محاورات فى العلمانية " 2 "

كتبهامحمد جاد الزغبي ، في 23 ديسمبر 2008 الساعة: 01:17 ص

السؤال الثانى

وايضا كلامك هذا شجعني على التمادي ..
في فترة مرت من حياتي < طبعا حين كنت صغيره,
أخلط بين العلمانيه والعولمه !
وكلهن يخيفن تفكيري وبعد ما كبرت ظننت ان العلمانيه هي من نتائج العولمه ؟

لا توجد علاقة مباشرة بين العلمانية والعولمة لكن هناك علاقة غير مباشرة
لأن التطبيق والمعالجة فى كل منهما يختلف عن الآخر
فالعلمانية
محلها الدولة فى داخلها ونظمها
أما العولمة فهى ثقافة إلغاء الحدود والفوارق بين شعوب العالم
ولو جاز لنا تشبيه العلمانية بالعولمة لقلنا أن العولمة هى العلمانية عندما يتم تطبيقها بشكل عام على سائر دول وثقافات العالم

كما أنها تتشابه مع العلمانية فى الشعارات البراقة والأهداف المبطنة
فبينما يقال أن العولمة هى إذابة فوارق الشعوب ـ دونما ملاحظة إلى كنه تلك الفوارق وضخامتها بل وضرورتها ـ فى محاولة لبث روح التعاون
وبينما تأتى العولمة من قلب الدول الكبري
نجد أنهم أول من خالفوا ظاهر شعاراتهم تلك
وسلطوا قدراتهم وعتادهم لقهر الشعوب المتوسطة والضعيفة ذات التاريخ العريق
على نحو ما تفعله الولايات المتحدة الأمريكية بشتى مناطق العالم
وقد بذلت الولايات المتحدة منذ مطلع قوتها العسكرية عقب الحرب العالمية الثانية جهودا مضنية فى محاولة بناء شخصية حضارية لها أمام شعوب العالم ففشلت فشلا ذريعا
لأنها لم تملك أى لونمن ألوان الحضارة ومقوماتها
فهى بلا تاريخ
وبلا ثقافة جمعت بين مواطنيها وأسست لهم الشخصية
وبلا لغة تجمع بين المواطنين وتخصهم
وبلا ديانة وبلا فكر

فكان الحل أن تضرب حيث تنبت أواصر هذه المقومات على نحو ما شرحه كاتبنا الكبير محمد حسنين هيكل فى كتابه الأخير ” الإمبراطورية الأمريكية والحرب على العراق
حيث تناول بالشرح الوصف الحقيقي للولايات المتحدة من كونها شركة أكثر منها دولة
فطلعت علينا الولايات المتحدة بمفهوم العولمة الذى يهدف لسحب كل تميز أو شخصية حضارية أو تاريخ فكرى لأى شعب من شعوب العالم
ولذلك رفضتها سائر أمم الأرض
حتى أوربا وقفت دولها بالمرصاد عبر شعوبها لكل محاولة لإشاعة هذا المفهوم الذى يسلخ الشعوب من أهم ما تملك
وتصدت دول آسيا كذلك
أما العالم العربي فكما هى العادة خرج منه فئة أدعياء الثقافة للترويج لهذا المفهوم والنداء بالحضارة الأمريكية
واكتفوا من الحضارة الجديدة بمقومات تناسب الزمن الأمريكى
فاستبدلوا اللغة والدين والعراقة والفكر والحضارة
بالهامبرجر وسوبرمان وبتمان وسلاحف النينجا

السؤال الثالث

بودي هنا أستاذنا الكريم أن يتضح بذهن كل قاريء إجابة السؤال التالي :

