شرح تلبيس إبليس لابن الجوزى ” 4 “
كتبهامحمد جاد الزغبي ، في 1 نوفمبر 2009 الساعة: 15:21 م
أما نتائج الفكر المعتزلى وشواهده فى تاريخ الأمة ومدى الأثر السلبي العنيف الذى لا زالت تعانى منه أمة الإسلام ليومنا هذا فتلك من الممكن أن نجملها باختصار فيما يلي :
أولا : اعتبر المعتزلة أصول الإسلام أصولا خمسة هى الركن الواجب الاعتقاد به وأجملوها فى التوحيد والعدل والوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر " 1 "
من خلال تلك الأصول بنى المعتزلة عليها أقوالهم ومعتقداتهم التى تسببت فى فتنة خلق القرآن وتعطيل صفات الله وإنكارها وإنكار المعجزات الغيبية والقول بكفر مرتكب الكبيرة ,
وتكمن المشكلة الحقيقية أن أصول المعتزلة وأقوالهم فى العقائد لم تقتصر عليهم فقط بل إنها مثلت المعين الرئيسي الذى استقي منه معظم الفرق المبتدعة الأخرى " 2 "
كالخوارج الذين كفروا مرتكب الكبيرة وتبرءوا من بعض الصحابة , وبالرغم من أنهم أول فرق الإسلام ظهورا فى التاريخ إلا أن معتقداتهم الكلامية لم تنشأ مع نشأتهم بل نشأت عقب ظهور بدع فرق الكلاميين كالمعتزلة وأخذوا عنهم المنهج الكلامى فى التوحيد والصفات
وكالشيعة الذين عطلوا الصفات فى بعض فرقهم وفى البعض الآخر قاموا بالتجسيم ونحوه , وكل هذا بسبب الأصل الأصيل الذى بنى عليه المعتزلة مذهبهم ألا وهو تقديم العقل كحكم على النصوص جميعا
وعلى عادة أهل الزيغ ـ وقعوا فى تناقض كبير جدا ـ فبينما هم ينادون بحرية العقل والفكر ويدعون للخلاص من أحكام الفقهاء وجمود الدين وتحرير الناس من تلك الأقوال , فوجئنا بهم وهم على هذا المنهج الفلسفي يكفرون سائر الأمة بلا استثناء إذا لم يدرك كل واحد من الأمة إدراكا تاما مقولاتهم الفلسفية المعقدة التى تصعب على العلماء فضلا على العامة , ويناقضون الأصل الأصيل فى الإسلام أنه العقيدة البسيطة السمحة الموافقة للفطرة ,
والغريب أن كثيرا من الناس لا ينتبه إلى حقيقة أن المعتزلة وسائر فرق المبتعدة تكفر جميع المسلمين ممن لم يتابعوهم على تلك المناهج الشاذة , وتلتصق تهمة التكفير بعلماء السنة بينما هؤلاء العلماء منذ مطلع الدعوة المحمدية وهم يقررون الضوابط التى تحكم التكفير وأحكامه وهى الضوابط التى لم يعرفها المعتزلة وغيرهم
ثانيا : لما كانت أقوالهم ومباحثهم الكلامية تتعارض تماما مع نصوص السنة النبوية المبينة للقرآن فى مجمله وتفصيله لم يجد المعتزلة حلا إلا إنكار السنة التى تتعارض مع معتقدهم مهما كانت درجة ثبوتها عند علماء الحديث , وبالتالي ردوا معظم أحاديث الصحيحين والسنن وكل شروح الصحابة والتابعين المتعلقة بالعقائد , وزادوا أيضا عندما ضربوا عرض الحائط بالمرجعية النبوية فخاضوا فى القضايا المتشابهة رغم النهى المشدد ,
وهذه وحدها مصيبة جامعة من عدة وجوه , فهم ابتداء أسقطوا تماما أصول علم الحديث من جرح وتعديل ودراسة المتون والأسانيد التى تثبت بها السنن والأقوال وأنواعها , والإسناد ـ كما اتفق علماء الأمة ـ من الدين وبسواه لقال من شاء بما شاء " 3 "
ومن المستحيل أن نغفل قواعد علم الحديث عند معالجة النصوص صحة وتضعيفا وإلا أصبح الأمر هزلا , ودخل فيه كل داخل بعقله يرفض ما شاء ويقبل ما شاء
