البعد الدينى فى الصراع العربي الإسرائيلي

كتبهامحمد جاد الزغبي ، في 26 يناير 2009 الساعة: 02:48 ص

البعد الدينى فى الصراع العربي الإسرائيلي

كان لزاما التعرض لتلك النقطة فى محور الصراع العربي الإسرائيلي عامة , وأيضا فيما يخص إسقاطها على الحرب الأخيرة لنعرف الفارق الهام من إجابة السؤال الذى تردد كثيرا عبر سنوات الصراع واختلفت إجابته بحسب الخلفية الثقافية لكل متعرض له
ورغم إختلاف الإجابات بين مؤيد ومعارض , إلا أن هذا لا يعنى أن هناك حيرة فى إجابة السؤال أصلا
بل هى حقيقة واقعة ـ على الأقل من الجانب الإسرائيلي ـ أن هناك بعدا دينيا بالصراع , وليس هذا البعد مجرد لمحة من لمحات المعارك بل هو الدافع الرئيسي والمكون الأصلي لمشكلة الصراع العربي الإسرائيلي بأكملها
وإغفال تلك النقطة ومحاولة حصر الصراع فى القومية أو الإحتلال المسلح لأرض عربية هو قصور عنيف فى الرؤية كان دافعه للأسف وجود العديد من التيارات الثقافية التى ترى فى إشراك الجانب الدينى بأى مشكلة ـ أيا كان نوعها ـ هو ضرب من التخلف , مع أن التخلف الحقيقي يتمثل فى هذا التصرف
ولكى نعرف حقيقة الصورة لابد لنا من الإطلاع على فكر الخصم فى معالجة الصراع ثم يكون رد فعلنا مبنيا على هذا التحليل
وكل ما كشفه المحللون على اختلاف مشاربهم سياسيين أو إسلاميين أو غيرهم يؤكد على حقيقة وجود البعد الدينى فى الصراع منذ أول فكرة لإنشاء وطن قومى لليهود وحتى قيام الدولة ومرورا بعمرها الذى تعدى سبعين عاما

شواهد وجود البعد الدينى

لو نظرنا إلى الفكرة الأصلية التى تبلورت قبل نيف ومائة عام وقام بقيادتها تيودور هيرتزل الذى قام بتأسيس أول مؤتمر للصهيونية العالمية فى بروكسل برعاية إنجلترا التى كانت تهدف إلى منافع سياسية جمة بتكوين الدولة اليهودية
سنجد أن الحديث كله يتبلور حول وطن قومى لليهود , ونكرر لليهود ,, بمعنى أن الهدف أصلا يخص جماعة دينية وهم اليهود المشردون فى أصقاع الأرض
ثم بدأ الإعداد الفعلى لتحديد أين يقع الوطن القومى المقترح ,
ومن مفاجآت الوثائق السرية التى تم كشفها عن تلك الفترة
أن تيودور هيرتزل لم يفكر فى فلسطين بالتحديد كوطن مقترح بل إنه وضع فلسطين كحل أخير يأتى فى المركز الثالث بعد الولايات المتحدة الأمريكية التى عبر عنها هرتزل بأنها أرض المعاد الحقيقية لليهود , ثم الأرجنتين ” 1 “
لكن هذا المسار لم يكن يعجب الممولين وهم قادة الصهيونية المسيحية فى إنجلترا والولايات المتحدة “2″
وأصدروا أوامرهم إلى هرتزل بأن مسار المؤتمر ونشاطه يجب أن يتركز فى البدء على تحديد فلسطين وليس غيرها باعتبارها أرض المعاد وإلا سيقوم الممثلون وعلى رأسهم أسرة روتشيلد البريطانية ودزرائيلي ثم بالمرستون رئيسا الحكومة البريطانية بسحب التمويل وعدم إكمال المشروع
وكان هذا طبيعيا لأن هدف الصهيونية العالمية لم يكن إفادة اليهود أو البحث عن وطن لهم تعاطفا مع قضيتهم وإنما هذا كان قناعا للهدف الرئيسي وهو إستغلال القومية الدينية لليهود فى إنشاء الكيان اليهودى الغريب فى تلك البقعة تحديدا لهدفين رئيسيين
* فكرة نابليون وهى فصل مصر عن الشام لضمان عدم وجود دولة إسلامية قوية تهدد مصالح الغرب بالمنطقة
* العمل على إستغلال تلك الدولة فى تحقيق هدف الصهيونية العالمية فى ضرب الإنتماءات الدينية للديانات السماوية الثلاث وعلى رأسها وأولها الإسلام