على أي أساس فلسفي تستند العلمانية ؟

هل تستند على الفلسفة البراجماتية التي هي أساس الفكر الغربي ؟

بدون الغوص فى تعقيدات فلسفية أعتقد أنى سبق أن قلت أنها مصطلحات وأفكار وتعقيدات لا تنبنى على قيمة فكرية حقيقية بل هى شعارات معقدة .. وأول من يعانى تعقيدها أصحابها أنفسهم ولهذا اختلفوا فيما بينهم وكل منهم أخذ بجانب غير الآخر
البراجماتية كلفظ .. هى كلمة ذات أصل يونانى وتعنى العملية أو العمل
ومنها تم اشتقاق البرجماتية كفلسفة والتى يمكن تلخيص فكرتها ببساطة شديدة فنقول
أنها فلسفة لا تعترف بالفكر إلا من خلال ما يؤدى إليه من نتائج نافعة وملموسة وواقعية
أما ماذا تعنيه هذه العبارة كأثر عند التطبيق
فهى تعنى الفلسفة المادية الكاملة القائمة على أساس النفع المباشر
فكل حقيقة أو دعوة ـ وفقا للبرجماتية ـ ليس لها نفع مباشر قائم ومادى لا يتم الإعتراف بها والعكس صحيح
وهذا يعنى ببساطة أن كل الحقائق الدينية والآخرة والحساب والبعث والقيم الأخلاقية القائمة على الضمير والغيبيات والمعتقدات .. كلها ـ فى فكر البرجماتية ـ أشياء سالبة للحضارة ومضيعة للوقت
وأول الفلاسفة المنادين بها هو تشارلز بيريز الذى شرحها فى إحدى مقالاته ودعا إليها وانتشرت
وهى بالطبع فلسفة قائمة على حصر النفعيات المباشرة الدنيوية ولا أساس لها بالإسلام ولا تتفق أصلا مع أى دين كان
لأن الديانات والرسالات السماوية جميعا وآخرها الإسلام والذى يعد هو التشريع الناسخ لما قبله قائم على اعتبار النفع الأكبر فى الآخرة لا الدنيا وقائم على أن المسلم يعطى الخير وليس شرطا أن ينتظر منه فائدة مباشرة

أى أنه يمكننا القول أن العلمانية والبرجماتية من مشكاة واحدة
ليس هناك إختلاف بينهما لأن البرجماتية هى الأصل الذى تتفرع منه تلك النداءات القائمة أساسا على فكرتين لا ثالث لهما
الأولى : الإلحاد الكامل وعدم القول بوجود إله , كما هو الحال فى الشيوعية
الثانية : الإلحاد المستتر وهو إنكار سلطة الدين على الحياة وحصره فى نطاق الرغبة الشخصية , كما هو الحال فى العلمانية
تم تسويق العلمانية والشيوعية بمفرداتها المختلفة ” إشتراكية ـ ماركسية ـ يسارية ” فى بلاد الشرق تحت نداءات مستترة ولم يستطع العلمانيون والشيوعيون الإعلان صراحة عن عمق وأساس تلك الأفكار القائمة على تغييب الدين نهائيا على أى سلطة إجتماعية أو سياسية
فلجئوا إلى تعريب تلك الأفكار وعدم المصادمة مباشرة مع الدين لكى لا تستهجنهم الجماهير ويتعرضون للمنع والمقاومة
ونجحوا نسبيا فى إخفاء تلك المعتقدات تحت ستار النداءات التى تخفي ما تحتها من أمثلة
* نداء تحرير المرأة وحريتها فى ممارسة حياتها
” وفشلوا فيه نظرا لأن تطبيقات تلك النداءات أظهرت مدى التعارض بين ما يدعون إليه من حرية فظهر على حقيقته أنه نوع من الفوضي “
* نداء الحرية الكاملة فى تشريع القوانين بعيدا عن الإلتزام بالمبادئ التشريعية فى الإسلام
” وأعلنوا أن مرجعية تشريع الأحكام هى سلطة المجتمع السياسية , وهو خلط فاضح بالطبع لأن السلطة السياسية للمجتمع تقف عند الحدود العامة ـ لا التفاصيل ـ التى شرعها الإسلام فلا يمكن القول برياسة إمرأة للدولة أو بمخالفة قوانين المواريث فى الإسلام
وفشلوا فى ذلك أيضا لأن المجتمعات أعلنت خيارها مع الدين لا مع الكفر به “
* نداء ودعوة هجر التشريعات الفقهية وإظهارها على أنها من مواريث التخلف
” واستجاب لهم البعض دون أن يدركوا أن مواريث التخلف ـ كما يصفونها ـ إنما هى مواريث التشريع التى جاء بها الدين ” قرآنا وسنة ” وليست من ابتكار الفقهاء حتى يمكن معاملتها كالأفكار الإنسانية الخاضعة لأوصاف القدم والحداثة , وفشلوا فى ذلك أيضا بعد أن أوضح المفكرون المسلمون هدفهم الأصلي من ذلك بعد أن حصروهم فى إجابة أسئلة تهربوا منها سابقا وهى نظرة العلمانية ومنهجها إزاء القوانين الجنائية والمدنية وهى النظرة التى أتت بانكار العلمانية الكامل لتلك المبادئ الثابتة “

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : المناظرات الفكرية للكاتب | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من التعليق