تعلم كيف تواجه .. وتعلم كيف تناظر ” 1 “

كتبهامحمد جاد الزغبي ، في 4 سبتمبر 2009 الساعة: 23:02 م

ما الفارق بين الجدل والحوار ؟! وهل تدخل المناظرات تحت باب الجدل أم باب الحوار ؟
هل الدخول فى المناظرات فرض أم ضرورة لها شروط ؟!
ماذا نفعل ككتّاب عندما هجوما على الإسلام , هل نرد أم نصمت أم ندخل فى مناقشة ؟!
كيف يمكن أن يصبح الرد على الهجوم أسوأ أثرا على الإسلام من الهجوم نفسه ؟!
وكيف يمكن أن يصبح طريق الجنة .. طريقا إلى النار دون أن ندرى ؟!

حول إجابة هذه الأسئلة يدور الموضوع العاشر من سلسلة " تعلم .."

تعلم كيف تواجه ,, وتعلم كيف تناظر

مما يؤثر عن أحد علماء الهندسة أسلوبه المتفرد فى مواجهة مشاكل عمله , فعندما يواجه جهازا معطلا لم يكن يدخل مباشرة إلى أسباب العطل ومكانه بل يتجاهلهما تماما و يعيد تفكيك الجهاز بأكمله ويبدأ فى تركيبه حسب تصميمه الأصلي من جديد , وكلما يصادف خللا أثناء إعادة التركيب يصلحه ويستمر
بهذا الأسلوب لم يستعص عليه عطل فى جهاز أو يحيره ,
لأنه أحال الظاهرة للأصل وبدأ الحل من الجذر
وما فعله العالم فى المجال العملى نحن مطالبون به ـ من باب أولى ـ فى مجالنا الفكرى والذى يعتبر أخطر مجالات العلوم الإنسانية على الإطلاق , فبالفكر وحده وعلى أساسه وقعت كوارث العالم أجمع وكذلك تم إصلاحها بالفكر
ولا عجب فى ذلك لأن الاعتقاد الفكرى هو المحرك الرئيسي لنشاط الإنسان فإن كان فكرا خيرا أنتج خيرا وإن كان شرا أنتج مثله
وبالاعتقاد الفكرى والعقدى نشأت دولة الإسلام كإحدى معجزات الحضارة الإنسانية فى بضع سنين بهداية الوحى التى استقبلتها عقول أحسنت التفكير فعرفت نداء السماء وأجابته , ولم يحدث التخلخل إلا عندما بدأت الفرق فى الظهور فتغير الإعتقاد وفقد طلاوته الأولى التى نزل بها غضا على المحجة البيضاء , وعندما تغير الاعتقاد وأصبح مدخولا بفروع شيطانية غريبة على الجذر الأصلي بدأت الحروب والفتن واستمرت ليومنا هذا

وعبر تاريخ الإسلام البالغ الثراء دارت رحى المعركة بين الأصل والفروع , وظهرت فى فترات متقطعة من العصر الإسلامى الوسيط دول إسلامية أعادت رونق الخلافة معتمدة على مبدأ العودة للأصل وهو المبدأ الذى كفل لها النجاح لأن غياب الإصلاح الفكرى أولا هو سبب حتمى للفشل فيما بعد
وهذا المبدأ , مبدأ سماوى خالص عبر عنه رسول الله عليه الصلاة والسلام فى غير موضع من أحاديث الفتن وخصه بالجانب الأعظم من وصاياه ولم يفتأ يكرره على مسامع الصحابة ومثال ذلك قوله عليه الصلاة والسلام
" إن من يعش بعدى سيري اختلافا كثيرا فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى عضوا عليها بالنواجذ "
وقوله أيضا " لقد أتيتكم بها بيضاء نقية لا يزيغ عنها إلا هالك "
ولهذا كان المصلحون فى كل عصر يرفعون لواء العودة للأصل طارحين كل البدع المحدثة التى دخلت على دولة الإسلام فنجحت حركات الإصلاح لهذا السبب والمتأمل فى تاريخ الإسلام يجد أن كل أزمة مستعصية عصفت بالدولة كانت مبنية على اعتقاد فاسد مخالف للأصول
من أول فتنة الخوارج أول وأعظم فتنة إلى يومنا هذا حيث فتنة المذاهب الإنسانية المختلفة

ولأن الإتجاهات المعادية للإسلام ـ بعد دراسات المستشرقين المتعمقة ـ عرفت أين يقبع المقتل ركزت همها وجهدها عل ضرب الأصول بأى وسيلة , فلما عجزت , وظل القرآن محفوظا بحفظ الله وانبري علماء السنة فاستأصلوا شأفة الأحاديث الموضوعة وعزلوا القسم الصحيح وحفظوه , لم يجدوا أمامهم حلا إلا ضرب علاقتنا بتلك الأصول !