ومن ناحية أخرى وقعوا فى تناقض شديد فبينما يقررون أنهم لا يعترفون بالعقائد إلا إذا ثبتت بالتواتر نجدهم يقبلون الأحاديث والواهية والضعيفة وأحيانا الموضوعة إذا وافقت معتقدهم وهواهم , وهم بذلك يضربون القاعدة التى أسسوها لأنفسهم
ومن ناحية ثالثة , حددوا قبولهم الحديث بالتواتر فى أمر العقائد وبذلك ضيعوا جل السنة النبوية التى تتعدى سبعمائة ألف حديث صحيح بالمكرر ثابتة سندا ومتنا عن النبي
وضياع السنة بهذا الشكل يعنى ضياع الدين كله بلا جدال لأن الأحاديث المتواترة لا تتعدى بضع عشرات فقط
وبالتبعية , قاموا بإسقاط حشمة الصحابة والتقليل من أقدارهم وادعوا أن إحدى الطائفتين فى معركة الجمل فاسقة رغم أن الطرف الأول منها على رأسه الإمام على بن أبي طالب والطرف الثانى على رأسه عائشة أم المؤمنين وطلحة والزبير رضي الله عنهم جميعا , وغير ذلك من المعالجات التاريخية الفلسفية التى لا ترضي الله ورسوله عليه الصلاة والسلام ولا تنطبق أيضا على الواقع , فتلك الحروب لم تكن حروب جاه وسلطان بل كانت فتنة اجتهاد وتأويل
وبالتبعية أيضا أسقطوا كل اعتبار لعلماء الحديث والفقه ونقلة العلم المتين وأصحاب المذاهب ولم يكتفوا بذلك بل حاربوهم بالسلطان والنفوذ الطاغى فى عهد المأمون والمعتصم والواثق ووصل الأمر بالجاحظ أحد كبرائهم أن حرض المعتصم على قتل إمام السنة أحمد بن حنبل تحريضا عنيفا قائلا له " اقتله ودمه فى عنقي أنا "
ولم يعرف الإسلام قبل فتنة المعتزلة هذا الإسفاف العلنى المباشر بعلماء الأمة وسلفها الذين نقلوا لنا الدين وحفظوه
ثالثا : كان من أساس دعوة المعتزلة ولوازمها إنكار الفقه وعلوم الشريعة المبنية على الأصول المعتبرة عند العلماء واستبدالها بأهواء علم الكلام " المنطق والفلسفة وغيرها "4 "
, واهتموا اهتماما شديدا باستيراد هذا الفكر الأوربي الذى بذل قرونا فى دراسة وجود الله وتكييف الخالق والمخلوق والبحث فى قدم العالم وغير ذلك من القضايا التى لا تنفع مسلما عاميا أو عالما فضلا على سفاهة الإشتغال بها , فما الفائدة فى شغل العقل بترهات قضايا البحث عن الخالق وأمامك القضية مبسوطة ومشروحة بالقرآن والسنة ,.
ومن هذا الفكر العقيم توارثت أجيال المسلمين تلك العلوم وجعلوها من أسمى العلوم العالية منشغلين عن قضايا الأمة وتراثها
وهذا هو وجه التناقض الثالث ,
فبينما انفردت الأمة الإسلام فى سائر مجالات الفكر من شريعة وعقيدة وحديث وفقه وتفسير ولغة على سائر الأمم وتميزت عن سائر الأمم أن علمها مستقي من مشكاة النبوة وعلماء الإسلام مواريث الأنبياء بإسناد متصل لا يوجد فيه شبهة بعكس الأمم الأخرى كاليهود والنصاري التى تلقت كتبها الرسالية الرئيسية محرفة ومشوهة وبلا أسانيد ولا إثبات
نقول , بينما انفردت أمة الإسلام بهذا واعترف الغربيون بضحالة حضارتهم وجدنا المعتزلة ـ وهم دعاة الفكر كما يقدمون أنفسهم ـ يخترعون منهجا تابعهم عليه أجيال المعاصرين فى رفض تلك العلوم البالغة الثراء والانطلاق إلى العلوم الفكرية الغربية التى ليس فيها موضع اتفاق ولا موضع ثبوت ؟!