ونفذ هرتزل الأوامر الصادرة إليه بتركيز الحديث عن فلسطين وحدها باعتبارها أرض المعاد اليهودية وهو الذى يهدم بالطبع أى أساس واقعى لدعاوى اليهود فيما بعد بأن لهم حقوقا تاريخية فى فلسطين ” 3 “

من هذا العرض يتضح لنا أن تأسيس إسرائيل من الأصل كان نبتا لغرضين مختلفين كلاهما يشترك فى أنه غرض دينى بحت
الأول : دعوى اليهود التى مثلت نداء لليهود بمفهوم الديانة للمطالبة بالحق الدينى فى فلسطين
الثانى : رغبة الصهيونية المؤسسة لفكرة الدولة اليهودية فى ضرب الإنتماءات الدينية التى تعوق المصالح الإقتصادية والسياسية لها فى العالم
وفيما بعد ,
وعقب التأسيس الفعلى للدولة اشترك الهدفان معا حيث صارت العداوة من الأصل للإسلام قبل أن تكون للعرب , وبدأت حركة الإستيطان اليهودى وحماسة الدولة اليهودية الجارفة لجلب المزيد من المهاجرين رغم أن الدولة لا تمتلك موارد ذاتية تؤهلها لرعاية مواطنيها , وهذا يوضح بالطبع أن الهدف الأصلي هو جلب المواطنين اليهود لا إعاشتهم أو العمل على رفاهيتهم ,
ولذلك فقد استمرت الدعاية اليهودية حتى اليوم تكافح عبر الوكالة اليهودية لجلب اليهود من كل أنحاء العالم بدعاوى كاذبة تصور لهم أن إسرائيل أصبحت بالفعل جنة الله فى الأرض , أما على الواقع فقد ندم المهاجرون ندما رهيبا على ترك بلادهم الأصلية والإستماع للمغريات اليهودية بعد إكتشافهم أن إسرائيل ليست دولة بالمعنى المفهوم وإنما هى شركة يسيطر عليها موظفون كبار , بينما يقع عامة الموظفين تحت خدمتهم بأقصي طاقة نظير أقل أجر
هذا بالإضافة إلى غياب الأمن نهائيا عن الدولة اليهودية إما لاعتبارات المجاهدين وعملياتهم الفدائية وإما لتفشي الجريمة كرد فعل طبيعى لعدم وجود ضمانات إقتصادية آمنة للمواطنين
واستمرت إسرائيل برعاية الصهيونية فى مخططها الذى يتحكم فى مواطنى الدولة كعرائس خشبية مهمتها فقط أن تشغل حيزا من الفراغ حول المسجد الأقصي بطريقة الإحلال بدلا من العرب وتغييب الهوية الإسلامية نهائيا عن المدينة كهدف أسمى يجب أن يستمر مهما كانت الضغوط
واتضح هذا الهدف جليا فى بعض الممارسات السياسية التى كانت تنم عن تناقض فى بعض الأحيان إذا تم النظر إلى القضية كقضية صراع على أرض