وهذا الأسلوب استمر أيضا إلى اليوم حيث تركز الدول العظمى والحركات الفكرية المضادة فى بلاد الإسلام على مبدأ رئيسي وهو تعقب أى نداء يظهر فيه ولو طرف شعرة من العودة للأصول , ويتم محاربة هذا الجانب بكل الوسائل بداية من التدخل العسكري كما فعلت الولايات المتحدة فى حربها المزعومة ضد الإرهاب إلى الغزو الفكرى الذى رسخ عبر قنوات إعلامية محترفة اعتقادا جازما بأن كل من ينادى بالعودة للأصول هو متخلف إرهابي ,
وأصبحت من قبيل الثقافة العامة المنتشرة أن يتم السخرية من كل متحدث بالعربية الفصحى أو من كل من ينوه عن شخصية تاريخية تحمل شبهة إشادة بتاريخ الإسلام رغم أن الغرب لم يقطع صلته بتاريخه المشوه مطلقا , بل جعل منه مادة خصبة على موائد الإعلام حتى لو كان تاريخا أسطوريا لا يمت للواقع بصلة ,

وبينما يفخر الغرب بزينا وهركليز وأخيل ونبوءات نوستراداموس , ولا يجد حرجا فى ذلك , أصبح مفكرونا ومثقفونا يجدون حرجا إذا استشهدوا بقول لأبي حنيفة أو الشافعى أو نقلوا رأيا فكريا للسيوطى أو الأشعري
هذا فضلا على التدخلات السياسية التى لا تهمل أدنى صعود للتيار الإسلامى السلفي فى أى مكان بالعالم الإسلامى فيبدأ الضغط على الفور بالوسائل العلنية والسرية لخلق حرب عداوة بين الأنظمة وبين تلك التيارات حتى لو كانت تيارات فكرية محضة لا تتعرض للأنظمة ولا تتدخل بالشئون السياسية وتكتفي بإحياء التراث فحسب
ولنا أن نتأمل الضربات الأمنية القاصمة التى يتعرض لها تيار الإخوان المسلمين أو جماعة أنصار السنة بمصر والمحاربة الإعلامية المصاحبة لذلك ونقارن هذا كله بالدعم الكاسح التى تحظى به الطرق الصوفية سواء على مستوى الدولة أو على مستوى الدعم الخارجى المهول

فالطرق الصوفية بمصر لم تحصل فقط على الوجود الشرعي باعتماد المجلس الأعلى للطرق الصوفية مجلسا عاما تابعا للدولة , بل هناك دعم سنوى للمجلس فضلا على أن رئيس المجلس فى البروتوكول السياسي مساوى لمكانة شيخ الأزهر سواء فى الراتب أو المعاملة
هذا خلافا لسكوت الدولة عن الدعم المادى الخارجى الذى جعل من مجلس الطرق الصوفية مؤسسة تتجاوز ميزانيتها ثلاثة أرباع مليار جنيه ,
وتحاط الإحتفالات الصوفية بالحماية الأمنية على أعلى مستوى رغم أنها تتجاوز ثلاثة آلاف حفل سنويا تحميه الشرطة حماية كاملة , وبأحدث الوسائل
فضلا على الدعم السياسي الخارجى الذى يجعل سفير الولايات المتحدة السابق بمصر يحرص على حضور مولد السيد البدوى بطنطا ! وتخلفه مرجريت سكوبي فى ذلك
وإذا تأملت الحروب العلمانية مثلا على الإسلام والفكر الإسلامى لا تجد منهم أدنى إشارة بالانتقاد للفرق البدعية كالصوفية والمعتزلة الجدد " العصرانيون " على سبيل المثال رغم وجود المبرر البالغ القوة لذلك والمتمثل فى كل هذه الإمكانيات المهولة لمجرد تغييب الناس