وبينما أهملوا الفكر الإسلام ومشكلات المسلمين وجدناهم يجلبون مشكلات الأوربي فى عقائد أرسطو وإقليدس وغيرهم ويعربوها ويضعون لها الحلول التوفيقية ويطرحونها للمسلمين على أنها علوم تعادل أو تفضل ما لدى من المسلمين من علوم وأفكار ؟!
ووجه التناقض هنا واضح لمن يتأمل مدى حماقة الإتجاه الذى يدعى لنفسه الفكر والعقل ويتصرف بلا أدنى عقل ولا أدنى منطق عندما يشغل نفسه بحضارة مبنية على الكلام ويترك حضارة ملئ السمع والبصر أسرف فى نقدها ودراستها عشرات الآلاف من مستشرقي الغرب الذين تركوا ترهاتهم وانشغلوا بالغنى الإسلامى , بينما المعتزلة تائهون فى بحور الجدال
رابعا : فتحوا المجال من أوسع أبوابه للملاحدة والمشككين وأصحاب الأهواء ليضربوا الإسلام من خلالهم ويحاربوه وراء راياتهم , وذلك عندما اعتمدوا العقل مقياسا لقبول الشريعة الغيبية وشرائط الإيمان , ففتحوا المجال بأوسع أبوابه لتقنين الغيب والإيمان لقوانين العقل مما فرغ مفهوم الإيمان من مضمونه وكان من نتائجه أنهم أنكروا عذاب القبر والصراط والكوثر والشفاعة والميزان بالإضافة لأقوالهم فى القدر إلى غير ذلك من مفسدات الإعتقاد لدى عامة الناس
وهذا الاتجاه نفسه ونظرا لما يمثله من هدم للعقيدة لاقي قبولا وترحيبا عارما من المستشرقين الذين أعلنوا تأييدهم سواء القدامى منهم أو المعاصرين لاتجاهات المعتزلة واعتبروهم رواد التنوير وحركة العقل وباعثي نهضة الإسلام !
ولم يتوقف المعتزلة ـ رغم ادعائهم العقل ـ للسؤال كيف يمكن للملاحدة وأعداء الرسالة أن ينقلبوا إلى تأييد المسلمين بهذه الصورة ويحتفون بهم إلى هذه الدرجة , لو أنهم بالفعل كانوا دعاة للإسلام الحق , وكان هذا السؤال وحده يفتح الباب أمام المعتزلة ومن ناصرهم ليتأمل المفارقة والتناقض الذى وقعوا فيه
وهذا هو التناقض الرابع فى منهجهم حيث من المعروف أن المعتزلة كفرقة كلامية كانت لها جهود عظمى فى مجادلة الملاحدة والروم وغيرهم واكتسبوا للإسلام عن طريق الفكر الآلاف المؤلفة , أى أن الغرب ابتداء وأصحاب الديانات الأخرى هم أعداء فكريون بطبيعة الحال للمعتزلة الداعين للإسلام
ومع ذلك فقد انقلبت تلك العداوة من جانب الغرب حفاوة بالغة بفكر المعتزلة تمثلت فى أن الإمبراطورية الرومانية لم تمانع أن تهديهم فى عصر المأمون خلاصة الفكر الجدلى الأوربي وتسمح لهم بترجمته وتشجعهم عليه وتسبغ عليهم ـ كما سبق القول ـ صفات التألق والتفوق , وكل هذا لم يلفت النظر إلى الهدف الواضح لكل عاقل وهو أن تلك الأفكار وهذه المؤلفات ما هى إلا عن مهالك يصرف فيها العقل قواه ولا يخرج منها بعقيدة سليمة مطلقا
وهكذا سمح المعتزلة للغرب أن يمتطيهم كأفراس غزو يردون به الفتح الإسلامى لبلادهم عن طريق فتح عشرات من أبواب الفتن المتمثلة فى التفكير المتحرر بلا حدود فى العقيدة
ومن خلال هذه الشواهد سنعرض لآثار مدرسة المعتزلة فى العصور الحديثة وهى الآثار التى بسطت نفسها على كثير من علماء المسلمين ومفكريهم وأغرقتهم فيها سواء بحسن نية أو بقصد مما جعل بعض الأسماء الأعلام تسقط فى هذا الشرك الذى يدور حول مدار امتهان العلماء والشريعة والحديث وأهله وأحكام وأصول الإسلام
وسنرى من خلال المقارنة أن المعتزلة لهم مواريث أكفاء قاموا فى العصور الحالية بنفس الدور الهادم لحقيقة الدعوة دونما إدراك , وسنرى أن التطابق بين المنهجين والنتائج يكاد يكون تاما وما أشبه الليلة بالبارحة !