وكان هذا واضحا منذ عام 1977 م أو قبلها بفترة قليلة عام 1967 م فى شكل المشاهد التالية
* إنعدام الهدف من التكلفة الطائلة والعناء الرهيب من الإحتفاظ بسيناء محتلة والإصرار عليه بالرغم من أن قادة إسرائيل أنفسهم واثقين أن هذا الوضع من المستحيل أن يستمر نظرا لما تكابده القوات الإسرائيلية من الإحتفاظ بالجيش بحالة تأهب مرضي خوفا من الهجمة المصرية بالإضافة إلى التكلفة الطائلة من أثر احتلال سيناء الذى لم يدر عليها أى نفع إقتصادى فلم تقم إسرائيل باستغلال سيناء من أى وجه يعوض التكاليف العسكرية التى قصمت وسط الإقتصاد الإسرائيلي , وكأنها تعلم مسبقا أنها لن تُبقي سيناء فى قبضتها

* بعد ضربة أكتوبر ومحادثات فك الإشتباك الأول والثانى أبدت إسرائيل مرونة غير متوقعة فى الإستجابة للضغط المصري لكنها تمسكت بشرط وحيد أصرت عليه وهو إقامة معاهدة سلام أو حتى معاهدة عدم اعتداء مع مصر , وهو الأمر الذى عزاه بعض المحللين لتأثير حرب أكتوبر وهو تأثير رهيب دون شك أفقد الجيش الإسرائيلي توازنه وثقته لكن هذا لم يكن السبب الوحيد وإنما كان هذا الطلب هو الهدف الأصلي من حرب 1967 م من الأصل !

فإسرائيل لو ضمنت أن جمال عبد الناصر سيوقع معاهدة سلام تخرج بها مصر من معادلة القوة العربية لأعادت سيناء دون قيد أو شرط , لأن إحتلال سيناء لم يكن بهدف إحتلال أرض جديدة بل لوضع معادلة إسرائيلية تفاوض بها إسرائيل على السلام مقابل سيناء

* تلقي السادات قبل عقد معاهدة السلام عرضا حمله إليه إيريل شارون وكان العرض غريب الوقع على أذن السادات لأن هذا الأخير نظر إليه من منطلق سياسي بحت بينما كان عرض شارون منطقيا لو نظرنا إليه من وجهة نظر الهدف من تأسيس إسرائيل أصلا , حيث عرض شارون على السادات منحه صكا مفتوحا ليقوم السادات بالسيطرة على ليبيا وضمها لمصر بتشجيع من الولايات المتحدة نظير إنهاء أى حالة حرب مستقبلة بين مصر وإسرائيل , وبالطبع رفض السادات

وفيما بعد ,
وبعد معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية لم تكترث إسرائيل مطلقا بأى تأخير فى معاهدات أو حروب مع الأطراف الأخرى وكأن التهديدات الأمنية لا تقلقها بل إن الإعلام الإسرائيلي احتفي بالسادات إحتفاء مبالغا فيه عندما عرض مبادرته , وكان هذا غريبا فى عيون المحللين إذ أن الشعور الطبيعى لأى شعب فى العالم يتلقي هزيمة ساحقة على يد خصمه لا يمكن أن ينقلب حاله من منتهى الكره إلى منتهى التقدير لمجرد عقد سلام عقب حرب ضروس انتصر فيها هذا الخصم وأبكى كل بيت إسرائيلي بضحية أو مصاب
والأمر على هذه الصورة من الناحية السياسية البحتة وحدها يمثل خسارة رهيبة لإسرائيل على طول الخط بل بينما يرتفع المكسب المصري بالحرب التى قهر فيها عقدة الرهبة والخوف ثم بالمعاهدة التى استعادت كامل أرضه
غير أن الأمر من حيث صورته الأصلية يوضح العكس تماما ,
وهو نصر إسرائيلي يتمثل فى تحقيق مكسبها البعيد من وراء الحرب مع مصر ألا وهو إبعادها عن معادلة الصراع بكل ما تمثله من ثقل إسلامى وعربي , وهذا الهدف الذى لم يدر لحظة بمخيلة السادات أو أى قائد عربي آخر كان يمثل المقابل المنطقي للخسارة الفادحة التى منيت بها إسرائيل بإحتلال سيناء ثم الجلاء عنها دون مكسب واحد ظاهر أو خفي
ويؤكد هذا المعنى أن حرب 1967 كانت مختلقة أصلا عن طريق إستفزاز مصر بالحشد على سوريا لتسارع مصر باتخاذ إجراءات عسكرية مضادة بحشد جيشها فى سيناء , فتستغل إسرائيل الفرصة للتهليل بأن مصر تنوى العدوان أو على حد تعبير ليفي أشكول ـ رئيس الحكومة الإسرائيلية وقتها ـ أن العدوان بدأ بالفعل وأطلقت فيه مصر الطلقة الأولى بغلق خليج العقبة فى وجه الملاحة الإسرائيلية , ” 4 “
وكان مبرر التمثيلية ضمان عدم تحرك المجتمع الدولى لردع العدوان كما حدث عام 1956 م بظهور صورة إسرائيل على أنها خاضت حربا دفاعية لا هجومية وهو ما تم بالفعل وقامت إسرائيل بضرب الجيش المصري فى سيناء واستقرت بها