ولهذا يبدو غريبا جدا أن تثور ثائرة العلمانيين لمحاضرة يلقيها عالم أو فقيه ويهملون فى نفس الوقت هذا البذخ والسرف وتعطيل مصالح الدولة مع الصوفيين
ومن أوجه الغرابة ـ اللافتة للمتأمل بعيد النظر ـ أن السلطات الرسمية والغرب متمثلا فى الولايات المتحدة رغم أنه لا يطيق ذكر الإسلاميين , إلا أنهم يتناسون هذا تماما مع الطرق الصوفية على نحو يجعلنا نتساءل ,
لو أن الطرق الصوفية ـ كما يرجون لها ـ تمارس نشاطا إسلاميا عارما فلماذا يواليها المعادون للإسلام ويسكتون عن تصرفات لو لاح ريحها مع فقيه لكان مصيره وراء الشمس
والقانون الأمنى الذى يمنع التجمهر لما يزيد عن عشرين شخصا نجده مع الصوفيين يحمى ويوالى تجمهرا من عشرين ألفا !
لكن ـ كما يقال ـ إذا عرف السبب بطل العجب ,

فإن الخوف كل الخوف ليس من الفرق البدعية التى حادت عن الطريق بل من أى نداء أصولى للبحث خلف المنبع , والغرب يستفيد من دروس الماضي جيدا ولم ينس بعد ما فعلته الأصولية الإسلامية بمنهجها البسيط فى الشيشان وأفغانستان وباكستان وأندونيسيا وفى حرب أكتوبر والآن فى العراق والصين
لهذا صارت حساسية الغرب وحلفائه تجاه كل بذرة إسلامية صحيحة ظاهرة واضحة بما لا يدع مجالا للشك ,
وإلا كيف يمكن تبرير الحروب الضارية التى تشنها الأجهزة الرسمية والدعايات الخارجية تجاه التوجه الإسلامى الصحيح وتعجن ذلك كله فى زمرة واحدة هى الإرهاب والعنف رغم أن تيار العنف تيار يختلف فى الأساسيات مع تيارات الإصلاح السلفي , والموجودون على الساحة الآن علماء ودعاة لا مقاتلين فلم كل هذا القلق وكل هذا الهجوم الذى ينال علماء المسلمين ودعاتهم وهم لا يطرقون السياسة ولا شأن لهم بالنشاط المضاد للأنظمة , ولماذا كل هذا الاتهام لأى كتاب أو كاتب يلمح ولو من بعيد لأصول الإسلام وترك التفرق ؟!
ولماذا كل هذا الترصد للإلتزام الدينى والسعى إلى طريق الله وانتقاد أى دعوة ولو كانت للفرائض الواجبة ؟!
ولماذا تثير اللحية الكثة فى وجه شاب سنى ذعر الأمن بينما اللحية الأخرى ـ على مذهب دوجلاس ـ تحظى بالقبول !

هذه هى صورة الساحة الآن ..
تيار عام تمثله الشعوب المجبولة فطريا على العقيدة الصحيحة , وتحاول الخروج من شرنقة الشبهات والمكايد الفكرية التى تغلق عليها رغبة التحرر الحقيقي من الغزو الفكرى
ووسيلتهم فى ذلك التماس العلماء والدعاة الواقفين على الحدود ـ وهم على قلة إمكانياتهم ـ وفقهم الله للوصول للقطاع الأعرض من الجماهير المتلهفة لهم , وليس أدل من ذلك ما نراه من احتفاء جماهير البسطاء بأى نصر اسلامى من أى نوع وتقديمهم نصرة الإسلام على نصرة الأوطان
وتيار خاص يتفرع إلى عدة توجهات تتفق جميعا فيما بينها على الهدف وتختلف فى الوسيلة وتمثله الحروب الفكرية الخارجية والأفكار الدخيلة التى تمتلك ناصية الإعلام
ولأن كل توجه من هؤلاء يهدف لقتل أى صحوة فى مهدها , فإن كل منهم اتخذ بابا معينا يطل من خلاله على الناس أملا فى تشتيت جهود الدعاة والعلماء , وفى كل باب من تلك الأبواب تستعر حرب فكرية ضارية كجبهة مستقلة عن الأخرى وما أكثر الجبهات وأسلحتها من الشبهات