يظن الكثيرون عندما يطالعون بعض الشبهات المنتشرة حول الدين الإسلامى بنوعيها
• الأقوال العلمانية وما فى حكمها وشبهات الفرق المبتدعة والهادفة لهدم وتشويش الجانب الدينى فى المسلمين
• الانحرافات التى يقع فيها بعض العلماء والدعاة المنسوبين للعلم وتمثل ضربات معول معاونة للاستشراق والعلمانية
يظن الكثيرون أن هذه الأقوال إنما هى وليدة لحظتها , وربيبة ساعتها ,
بينما كل الأفكار العلمانية والوجودية وسائر الشبهات التى تثيرها الفرق المختلفة ما هى إلا إعادة بعث لأفكار قديمة بل بالغة القدم , أكل عليها الدهر وشرب واصفرت فى قلب أوراق كتب التراث جنبا إلى جنب مع الردود المفحمة لها من علماء المسلمين على مر العصور
بل هناك ما هو أكثر من ذلك ,
فالمتأمل فى شبهات الغرب وكلام الفرق والفلسفات المختلفة التى أثيرت فى القرون الثلاث الأولى يجد أن سائر الأفكار التى تعرض لها العلماء بالرد فى القرون التالية ما هى إلا أفكار متفرعة عن الأصول التى أسسها أصحاب الشبهات فى القرون الثلاثة الأولى , فلم يأت القرن الثالث الهجرى على العالم الإسلامى إلا وكل شبهات وآثار الفرق والفكر الهدام والفلسفة المناقضة للدين قد طرحت كل ما لديها من أقوال قام العلماء بنفضها وفضها
وما تم الرد عليه فيما بعد القرن الثالث لم تكن فيه فكرة واحدة بكرا , بل كانت كلها من ثيبات الأفكار التى توالدت فروعا مختلفة ووجدت أيضا عشرات بل مئات من العلماء الذين أعادوها إلى قواعدها مدمرة ,
ولشرح الأمر بالأمثلة ,
فإن المعركة بين علماء الإسلام وبين أصحاب الشبهات من الفرق كالمعتزلة والخوارج والشيعة ومن أصحاب الملل الأخرى كاليهود والنصاري , كل هؤلاء فرغوا من طرح أصول ما لديهم من أقوال وردها علماء القرن الأولى من عهد الصحابة كعبد الله بن عباس وعلى بن أبي طالب رضي الله عنهم , عندما تصدوا للخوارج ,
وكذلك من جيل التابعين ومن تلاهم كمالك بن أنس والثورى وأبو حنيفة والشافعى وأحمد واسحق بن راهويه وجعفر الصادق ومحمد بن الحنفية وعبد الله بن المبارك وبن قتيبة وأبو الحسن الأشعري وغيرهم عشرات ,
وكل هؤلاء فى الثلاثة قرون الإفتتاحية , تصدوا للزنادقة والمشككين فى الأحاديث وتصدوا للشيعة والمعتزلة والخوارج والجهمية وكل أصول الفرق التى تأسست فى تلك الفترة
وعندما تقدمت القرون وتفرعت الفرق المتكونة نفسها إلى عشرات الفرق الفرعية في الفترة من القرن الثالث وحتى الثامن الهجرى واصل العلماء رد شبهات الفرق الفرعية التى اعتمدت على أصولها الأولى وأضافت إليها مقالات أخرى تنتمى لنفس الأصول , فتألق فى تلك الفترة الأئمة بن تيمية وأبو حامد الغزالى والذهبي وبن كثير وبن عساكر وبن الجوزى وبن حجر العسقلانى والسخاوى والسيوطى وغيرهم عشرات ,
ونستطيع أن نقرر ببساطة أن الأفكار المنحرفة سواء كانت أفكار شبهات أو أفكار فرق تأسست فى القرون الثلاث الأولى وانتهت فعليا فى القرن الثامن الهجرى ولم يحدث أن أتى ـ منذ القرن الثامن وحتى اليوم ـ صاحب فكرة جديدة فى الشبهات والعقائد , وكل ما تم طرحه ويتم طرحه حتى اليوم إنما هو إعادة بعث للأفكار القديمة بحذافيرها وإما أنه خلط من مجموعة من تلك الأفكار تم تقديمه بصورة عصرية !