هنا ..
لو أن هدف إسرائيل كان هدفا سياسيا فقط يتمثل فى توجيه ضربة عسكرية قاصمة لمصر لاكتفت بالضربة وانسحبت لا سيما أنها لا تمتلك الكفاءة أو القوة للسيطرة على تلك المساحة الهائلة , غير أنها احتفظت بها بتكاليف مذهلة ودون أن تمارس علي سيناء نشاط إستيطانى أو إستثمارى يوحى بنيتها الإستفادة من الأرض التى احتلتها ,
غير أن الهدف كان الإحتفاظ بسيناء كورقة ضغط دائمة تجبر مصر على إجراء تنتظره إسرائيل لتنفرد بالعرب جميعا فى غياب القائد ودوره سواء القيادة العسكرية أو القيادة الدينية اليقظة التى يمثلها الأزهر
ولهذا السبب وعلى الرغم من الهزيمة الفاضحة لإسرائيل فى عام 1973 م , والتى كانت كفيلة بالقضاء على مستقبل ومكانة جيل إسرائيل المؤسس كله إلا أن هذا الإنتصار لم ينه مستقبل أحدا منهم إلا صغار القادة فى المؤسسة العسكرية والإستخبارات
فى حين شغل موشي ديان منصب وزير الخارجية فى حكومة بيجن التالية لحكومة الهزيمة , كما شغل شارون منصب وزير الدفاع رغم كونه أحد قواد 1973 م , واستمرت جولدا مائير مستكملة مدتها كرئيسة وزارة رغم الهزيمة
الأكثر من ذلك أن مجئ مناحم بيجن كرئيس وزارة فى إسرائيل قبل بدء مفاوضات مصر معهم لم يمنع ـ كما هو متوقع ـ إستمرار المفاوضات بل على العكس تمت معاهدة السلام فى عهد بيجن اليمينى المتطرف الذى أسس حزبه نفسه على مبدأ حرب بلا نهاية !
وأيضا كان المشهد غريبا بالنسبة للنظرة السياسية بينما النظرة الأخرى وهى هدف إسرائيل البعيد لا يمثل تناقضا مع موقف بيجن كما لم يمثل تناقضا فى استمرار صعود ديان وشارون لأنهما قادا الفكرة المطلوبة بنجاح من معركة 1967 م
وفى المذكرات المنشورة لقادة إسرائيل منذ تم تأسيسها على يد بن جوريون سنلاحظ أن العبارة المتكررة التى يشير إليها كل رئيس وزارة هو مدى أهمية إبعاد مصر عن معادلة الصراع بأى وسيلة كانت
وكدليل آخر على مدى الإطمئنان الذى جلبته معاهدة السلام للإسرائيليين هو أن حركة الإستيطان وبناء المستوطنات لم تبدأ إلا بعد عام 1977 م
ونعود للفكرة الأصلية من هذا الشرح وهو سبب الرعب المستمر من وجود مصر فى بؤرة الصراع وهو ليس رعبا من دافع قوة مصر العسكرية بل هو رعب من شعار أى معركة تقودها مصر ضد إسرائيل وهو الشعار الإسلامى الصرف