هذه الحروب الفكرية تتنوع بين المناظرة وبين الحوار ,
ولأن القاعدة المتفق عليها فى أى قضية هى ضرورة العودة للأصل ومناقشة الأمر من المنبع ,
فكان لزاما أن نتعرف عن الفوارق بين الحوار وبين المناظرات , وأنواع كل منهما , والضوابط التى حددتها الشريعة فى هذا الشأن باعتبارها المقياس الأول والأخير للعمل والتطبيق
ولأننا أصبحنا بالفعل فى عصر الفتن ,
فقد اختلطت الخيوط كثيرا وتسللت إلى القضايا الجوهرية قاعدة المثل الشعبي الشهير " هات من الآخر " وهو قول يضاد كل منطق حتى منطق اللهو والعبث لأن البدء بالنهاية يجعلك تدور فى دائرة مفرغة لا تصل لحافتها أبدا
وهو ما يحدث بالفعل الآن فتحت اختلاط المفاهيم اضطربت الصورة بشكل ضبابي أمام عامة الناس بل وأمام الباحثين الذين تعجلوا ـ بدافع الغيرة ـ الدخول لساحات المعارك قبل معرفة ضوابطها فكانت النتيجة أن أصبح عالم اليوم عبارة عن مسرح كبير للجدل الفارغ لا تكاد تخرج منه بفائدة إلا كما يخرج فم العصفور من ماء البحر

 
كيف تواجه , وكيف تناظر

يغيب عن بال الكثيرين أن الحوار والجدل من أكثر القضايا التى تناولها التشريع الإسلامى بالتنظيم والضبط , وذلك أن القاعدة النبوية تقول أن الباب الذهبي للفتن العمياء الصماء هو الجدل وما من قوم يظهر فيهم إلا وجاز لنا أن نكبر عليهم سبعا
ولنا فى أمثلة القرآن الكريم أسوة وعظة , فالجدل هو الذى أضاع بنى إسرائيل الذين اصطفاهم الله وفضلهم فلم يحسنوا ذلك وكانوا أولى جدل شديد فحاق بهم الغضب ,
وتروى سورة البقرة قصة قتيل بنى إسرائيل وطلبهم من موسي أن يحل القضية فجاء الوحى بأن اذبحوا بقرة , وبدلا من أن ينفذ بنو إسرائيل الأمر بلا تنطع , فارت طبيعة الجدل فى أعماقهم فإذا بهم يجادلون موسي ويتهمونه أنه يسخر منهم فلما أوضح لهم تمادوا فى الجدل وطلبوا الإيضاح لأمر هو واضح وضوح الشمس
ولو أنهم ذبحوا أى بقرة لأدوا بذلك أمر الله وانتهت المشكلة , لكنهم جادلوا فضيق الله عليهم

وقضية الحوار والجدل والفارق بينهما أصل من أصول الإسلام أرساها القرآن وبينتها السنة , بينما يجهل الكثيرون أن هذا المجال ليس أمرا متروكا بلا ضابط فيحق للإنسان أن يجادل بلا حرج , ويتصورون الجدل ـ لا الحوار ـ أمرا شخصيا متروك للحرية الفردية بينما هو فى الأصل منظم تنظيما شاملا ,
وأول القواعد فيه أن الأصل فى الجدل هو المنع والحظر , بينما الاستثناء هو السماح به ويتضح ذلك من خلال النصوص النبوية ومنها ما قال فيه عليه الصلاة والسلام
" أنا زعيم ربض فى الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقا "
أى أن الأصل فى الإسلام منع المراء وكثرة الأخذ والرد بلا طائل لأن الجدل فى أغلب أحواله يورث البغضاء والإسلام جاء مؤلفا للقلوب وهذا كحكم عام يسري على عامة المسلمين وخاصتهم , لدرجة الترغيب فى تركه للحد الذى جعل النبي يبين مكانة تارك الجدل المحق بربض فى الجنة زعامته للنبي عليه الصلاة والسلام , فما بالنا بالمنغمس فى جدل الباطل