وللتدليل الواقعى على ذلك يمكننا أن نمثل لهذا بالنقاط التالية ,
أولا : الشبهات حول ثبوت السنة النبوية وحول بعض أحاديث العقائد فيها وأيضا الشبهات ضد الصحاح المعتمدة وأولها البخارى ومسلم أثيرت فى وقت مبكر جدا وتم الرد عليها فى القرون الأولى على يد الكثير من علماء السنة كأبي زرعة وبن قتيبة فى كتابه تأويل مختلف الحديث وبن الأثير الجزرى فى كتابه غريب الحديث والإمام الشافعى فى تصنيفه لعلم ناسخ الحديث ومنسوخه ,
ومع ذلك ظهرت فى القرن الرابع عشر الهجرى والعشرين الميلادى من أعاد بعث تلك الأفكار بحذافيرها مثل زنادقة إنكار السنة المسماة بجماعة القرآنيين وأيضا بعض الكتاب والمحسوبين على الفكر
بل إن المتأمل فى كتاب " تأويل مختلف الحديث لبن قتيبة " يجده تعرض لذات الأحاديث التى تم الاعتراض عليها فى أيامنا الحالية وهى حديث فقأ عين ملك الموت وحديث رضاع الكبير وغيرها رغم وفاة بن قتيبة فى 230 هجرية !
ثانيا : الأفكار العقائدية مثل أفكار إنكار صفات الله عز وجل واللجوء للتأويل والإنكار فيما يخص عذاب القبر والصراط وغير ذلك من الأفكار التى يتبعها بعض المعاصرين فى مصر والشام تحت مسمى الفكر الحر , هى ذاتها وبعينها أفكار المعتزلة القديمة وأفكار الجهم بن صفوان صاحب فرقة الجهمية التى أكثر علماء السلف الرد عليها
مثال ذلك مناظرات الإمام أبي الحسن الأشعري وكتب الإمام أحمد فى الرد على الجهمية وكتاب " بيان تلبيس الجهمية لبن تيمية"
ثالثا : الأفكار البالية التى يحييها العلمانيين ويشنعون بها على علماء الشريعة وأحكام الفقه فى محاولة لعلمنة المجتمع هى بعينها ما أثارها المستشرقون قبل قرون وردها عليهم علماء السلف آلاف المرات ومن ذلك الشبهات حول ثبوت الأحكام الفقهية بمرور الزمن وحول وجوب اعتماد التشريع الإسلامى لا الوضعى ,
من ذلك يتضح فى جلاء أن أكبر أزمات الأمة , أمة الإسلام , ليست فى دعاة الفتنة وأصحاب الشبهات إنما هى فى انعدام الفهم وقلة العلم , الذى يضرب أكباد الأمة كلها فيجعلها تقف حائرة أمام مشكلات مصطنعة تقبع حلولها فى مئات الآلاف من الكتب والمراجع التى تشتكى الغبار فوق الأرفف
بمثل المنطق السابق شرحه , تأسست حركة مذهبية تحمل شكلا جديدا وفكرا قديما إسمها العصرانية , وكان ميلادها بالغرب حيث يعرفها الفكر الأوربي بأنها
" حركة تجديد واسعة تحمل الإصطلاح MODENISM وهى حركة واسعة معاصرة نشطت داخل الأديان القديمة اليهودية والنصرانية وتهدف إلى تجديد الفكر الدينى بما يتناسب مع العصر "
وكما هو الحال مع تيار العلمانية الذى نشأ أوربيا فرنسيا للقضاء على سيطرة الكنسية ودفع سيطرتها , وجدت العصرانية فى المفكرين الإسلاميين من يستنسخها ويطبقها على الإسلام !