لماذا لم يتضح الهدف الإسرائيلي بشكل صريح

لم يتضح هدف إسرائيل من ضرب الهوية الإسلامية فى المنطقة وشعورها الدائم بالرعب من سطوتها لسبب بسيط وهو أن النظم الحاكمة تكفلت بهذا الأمر عوضا عنها دون أن تدرى ,
فمع ظهور التيارات المتشددة أو تيار الجهاد الإسلامى فى مصر والجزائر ولبنان وسوريا وتهديدها لأمن واستقرار الحكومات حتى تفجرت الصراعات بين الجانبين واستمر الصراع يزداد عنفا مرحلة تلو مرحلة حتى وصل الأمر فى مصر مثلا إلى الخوف من كل من يرتدى جلبابا أبيض ويطلق لحيته !
فاكتفت الآلة الإعلامية الإسرائيلية والقوى المحركة من خلفها إلى العمل فقط على نصرة دعاوى التغريب ومناهضة أى صحوة دينية تظهر بتشجيع الفكر الغربي والعلمانى , وهناك من الأقلام من تم إستئجاره صراحة للقيام بهذا الدور وهو هناك من أدى هذا الدور بمناصرة خفية تمكنت فى احتفاء مؤسسات دولية أو عالمية بأى نفكر يظهر عليه بوادر أى هجوم من أى نوع على الإسلام أو الثوابت الأخلاقية
وتلك المؤسسات إما مؤسسات ثقافية وهمية وإما رسمية تابعة لمنظمات دولية وتخضع للتوجيه الصهيونى
والأمثلة أكثر من أن تحصي ويكفينا بيانا مثال كسلمان رشدى الروائي النكرة الذى جعلت منه بريطانيا شهيدا للفكر ومنحته دعما إعلاميا وماديا ورعاية لم يحظ بها وليام شكسبير فى زمانه لمجرد أنه قام بدوره المطلوب فى رواية ” آيات شيطانية

بالإضافة لعلى سالم الكاتب المسرحي الشهير الذى بدأ أفكاره بالدعوة للسلام بحسن نية فى البداية ثم تلقفته الأيدى شيئا فشيئا بدعم مادى ومعنوى لم يحلم به طيلة عمره فانغمس فى اللعبة وهو الآن يكتب فى الواشنطن بوست بالولايات المتحدة وتنعقد المؤتمرات لمناقشة أفكاره العبقرية بينما هو فى قيمته الفكرية التى يدعى الغرب نصرتها لا يساوى فى نظهرهم هم مثقال ذرة وإلا لماذا اكتشفوا عبقريته فجأة بعد مرور ثلاثين عاما على ممارسته الكتابة ؟!
وأيضا نسرين تسليمة التى بالغت جدا فى تمثيل دورها لتستفز عليها الآلة الإعلامية الغيورة لتلفت النظر إليها , والتفت إليها الغرب بالفعل وأخذت تزايد فى نشاطها للدرجة التى دعت بعض المنظمات بالولايات المتحدة للفت نظرها أن ما تدافع عنه من العربدة الأمريكية بالشرق الأوسط ينكره الأمريكيون أنفسهم فكيف بها وهى عربية أن تتفوق عليهم !
بل إن الأمر وصل حاليا إلى أن الطريق أصبح معروفا لكل كاتب مغمور أو طامح إلى الجوائز والتقدير الغربي فما هى إلا بعض الكتابات التى تهاجم الدين وعقائده بشكل صريح ـ غبي كالمعتاد ولا يستحق الرد عليه ـ حتى تقوم الأيدى المتلهفة بإنقاذه وتصويره على أنه منقذ البشرية من الضلال
الطريف أن بعض من يقومون بهذا الفعل للفت النظر لا يلتفت إليهم ممثلوا تلك المنظمات إما لعدم التفات المجتمعات إليهم أو لقلة تأثيرهم فما كان من بعض هؤلاء إلا كتابة الكتب المتهجمة على العقيدة وإرسالها بطرود إلى قيادات الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية طمعا فى صدور قرار بسحب الكتاب من الأسواق وبالتالى يتحقق المطلوب للقيام بدعوى الإضطهاد
وتأشيرة السفر الغربية أو الأمريكية أو حق اللجوء السياسي تمثل حلما بعيد المنال لأى شخص فى حين أنها جاهزة ـ حتى قبل طلبها ـ لكل من يختار الطريق الصحيح لذلك وهو الهتاف ضد أى دعوى تحيي ذرة من الحضارة الإسلامية