والاستثناء فى الجدل لا ينطبق فى أى حال من أحواله على العامة أو غير المتخصصين ,
بمعنى أن الجدل والمراء محظور مطلقا على عامة الناس وخاصتهم , ومسموح فى حالات معينة للخاصة فقط من العلماء والمفكرين وطلبة العلم
وهذا أمر طبيعى , فالاستثناء المسموح به فى الجدل هو ما نعرفه باسم المناظرات , والمناظرات لا تكون إلا بين طرفين من أهل الاختصاص
ـ فالمناظرات معركة لها طرفان مؤهلان كل منهما على نقيض الآخر ومن غير الوارد أن يلتقي فيها أصحاب وجهة نظر واحدة ,
بينما الحوار لا يدخل تحت نطاق الجدل لأنه أحد ضروريات الحياة الإنسانية فى الإسلام , ويمكن تعريفه على أنه المناقشة التى تجمع بين أطراف معينة فى قضية ما سواء كانت قضية علمية أو اجتماعية أو طرح حل لمشكلة خاصة , وكل هذا واجب فى الإسلام حيث حث عليه فى أى قضية خلافية تجمع بين أبناء الدين الواحد ولو كانت فى شاة أو بعير

ونظرا لأهمية الفارق بين الجدل والحوار .. أو بين المناظرة والحوار .. لابد أن نتعرف تلك الفوارق لا سيما وأن غياب الفوارق كان سببا مباشرا فى أحد أكبر ظواهر انتشار الجدل العتيد على نحو ما نرى فى مجتمعاتنا حتى لا تكاد تخلو فئة ـ مهما علت فى مستواها الفكرى ـ من هذا الداء
والعلاقة بين الحوار وبين الجدل علاقة تنطبق عليها الحكمة القائلة " إذا زاد الشيئ عن حده انقلب لضده " فالحوار مطلوب ومرغوب طالما كان منتجا , لكن عندما تنتهى الفائدة وتنسحب
ويظهر الأخذ والرد الفارغ الذى يعيد الكلام ويزيده فى نفس المضمون , هنا ينقلب الحوار جدلا محرما

وهذه الفوارق يمكن تلخيصها فيما يلي :
الأول : الأصل فى المناظرات المنع والتحريم , بينما الأصل فى الحوار الوجوب والفرض أى العكس تماما , وفى القرآن الكريم كان الجدل والمحاججة هو المعبر اللفظى عن التناظر بينما الشورى والتحكيم والسؤال هى مرادف الحوار

الثانى : المناظرة هى مواجهة فكرية بين طرفي نقيض يعتنق أحدهما فكرا يضاد الآخر فى نفس المجال , ولهذا سميت مناظرة أى معركة بين نظيرين ,
وليس متصورا أن يلتقي فى مناظرة طرف مؤيد لفكر معين وطرف آخر محايد مثلا , وهدف المناظرة الأصلي هو بيان أى الفكرين أولى بالحق , وليس واردا فى المناظرات أن تنتهى بوجهة نظر وسيطة تقارب بين المنهجين , بل تكون النتيجة إما ظهور لأحد الطرفين وإما تعادلهما وكل منهم على منهجه كاملا , كما أن هدف المناظرات لا يكون انضمام طرف إلى طرف , فهذا يحدث على سبيل الاستثناء , إنما الأصل فى المناظرة تجلية الحق لمن يشاهدها من الحضور ,
ومثال المناظرات ـ كما ورد بالقرآن ـ مناظرة إبراهيم عليه السلام للنمروذ , ومن الحياة العملية مناظرات العلماء والمفكرين لأصحاب الملل الأخرى وأهل الإلحاد ومناظرات الفرق المنشقة عن الإسلام بنوعيها , الفرق الداخلة تحت مفهوم الشهادة والفرق الأخرى الخارجة عن نطاق الإسلام وحكم هذه المناظرات واجب بشروط سيأتى بيانها

أما المناقشات العلمية بين العلماء والفقهاء فى مجال الاجتهاد فتلك لا تقع تحت مفهوم المناظرات بل يضمها مفهوم الحوار ,
لأن الأصل فى العلم التكامل لا التناحر , والمناظرات بطبيعتها لا تتكامل أطرافها بل تتناقض , ولهذا فعندما انتشرت المناظرات الجدلية بين علماء المذاهب تفجر التعصب وفسدت أخلاق الناس إلى درجة تكفير أنصار كل مذهب للمذهب الآخر تحت تأثير الغلو فى التعصب لمذهب معين ,
أما الحوار فهو لا يشترط طرفين بل يكون لأى مجموعة من الناس فى أى مجال ومع اختلاف مستوياتهم العلمية أيضا و فمن الممكن أن تجتمع حلقة نقاش وتدارس بين عالم وطلبة علم ويدور فيها النقاش حول مسألة معينة , أو يجتمع عالم أو أكثر مع بعض العامة , وهذا خلافا للمناظرات التى لا يخوضها إلا أهل الإختصاص وحدهم وإلا انقلبت عبثا
كما أن الحوار يكون الهدف منه هو الإفادة والاستفادة بتكامل وجهات النظر لا بتناحرها كأن يجتمع أهل العلم فى بحث أمر معين من أمور المسلمين والخلوص فيه برأى , والحوار أيضا هو طريق حل النزاع الغير وارد فيه حكم بيّن , مثال ذلك إرسال حكمين من أهل الزوج والزوجة لبحث مشكلاتهما قبل أن تفضي للطلاق ,
والحوار ضرورة من ضرورات العلم , بينما المناظرات ناقض من نواقضه , لأن الحوار يكون للفهم والاستيعاب لا البيان والإقناع لطرف خصم , وعندما سؤل بن عباس كيف بلغت العلم , قال : بلسان سؤول .. وقلب عقول , وهذا يوضح كيف أن طالب العلم النابه هو الذى لا يتوقف عن الحوار والسؤال كلما أتيحت له فرصة الاستزادة