وكما بينا فى مقال سابق " 5 " كيف أن منهج العلمانية ـ إن له ما يبرره فى أوربا ـ فهو غريب التطبيق من سائر الوجوه إذا طبقناه على الإسلام , لأن الإسلام ببساطة لم يعرف مطلقا الرهبانية والسيطرة الكنسية والتكفير الجماعى ومحاربة العلوم كما هو الحال مع الكنيسة الأوربية التى سيطرت على أوربا فى عصور الظلام
ولهذا فإن العلمانية بدت فى بلاد الإسلام شاذة عند من ينادى بها وغريبة الوقع والتعبير عندما يتحدث معاصروها ومبشروها بطلاسم غير مفهومة وتتحدث عن سيطرة الفقهاء والجمود الدينى وكلها مصطلحات شهد الواقع قبل النصوص بأنها بعيدة كل البعد عن الإسلام الذى قدم للعالم حضارة جبارة طرقت جميع المجالات فى العلوم الفكرية والعلمية وغيرها
فبينما كان الدين فى أوربا سببا فى تحطيم حضارتها لثمانية قرون , جاء الدين الإسلامى فبنى للإسلام حضارة من الصفر وأسس العلماء المسلمون علوما باسمهم فضلا على الإضافات التى أخرجوها على بقية العلوم القديمة من طب وهندسة وفلك ورياضيات بالإضافة للثراء المعرفي فى مجالات الفكر الإسلامى
وبنفس هذا المنطق الغريب الذى تعامل به العلمانيون العرب عندما حاولوا نقل مفاهيم العلمانية التى لا تصلح إلا فى بيئة الغرب , جاء من بين علماء الإسلام ومفكريه من قام بمحاولة نقل العصرانية بمفاهيمها التى تتحدث عن قابلية الثوابت الدينية للتطور وإقحامها إقحاما على الإسلام !
وإذا كانت العلمانية قد اتضح تماما لكل أحد مدى النية السيئة المسبقة عندما تعرض أصحابها للدين وثوابته , فإن المرء تستد به الحيرة عندما يري العصرانيون الجدد ـ ومنهم علماء ومفكرين دافعوا عن الإسلام ضد العلمانية ـ وقد تورطوا فى تلك الإشكالية التى جعلتهم معولا فى يد كل الاتجاهات التى بيتت النية من قديم للنيل من الإسلام عن طريق ضرب الثوابت فيه ومحاولة تقليص العلاقة بين المسلمين وبين أصولهم الأولى بما يحقق لهم أسمى أهدافهم على الإطلاق وهى هدم الإسلام بأيدى معتنقيه ,
ورغم أن المعادلة واضحة , بل شديدة الوضوح أمام كل عين إلا أن المتورطين فى العصرانية الجديدة لم ينتبهوا ـ أو انتبهوا وأصروا ـ لمدى التناقض الذى وقعوا فيه وهم يتحالفون اليوم مع أعداء الأمس
وكيف لم يلفت نظرهم الاحتفاء الشديد من تيارات الإستشراق والعلمانية بالغرب بما يقدموه من مفاهيم للعصرانية العقلانية وكيف غابت عن عقولهم أن هذا الاحتفاء آت من قلب أعداء الأمة وأعداء حضارتها على نحو لابد أن بلفت النظر لكل منصف لمدى ما الدور الذى يؤديه فى تقويض صروح الإسلام وهو يدعى الإصلاح والتطوير
وتركز دور العصرانيين العرب فى ترديد نغمات المعتزلة التى اهتزت أوتارها قديما بتلك المبادئ ومنها " 6 "
* إعادة التشكيك فى تراث الأمة لا سيما الأحاديث النبوية قطعية الثبوت والدلالة والتفاسير المأثورة الثابتة سندا عن الصحابة والتابعين فى آيات المحكم والمتشابه , وهم بذلك ضربوا فى أغلى ما امتلكته الأمة من علوم حيث أن الحضارة الإسلامية تفردت بين سائر الأمم السابقة بعلم الإسناد والتحقيق ونقد المتون على نحو أوصل إلينا التراث وليس فيه شبهة
* الدعوة لإعادة النظر فى التراث الفقهى وإنكار الأحكام التى عليها مدار الإجماع بين علماء الأمة فى شتى العصور تحت زعم فتح باب الإجتهاد والتجديد , ومن ذلك النداء بإنكار الدعوة لتطبيق الشريعة الإسلامية فى المعاملات والعقوبات , وإنكار الحدود والدعوة لاستيراد النظم الوضعية الغربية كاملة بما فيها أحقية الأمة فى التشريع ولو خلافا لما أنزل الله !