كيف أسقطوا حماس
سبق الإيضاح كيف نجحت إسرائيل فى تحقيق هدفها بإبعاد مصر عن معادلة الصراع حتى لا يظل تهديد قيادتها قائما , ولم تخش إسرائيل من أى حركات مقاومة فى الأرض المحتلة مهما بلغت مقاومتها قدر خشيتها من وجود مقاومة بزى إسلامى يرفع راية الجهاد ضدها ,
لأن هذا معناه تعاطف وتأييد مليار مسلم
ولذلك أهملت سائر الفصائل وركزت إهتمامها على حماس فور ظهورها بقيادة الشيخ أحمد ياسين ,وتمكنت حماس بسرعة مذهلة من ترسيخ نفسها فى وجدان الشعب الفلسطينى والعربي مع الخط الإسلامى الذى أصر عليه مؤسسها أحمد ياسين ونائبها عبد العزيز الرنتيسي
وعندما دخلت منظمة التحرير الفلسطينية إلى النفق المظلم للمفاوضات والإعتراف بإسرائيل أعلن الشيخ أحمد ياسين أنه ماض فى طريقه فلا مفاوضات قبل إجبار إسرائيل على ذلك من منطلق قوة , ولا دخول فى دهاليز إقامة السلطة المنقوصة والحكومات فاقدة الأهلية
وقامت إسرائيل باعتقال الشيخ لسنوات رغم كونه فى أرذل العمر ومقعد , ومع ذلك ظلت حماس على نفس الخط من عام 90 حتى عام 2000 م
وكلما كانت السلطة الفلسطينية ممثلة فى عرفات وأبو مازن تتورط فى التنازلات كانت قامة حماس لا تزال تواصل الإرتفاع نتيجة لبقاء توجيهات الشيخ أحمد ياسين وقبضه على مقاليد الأمور فيها ومعه مناضل آخر من نفس الطراز هو عبد العزيز الرنتيسي
وبمجرد إدراكها لذلك ,
وبرغم أن الشيخ أحمد ياسين رجل مقعد فى أواخر العمر , اغتالته إسرائيل بصواريخ مروحية عسكرية بطريقة وحشية , ولم تمض أيام حتى أتبعتها مروحية أخرى نالت من عبد العزيز الرنتيسي وهما قائدى حماس المحافظين على الأسس التى قامت عليها المنظمة وهذا هو المبرر الوحيد لقيام إسرائيل بإجراء كهذا المفروض أنه لن يقدم أو يؤخر مع استقرار الحركة وازدياد شعبيتها وعدم افتقادها للكوادر القيادية التى تواصل المسيرة إلا أن إسرائيل كانت تدرك قيمة وجود الرجلين وكيف أن وجودهما يعنى استمرار حماس على خطها الثابت دون تغيير