الثالث : الأصل فى المناظرات الخصومة والاختلاف العميق , بينما الأصل فى الحوار التماسك والترابط , وبينما تكون المناظرات ذات طابع علنى ـ وإلا فقدت هدفها ـ يكون الحوار ذو طابع خاص بين أهل القضية وحدهم

الرابع : الأصل فى المناظرات ـ المنظمة غالبا ـ وجود محكم محايد يكون حكمه وتوجيهه سار على الطرفين , لأنها معركة فكرية , فيجب وجود منظم لها وإلا انفلتت تماما , فيكون الحديث محددا بوقت ملزم للطرفين , كما أن المحكم يمارس دوره فى إظهار طرف على آخر ويلجأ إليه كل طرف لإجبار الطرف الآخر على عدم التهرب من أى سؤال
بينما الحوار لا يعرف هذه الأشياء وتسير أموره بشكل ودى تماما ,

الخامس : الحوار ينتهى بنتيجة جديدة لم تكن موجودة قبل طرحه , بينما المناظرات لا تقدم جديدا بل هى تعرض الأفكار فحسب مصحوبة بالحجج والبراهين والحكم للمستمع
السادس : الحوار له آداب معروفة يلتزم بها أطرافه , وفى باب العلم هناك فرع كامل يسمى آداب طالب العلم بين يدى شيخه , وغياب الأدب الواجب واحترام الأطراف لبعضها البعض يقضي على هدف الحوار والفائدة وينتهى إلى جدل عقيم
بينما الأصل فى المناظرات أنها بلا آداب ـ وهذا هو السبب الرئيسي لتحريمها ـ لأن ما يحكمها هو القانون الذى يرتضيه الطرفان ويطبقه الحكم , أما الأخلاق فتلك لا مجال للحديث عنها فى هذا الموضع ,
والفارق فى هذا الشأن بين الحوار وبين المناظرة , كالفارق بين تدريبات القتال التى يمارسها زملاء السلاح , وبين المتحاربين فى ميدان القتال
فبينما يكون التدريب على القتال بين الزملاء مجرد تدريب يخضع للرقابة ويكون أطرافه أكثر حرصا على بعضهم البعض من أنفسهم ولا يكون هدفهم النصر والغلبة بأى وسيلة بل يكون هدفهم النزال للدربة والمران ,
بينما القتال الحقيقي يلتقي فيه خصمان فى ميدان لا تحكمه إلا قوانين المواجهة ويكون هدف كل منهما هزيمة الآخر بكل وسيلة وأى وسيلة بما فيها المكر والخدعة
وهذا بالضبط ما يحدث فى المناظرات حيث تتلاشي نهائيا آداب الحوار وتعتبر ترفا مظهريا لأن الخصمان من الجائز جدا أن يكون كل منهما يري الآخر كافرا أو فاسقا أو مارقا من الدين وبالتالى فلا مجال للقول باحترام كل منهما للآخر , إلا إذا كانوا يستخفون بعقول الناس , فأى احترام هذا فى ظل اختلاف عقدى نتيجته الحتمية كفر أحد الخصمين ؟!