* الدعوة المألوفة لتحرير العقل وتحرير المرأة ومطابقة المشروعات العلمانية فى هذا الجانب وتعمد الإقلال والإستهانة بثوابت الفقه والشريعة فى تلك الأحكام
* الدعوة لإبطال مفاهيم الولاء والبراء وطرق التعامل مع أهل الذمة وأهل الملل الأخرى فى دار السلم والحرب , والدعوة لوحدة الأديان ! وإنكار المعلوم من الدين بالضرورة فى أحكام التكفير القطعية تحت زعم محاربة التكفير العشوائي
* الدعوة للتسليم بالحرية التامة والحياد السلبي التام فيما يخص الفرق المبتدعة والمطالبة بعدم التعرض لها بالنقد تحت زعم التقريب , على نحو يظهر بوضوح مع الجماعات الشيعية والرافضة ومع الجماعات الصوفية المنحرفة الغالية فى منهجها ,
* الدعوة للاستهانة برموز الإسلام كبعض الصحابة الكبار مثل معاوية بن أبي سفيان وأبي هريرة وعمرو بن العاص وغيرهم وأيضا الاستهانة بمن تلاهم من قمم ورموز العلوم الفقهية والمحدثين كبن حنبل ومالك بن تيمية وغيرهم واعتبارهم أشخاصا عاديين يحظون بالتكريم فيما قدموه بعصورهم وليس لهم فى عصرنا الحالى مكان معتبر على اعتبار أن العصرانية تفرز للأمة من يتفوق عليهم ! ورغم هذا يقعون فى التناقض عندما يبالغون مبالغة ملحوظة فى الإشادة بمنحرفي المعتزلة وعلماء الكلام ويعتبرونهم ضحايا الفقهاء لا العكس !
* الدعوة لتمجيد الانحراف فى ممثليه عبر التاريخ الإسلامى كالاحتفاء الشديد بملاحدة الفلاسفة كبن سينا " 7 " وبالروافض أصحاب التزييف كبن النديم صاحب الفهرست والأصفهانى "8 " صاحب الأغانى ومقاتل الطالبيين والجاحظ رمز المعتزلة وحمدان قرمط " 9 " رمز القرامطة المنتمين لملاحدة الاسماعيلية وغيرهم
وبلا شك فإن التلبيس الذى وقعت فيه هذه الزمرة من أخطر أنواع التلبيس إذ أنه ضلال وإضلال عن علم , وفيهم من تعمد ذلك اعتمادا على تزكية النفس أو الخصومات العلمية المتطرفة , وفيهم من تعمد ذلك عن بينة وسعيا لمكسب دنيوى " 10 "
ودخل التلبيس على من دخل عليهم من طريق تزكية النفس واقناعها أنها تقف وراء التجديد والحراك الفكرى الذى ركدت به الأمة , !