ثم بدأت الإغراءات تنال من قادة حماس الذين خلفوا الشهيدين بطريقة غير مباشرة , وكانت البداية مع التفكير فى اكتساب حماس لشرعية وجود دولية وسلب السلطة الفلسطينية التى تمثلها منظمة التحرير وفتح مكانها القيادى المظهرى على رأس الدولة ورأس المجلس التشريعى والسيطرة على مصادر التمويل التى تذهب للسلطة القائمة باعتبارها ممثلة رسمية أمام العالم للشعب الفلسطينى
وظهرت أصوات معارضة لهذا التوجه والإنخراط فى العمل السياسي الذى لن يقدم أو يؤخر فى القضية إلا أن التيار الغالب كان لصالح خوض التجربة , وبالتالى وعقب إنتهاء دور عرفات ودحلان وأبي مازن لم تجد إسرائيل بدا من التضحية بهم كأوراق محترقة والإلتفات إلى التيار الصاعد لحرفه على توجهه
ولهذا جاء إعلان شارون انتهاء عرفات كممثل وشريك تفاوض رغم كونه لم يرفض لإسرائيل طلبا أو يتوانى لحظة عن الإعتراف بعدم شرعية الهجمات الإنتحارية بل وقام بالمطلوب منه حرفيا فى صدد اعتقال عناصر حماس التى قامت بعمليات فدائية حازت إعجاب العالم وحصدت إستنكار عرفات أمام وسائل الإعلام
أيضا وبالمثل قامت إسرائيل بنفس الدور مع أبى مازن ومحمد دحلان فسربت عمدا كل المؤشرات التى تظهر التعاون الوثيق بين الطرفين
كل هذا فرّغ الساحة أمام حماس لتفكر جديا فى لعبة السياسة التى وقعت فيها بقبولها الخوض فى الإنتخابات مع ما يلزم من مظاهر الإستنكار والرفض من جانب إسرائيل لفوز حماس , وهو إستنكار ضرورى لتكوين الذريعة المناسبة لتجاوزات إسرائيل مع توافر طرف متطرف على الجانب الآخر كما تزعم
وتم استقبال قيادات حماس من جانب أطراف عربية تلقنها ما يجب أن تكون عليه كحكومة ونظام ديبلوماسي !
وبدأت التنازلات تترى من أول لحظة عندما أوقفت تقريبا سائر العمليات العسكرية من الحكومة الجديدة وبدأت لعبة اتفاقات الهدنة , ومد جسور مفاوضات السلام
ثم خرجت حكومة حماس للعالم الخارجى حيث دنيا سيارات الليموزين والإستقبالات الرسمية التى حفلت بالتغيير فى مواقف سابقة قطعتها حماس على نفسها وكان أبرزها تناولها عن الإرتباط مع قضايا العالم الإسلامى وظهر ذلك مع تصريح من أحد أطراف الحكومة أثناء زيارته لموسكو قال فيه علنا أن حكومة حماس تعتبر الشيشان مسألة داخلية !

وعندما تفجرت الخلافات الدموية بين مختلف الفصائل وحماس سكنت سائر الأصوات ونسي جميع الأطراف كل شيئ إلا ضرورة انتصار كل منهما على الآخر .. وكان الهدف أيضا شغل حماس بصراع داخلى عن طريق إظهار إسرائيل عدم اعترافها بحكومة حماس لتعلن بقية الفصائل أن حماس لن تفيد الشعب الفلسطينى وبالتالى فعليها التنحى لتعود نفس الوجوه القديمة لمقاعد الحكومة حتى تقبل إسرائيل بالتفاوض
وهكذا نجحت نفس اللعبة اليهودية التى نجحت مع مصر وتمكنت إسرائيل من إبعاد حماس عن خطها كمنظمة نشأت للدفاع عن الحق الإسلامى والعربي وفقط ,

أما لعبة غزة الأخيرة التى أثارت دهشة العالم من حماقتها لكونها عملية وحشية لا مبرر لها , وقد خمنت بعض الدوائر السياسية أنها حرب للقضاء على حماس والخلاص منها , فلما أسفرت الحرب عن بقاء حماس كما هى وفى نفس الوقت تعلن إسرائيل أنها حققت هدف العمليات
كان لابد من التساؤل وما هو هذا الهدف الذى تحقق والذى استحق الهزة التى تلقتها إسرائيل من ردود فعل العالم أجمع فضلا على الخسارة الإقتصادية مع تركيا ؟!