وليس المقصود بالطبع أن المناظرات يجب أن تحتوى سبا أو شتما ,
بل المقصود أن آداب الحوار كعدم السخرية من قول محاورك أو تقليل شأنه وعدم إحراج المحاور إذا أخطأ , إلى غير ذلك لا وجود لها نهائيا بالمناظرات , بل تمتلئ بعكسها , فيكون الخطأ فضيحة للطرف المخطئ وكذلك فضح الكذب والتدليس والتزوير وكلها أمور لابد أن تحدث بالمناظرات , وهذه طبيعة حتمية لأن الصراع بين الطرفين صراع بين حق وباطل , وهما متناقضان ولا يتصور أن يلتقيا

ولهذا عندما يتنطع العلمانيون ويتباكون على آداب الحوار عندما يقابلهم الباحثون والمفكرون والعلماء بالسخرية والشدة يتبدى جليا مدى الجهل الذى يحكم تصرفاتهم جميعا , فإن هذا الذى يتباكى على آداب الحوار يريد أن يطلب من محاوره المسلم أن يحترمه بينما هو يشكك بكل بساطة فى ثوابت الدين أو وجود الخالق أو عصمة الأنبياء أو نحو ذلك !

ومن الملاحظ بالطبع أن المتباكين على آداب الحوار لا يلجئون إلى التغنى بذلك إلا عندما تدور دائرة النقاش عليهم , مثال ذلك ما يفعله الشيعة الاثناعشرية عندما يبدءون العزف على وتر الوحدة الإسلامية فور اتضاح حقيقة مذهبهم أمام الناس
وفى أمر الدين بالذات لا يوجد شيئ اسمه الحيادية ,
فمعنى أن تكون محايدا فى حوار دينى هو أنك تقبل خلع ربقة الدين من عنقك عندما تحاور وكأنها سترة شتوية تخلعها فى يوم صائف
من هنا يتضح جليا مدى الخلط الواقع من العلمانيين بناء على جهلهم فإن الحوار مع مخالفك فى العقيدة لا يمكن أن يكون حوارا إلا لو كان مقبولا لدينا ـ كمسلمين ـ أن يسيئ المناظر الأدب مع خالقه , ثم أستقبل هذا القول منه فى برود وأرفع له القبعة احتراما له حتى يحترمنى ويسيئ الأدب مع الخالق عز وجل !
والأمثلة فى ذلك أكثر من أن تحصي ,
فعندما ناظر أحمد بن حنبل رضي الله عنه المعتزلة فى فتنة خلق القرآن لم يعترف لأحدهم بأهلية العلم ولا قبل الحوار معهم وما ناظرهم إلا مضطرا وما خاطبهم باحترام قط بل صرح بكفر قولهم ومن يقوله ومن تابعهم عليه ومن رضي به إلا مضطرا
كذلك عندما ناظر بن تيمية الفرق البدعية المختلفة كالشيعة الرافضة ممثلين فى بن مطهر الحلى صاحب كتاب منهاج الكرامة , قام بن تيمية بالرد عليه وتفنيد أدلته وتشريحها تشريحا فى كتابه " الرد على بن المطهر الحلى " وهو الكتاب الضخم المطبوع فى خمس مجلدات تحت عنوان " منهاج السنة النبوية فى الرد على الشيعة والقدرية "

ومن يطالع الكتاب يجد بن تيمية قد أسقط حشمة مُـناظِره تماما من أول سطر وتعقب أقواله الضالة ببيان ضلالها العميق مع السخرية والتقريع للجهل والتجهيل المتعمد من الرافضي
ولكن هذا كله فى إطار أخلاق الإسلام الوسطية التى لا تقر بالإحترام إلا لأهل القبلة , وأما غيرهم فلهم علينا عدم العداء ـ ما دام مسالما ـ وعدم الإيذاء لا بالفعل ولا بالقول ـ ما لم يكن قولا يصف شيئا هم عليه فعلا ـ إنما أكثر من هذا بخردلة فلا .. يقول تعالى
{ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم }

وبأشد من هذا تعاملت الملل الأخرى و الفرق البدعية مع المسلمين فلا توجد فرقة ظهرت فى المسلمين وانشقت عن أهل السنة والجماعة إلا وهى ترى سائر من خالفها فى بدعها كفار أو على الأقل مارقون من الدين الصحيح سواء عامتهم أم خاصتهم , أما الملل الأخرى كاليهود والنصاري فالقرآن أخبر عنهم أن كل منهم جزمت بالجنة لنفسها فقط وحجبتها عن الأخرى ومن باب أولى عن المسلمين

وبينما هم يصرحون بكفر واستحلال دماء المسلمين عامتهم وخاصتهم , ولا يكفر المسلمون منهم عموما أبدا إلا بعد توافر إقامة الحجة بل ويكفل الإسلام الأمان لأى مسالم ـ بعكسهم هم ـ نجد أن اتهامات الإرهاب لا تطول إلا المسلمين لو تجرأ واحد منهم فقال بقول القرآن أن اليهود والنصاري كفار مخلدون فى النار !