والإسلام دون شك دين يجدد نفسه وبأبنائه , ولكن هناك فارق ضخم بين التجديد بمعنى إزالة الرتوش والجمود وبين الإحلال والتجديد الذى سعي ويسعي إليه العصرانيون والعلمانيون , ويكفي أن العصرانيون ـ رغم دعواهم الأصولية ـ تلاقوا فى نفس الخط مع العلمانيين الذين أجمعت الأمة على حقيقة مكرهم بالدين ,
فالتجديد فى الإسلام ليس معناه إزالة الأسس وإذابة القواعد وبناء قواعد جديدة , إذ أن هذا معناه هدم الأصول ومن ثم هدم الدين وإنما التجديد كما نصت عليه السنة المشرفة فى قول المصطفي عليه الصلاة والسلام أنه إعادة إحياء الثوابت الأصلية وإذابة ما علق بالمنهج الإسلامى الغض الذى كان على عهد النبي عليه السلام وأصحابه وتطهيره من شوائب الفرق وأصحاب الكلام ومتاهات الفلسفة المغرقة فى قضايا الإرهاق العقلي , وهذا ما يدل عليه نص الحديث
" يبعث الله للأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها دينها "
وكما نردد دائما أن آفتنا فى ضياع المفاهيم ومدلولات الألفاظ , فالتجديد فى هذا السياق النبوى يشير فى وضوح أنه ليس قطع العلاقة بالقديم بل إعادة إحياء تلك العلاقة وتجديد روابطها لتتقدم بها الأمة , وهذا هو الفهم المنطقي والطبيعى طالما أن الإسلام رسخ ونما فى عهد القرون المفضلة , فالأصح منهجا وسلوكا أن نتبع القواعد الأصولية والمبادئ التى كان عليها أولئك المطهرون ومكنتهم من بناء دولة الإسلام ,
بل إن التجديد بمفهومه السابق هو ذاته الذى كان عليه مدار عمل الأنبياء , فكل الأنبياء بعثوا لأجل رد الناس إلى المشكاة الأولى التى جاء بها الرسل عليهم السلام , ولم يكن الأنبياء قادمين لنسخ الشرائع ولا لأجل هدم المبادئ التى قامت عليها رسالة الرسل وإنشاء رسالة جديدة
فبعث الله الأنبياء عليهم السلام عندما يتحقق أمر ينافي كمال التوحيد بمعنى أن يقع الناس فى الإشراك بالله تعالى فيكون عمل الأنبياء رد الناس إلى الأصول الأولى القديمة
وبمثل هذا كانت وظيفة العلماء المجددين فى الأمة الإسلامية التى شهدت آخر الرسل وخاتم الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام
حيث قال النبي عليه السلام معبرا عن ذلك فيما معناه
" علماء أمتى كأنبياء بنى إسرائيل " وقال " العلماء ورثة الأنبياء "
وينبغي للقارئ أن يلاحظ ملاحظة شديدة الأهمية أن المقصود بإعادة بعث العلاقة بيننا وبين الأصول الأولى إنما ينطبق على المبادئ العامة لا على التطبيق , بمعنى أننا نسلك مسلك السلف الصالح فى المبادئ الرئيسية , لا الفروع الفقهية ,
مثال ذلك مبدأ عدم التعرض لمتشابه القرآن , والسكوت عما أمر الله ورسوله عليه الصلاة والسلام بالسكوت عنه , ورفع يد الاجتهاد والتفكير عن أصول الإسلام الخمسة وأصول الإيمان الستة , وتطبيق مبادئ الولاء والبراء بالشكل الوسطى الذى تعامل النبي عليه الصلاة والسلام والتمسك بضرورة الإقرار بشريعة الإسلام فى الجوانب التى تعالجها , والتمسك بحبل الله ورسوله عليه الصلاة والسلام والاجتماع على كلمة التوحيد ونبذ التفرق وتأسيس الوحدة على مبدأ الإسلام لا مبدأ الأرض وتولى المسلمين بعضهم بعضا و …………. الخ
أما أمور الاجتهاد فيما يستجد من أمور الحياة , فتلك هى موضع الاجتهاد المطلوب من علماء الأمة , وهى التى يطلق عليها البعض خطأ أو عمدا مفهوم التجديد , بينما الاجتهاد ضد التجديد
فالتجديد إعادة إحياء , بينما الاجتهاد تأسيس وبناء , والتجديد للأصول بينما الاجتهاد فى الفروع , والتجديد لا يمس الأصل بل يتعرض للشوائب التى تغطى الأصول , بينما الاجتهاد يبتكر الحلول قياسا على الأصول
وفى ظل هذا الإيضاح , يظهر لنا مدى جهل دعاة التجديد القدماء والمعاصرين والسائرين على دربهم عندما سحبوا مفهوم التجديد إلى هدم بعض الأصول الأولى بدعوى عدم مناسبتها للعصر الحديث وكأن الله عز وجل لم يحط علمه بما سيتطور عليه المجتمع البشري حتى يشرع له شرعا دائما غير قابل للنقض والتحريف والتعطيل !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الدراسات الفكرية والأعمال الخاصة | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























