدم كل معتقد التحلل من كل دين .
إلا أنه يبدو غريبا جدا بالنسبة للعلمانيين العرب ودعاتهم
فهؤلاء مجرد كائنات ضالة جلبت أفكارا لا علاقة لها بنا كعرب ومسلمين وقامت بالقائها فى وجوهنا داعية إلى الخروج من شرنقة التخلف والسلفية والتدين والحجر على الأفكار والآراء
وهذا بالنسبة لقصار النظر أصبح دعوة مسموعة
حتى جاء السؤال الطبيعى
إن كان التدين والكنيسة وصكوك الغفران فى أوربا هى التى أدت بها لفترة عصور الظلام
مما منح العلمانية الغربية هناك دافع الظهور والإنتشار
فكيف يمكن أن تنجح تلك النداءات فى أوطاننا نحن حيث كانت الإلتزامات الدينية بمنهج الله تعالى هى الطريق الذى جمع شتات العرب فأسس إمبراطورية عريضة شاسعة قضت على الدولتين العظميين فى أوانها ..
وتشكلت فى أقل من عشرين عاما
واستمرت أربعين عاما فى فترة الخلافة الراشدة
ثم نيفا ومائة عام فى فترة الخلافة الأموية التى بلغت فيها مساحة سلطان الحضارة العربية مسافة لم تتحقق فى التاريخ الإنسانى كله لأحد قبل حضارة الإسلام
فكان الوليد بن عبد الملك بن مروان يحكم من حدود الصين شرقا .. ثم الصين نفسها على يد قتيبة بن مسلم
وحتى الأندلس غربا وما يتاخم الحدود الفرنسية
وأصبح البحر المتوسط فى عهد الحضارة الإسلامية يسمى ببحر العرب بعدأن كان اسمه بحر الروم
ثم جاءت الخلافة العباسية لتحافظ على سلطان المسلمين فى عصرين على امتداد ثمنمائة عام
هذا فى التفوق السياسي
أما عن التفوق الحضارى فحدث ولا حرج
ميراث فكرى وعلمى فى سائر المجالات يعد هو الأضخم إنسانيا على وجه الإطلاق
ففي مجال الفكر وحده بلغ هذا الميراث التنويري مبلغا أصبحت معه مكتبة بغداد دار الحكمة تحتوى من الكتب ما مكن المغول نمن عبور نهر دجلة عليها
ويقول المحققون وخبراء الآثار أن ما وصلنا حتى اليوم لا يمثل إلا أقل من عشرة بالمائة من كنوز مكتبة بغداد التى ضاعت
مكتبة بغداد وحدها !
هذا بالإضافة إلى ثمنمائة عام من الحضارة الأندلسية التى أسسها عبد الرحمن الداخل ولا زالت آثارها ساطعة حتى الآن فى أسبانيا والبرتغال
وخرجت منها مشاعل تنوير اهتم بها الأوربيون أكثر مما اهتم بها المسلمون ولا زالت هناك عشرات الآلاف من المخطوطات العربية تقبع فى المكتبات الأسبانية ومكتبة الفاتيكان وفى المحفوظات البريطانية بعضها خضع للتحقيق والنقل والترجمة وبعضها لا زال سرا مغلقا إلى اليوم
أى أن الإسلام وعقيدته وشريعته وفكره ..
عندما التزم به المسلمون كانوا سادة فى الدنيا .. وسادة فى الآخرة
بينما العقائد الفاسدة فى الغرب كانت محل انهيارهم وعصور ظلامهم

فبأى عقل ومنطق نستقبل دعاوى العلمانيين العرب الداعين إلى ترك هذا المنهج .. والذى منذ تركناه ونحن أهون الدنيا على الدنيا
وخرجنا معهم من هوان إلى هوان
بينما التاريخ مبسوطا أمامنا بما فعلته حقائق الإيمان بنا
فهل يا ترى يمكننا الإقتناع بمن ينادى بترك ما عندنا ـ أكثر مما نحن تاركوه بالفعل ـ لكى نمضي إلى ركب الحضارة !ّ
ولاحظ أننى اكتفيت بالحديث عن دولة الإسلام فى أوج قوتها واتحادها فحسب
بينما هى بعد صدمة المغول لم تنهر
بل صمدت فى دولة أخرى كانت تضم الحجاز ومصر والشام وأعالى العراق تحت سلطان العباسيين فى مصر
وبدأت هذه الدولة منذ أن نجح الظاهر بيبرس فى إسناد الخلافة الشرعية لواحد من أبناء العباسيين وحكم باسمه
وكانت تلك الدولة العريقة كالأسد الرابض على نفس العقيدة
وصاحبها بعصرها أيضا دولة الأدارسة فى المغرب
بل إن المغول أنفسهم كونوا فى العراق وايران دولة إسلامية بعد انضمامهم للإسلام
وكانت الدولة العباسية فى مصر فى عهد سلاطين المماليك جبهة رهيبة أمام أطماع الصليبيين على مدى قرون .. فشل فيها الغرب فشلا ذريع
ولم ينجح الغرب بالسلاح معنا قط
نجح فقط عندما تمكن عبر المبشرين الجدد وأصحاب العقول الراحلة عن الزمان والمكان فى تخريب العقل العربي وفصل الروابط بينه وبين عقيدته
حتى انتهى بنا الحال إلى قوانين العلمانية التى تراها اليوم تحكم أقطارنا
ورأيت شعارات العلمانية المتخفية خلف العبارات البراقة تفعل بالمجتمع العربي ما لم تفعله الحروب من تخريب
فأصبحت الثقافة هى نيتشه وفرويد ومونتسكيو
وأصبح التقدم هو الأوبرا والحداثة والمذهب اللامعقول
وأصبح الفن هو السريالية والتشكيلية
وأصبح الفكر هو فكر مؤتمرات السكان التى انعقد إحداها بمصر وكانت شعاراته
أسرة ذات قطب واحد يعنى واحدة وعيالها .. بس كده لا زوج ولا غيره
الصحة الجنسية تفريغ كل الرغبات حتى لا يصاب المجتمع بالكبت ولك أن تتخيل ما الذى يعنيه هذا
تحرير المرأة ومساواتها مع الرجل وهو الذى أتت نتائجه فى اعتلاء المرأة لكل وظيفة وأى وظيفة حتى فى الجيوش والحروب ورياسة الدول بينما الشباب ذوى السواعد المفتولة على قارعة الطريق
.. ناهيك عن الدعاوى المبطنة فى تحريرها من أى التزام أخلاقي لأن الحرية مكفولة طبعا
وفى نفس الوقت تمثل معدلات الجريمة حدودا مرعبة فى الغرب نفسه فيما يخص جرائم المرأة الوحشية بل فى الولايات المتحدة لا زال الرقيق من النساء لهن أسواق رائجة تبلغ
خمسة ملايين إمرأة كل عام .. ولست أدرى أن حياء المنادين منهم بالحرية

يتبع ,,,

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : المناظرات الفكرية للكاتب | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من التعليق