وتتبقي إشارة ضرورية إلى نوع وحالة خاصة من جدل المناظرات له ضوابطه الخاصة وهو الجدل الحسن والأحسن هو ذلك النوع من الجدل الذى يقع وسطيا بين الحوار والمناظرة , فيأخذ من الحوار صفة هدف الهداية ويأخذ من المناظرة المجادلة والمخاصمة والمفاصلة عند عدم الاقتناع ,
وهذا النوع يتم بين علماء المسلمين ودعاتهم وبين عامة أهل الملل الأخرى من أهل الكتاب , ولا شك أن هذا يختلف عن المناظرات من وجوه سنبينها فى موضعها , وشرطه الأساسي أنه مع عامة اليهود والنصاري لا علماءهم
وهذا النوع من الجدل محصور بكلامنا فى أهل الكتاب بنص القرآن الكريم , حيث يقول عز وجل
{ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن }
ويعود هذا إلى أن أهل الكتاب من اليهود والنصاري بيننا وبينهم مشتركات ليست هينة , فإنهم مؤمنون بالله واليوم الآخر وبالرسل والقضية بيننا وبينهم هى الشرك بالله وإنكار النبوة
وتلك القضية هى التى تحفز على اتخاذ أسلوب خاص فى مجادلة أهل الكتاب مع ملاحظة هامة ,
أن الآية هنا تتحدث عن المناقشة مع أهل الكتاب بصفة عامة ويخرج من إطارها أولئك المحاربون لله ورسوله منهم , فليس كلهم سواء , فهناك من أهل الكتاب ـ كقاعدة عامة ـ ذميون أى لهم ذمة وذمار عند المسلمين وعهد بعدم الاعتداء
وهناك من لا عهد لهم ولا ذمة وهم المعلنون لحرب الله ورسوله والكيد للإسلام , فهؤلاء يخرجون من إطار الجدل الحسن إلى المناظرة عند الحاجة لرد الكيد , مثال ذلك مناظرات العلامة الراحل ديدات مع النصاري فى أكثر من موضع
ولا يكون على المسلم أن يبدأ أمثالهم بجدال أبدا , إذ أنهم محاربون , والحروب تكون للضرورة ولسنا مطالبين بالسعى لها إنما هى رد فعل على فعل
ويجدر التنويه هنا أن الجدل الأحسن مع أهل الكتاب , لا يعنى أن تتم معاملتهم فى تلك المجادلة بمعاملة المسلمين لبعضهم البعض فى الحوار , بل المقصود هنا ألا نجادلهم بنية بيان باطلهم فحسب بل يجب أن تتوافر نية هدايتهم لعل وعسي أن يهدى الله منهم أحدا
مثال ذلك عندما يصادف أحد علماء المسلمين ذميا , ويري أنه قابل للمناقشة والاقتناع , عندئذ مسموح له بمجادلته بالتى هى أحسن ومحاولة هدايته
وهذا يختلف بالطبع عن أسلوب المناظرات القائم على رد الكيد وبيان البطلان أمام حشد من الناس , بالإضافة أن الجدل الأحسن لا يشترط فيه مخاطبة علمائهم بل شرطه أن يكون مع العامة ابتداء نظرا لأن علماءهم غالبا ما تكون فتنتهم عن عمد , ويدركون الحق ويستكبرون , ولهذا كانت المناظرة للعلماء
وأشهر الأمثلة على الجدل الأحسن ما قام به رسول الله عليه الصلاة والسلام مع وفد نصاري نجران , وهى المجادلة التى انتهت بإصرار النصاري على ألوهية عيسي بن مريم عليهما السلام , ونزلت فيها آية المباهلة , فلما دعاهم رسول الله عليه الصلاة والسلام للمباهلة فروا ولم يقبلوا

وللبحث بقية عن شروط المناظات وقواعد المشاركة فيها

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سلسلة تعلم | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

عفواً، التعليقات ممنوعة لهذا الإدراج