وكان هذا الهدف إسقاط بقية التعاطف الباقية مع حماس وسد الطريق على أى محاولة لتصفية الأجواء بين الفصائل عندما تتخلى تلك الفصائل ـ كما حدث بالفعل ـ عن حماس فى مأزقها بغزة ومحاولة تصوير الدمار والخراب الذى حل بغزة على أنه بسبب حماس وحدها وبالتالى تكون حماس هى التى جرت على شعبها وابل الدمار واهتمت فقط بمصلحتها وبقائها , وبالفعل دافعت حماس عن مصالحها أمام فتح بشراسة وطردتها نهائيا من غزة بينما اكتفت بالصمت إزاء العدوان الإسرائيلي
بالإضافة لنتيجة أعظم تخدم المخطط الإسرائيلي تتمثل فى أن الإنقسام لم يقتصر هذه المرة على الفصائل المتحاربة بل امتد إلى الشعب نفسه الذى انقسم فعليا بين غزة وأريحا وتفجرت أجواء الصراع بينهما
هذا الصراع الذى بدأ منذ اللحظة الأولى سياسيا محضا لا علاقة له برسالة حماس القديمة التى
رفعت راية الإسلام فتربصت بها إسرائيل وأنهت وجود تلك الراية للأبد ,
وستجرى الأيام القادمة لتعلن عن المخبوء عندما تقبل إسرائيل الإعتراف بحماس كشريك تفاوض وهو غاية المنى بالنسبة لإسرائيل لخبرتها السابقة فى كيفية اللعب بعصا المعز وذهبه ولثقتها أن غياب الوجه الإسلامى معناه غياب التمسك بالثوابت جميعا

وغاية القول ونتيجة المقال تتلخص فى طريقين انحرفت عنهما المقاومة ـ كل مقاومة ـ وانشغلت بالصراعات الجانبية
الطريق الأول : حصر الإشكال فى قضية أرض لا قضية عقيدة
الطريق الثانى : البحث عن شرعية الحكومات بدلا من شرعية القتال التى تظل دائما وأبدا هى الشرعية الوحيدة المقبولة طالما كان هناك إحتلال

وآخر النتائج التى أوصلتنا إليها مراحل التخلى هى ضياع مسألة القدس والمسجد الأقصي نهائيا من طاولة الإهتمام والحوار بعد أن نجحت إسرائيل فى حصر الإنجاز المتوقع على تكوين دولة فلسطينية وتعايش سلمى رددها الأطراف المعنيون كالببغاوات
فى حين أن مراحل تهويد القدس قاربت الكمال !

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ

“1″ الأسطورة والإمبراطورية والدولة اليهودية ـ محمد حسنين هيكل ـ طبعة دار الشروق

” 2 ” الصهيونية تختلف عن اليهودية وليست كما يتصور البعض كلمتان مترادفتان , فاليهودية ترمز لديانة سماوية بينما الصهيونية منظمة سياسية هدفها الرئيسي نزع التدين من سائر الجماعات والدول والأفراد حتى من اليهود أنفسهم , فهى تريد من اليهود أن يكونوا زنادقة لا يهود متعلقين باليهودية
والصهيونية لها نوعان أولهما الصهيونية بمعناها بنشاطها اليهودى والنوع الآخر بالمعنى المسيحى والإختلاف بينهما يكمن فى الرغبة المختلفة لكل منهما فى رعاية إسرائيل , فالصهيونية اليهودية تهدف لتحريك اليهود انطلاقا من فلسطين تحديدا بينما المسيحية تهدف لإستغلال اليهود فى شتى بقاع العالم ثم فلسطين بعد ذلك

” 3 ” لمزيد من التفاصيل فى تفنيد المزاعم اليهودية رجاء مراجعة موضوع ” ردود متنوعة على منكرى الحق العربي بفلسطين ” للكاتب

” 4 ” الإنفجار ـ محمد حسنين هيكل ـ طبعة مركز الأهرام للترجمة والنشر

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : المقالات السياسية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من التعليق