فصول وتأملات فى الفكر والتكفير
كتبهامحمد جاد الزغبي ، في 29 نوفمبر 2007 الساعة: 21:15 م
من هم الأصوليون الحقيقيون ؟
عندما يستمع المرء لأول وهلة مفهومى الفقهاء المجددين والفقهاء المحافظين .. قد يظن بطبيعة الحال أن المقصود بالمجددين هم الفقهاء المتصدين لمبادئ السلف المجددين لها وأن المحافظين هم أولئك الزمرة الأصولية التى تحافظ على ما سار عليه الأقدمون فى العصور الإسلامية الأولى الخيرة ..
غير أن واقع الأمر فى حقيقته يقول بغير هذا ..
مع ملاحظة أنى أتحدث عن الفئة التى تنظر لأسلوب الأصولية بفكر الثبات المطلق وعدم الأخذ بالرأى إلا فى أضيق الحدود
فبشيئ من التحليل البسيط لصفات كلا من الجبهتين سنكتشف مفارقة بالغة الغرابة ..
بداية ما هى الأصولية ؟
الأصولية هى الدعوة التى ظهرت على يد الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه بعد أن تداخلت الأهواء والبدع فى العصر العباسي وغاب المسلمون غيابا جزئيا عن المبادئ التى أرساها الرسول عليه الصلاة والسلام فى عهود الإسلام الأولى ..
ثم امتدت الدعوة الأصولية ووجدت صداها ورجالها فى مختلف العصور حتى وصلت للفقيه العملاق شيخ الإسلام بن تيمية والذى أورثها تلامذته العمالقة من أمثال بن قيم الجوزية رضي الله عنهم واستمرت الدعوة فى علو وهبوط حتى تلقفها أبي الأعلى المودودى فى الشرق الأقصي وجمال الدين الأفغانى ومحمد عبده فى مصر ..
هذا هو التدرج الذى مرت به الأصولية فى اختصار شديد على اعتبار أن كل تلك الحقائق معروفة تاريخيا .. ولكن هذا التسلسل لم يسر طبيعيا بهذا الشكل وحده بل عرجت الأصولية لجماعات مختلفة فى العالم الإسلامى فحرصوا أشد الحرص على قلب الفكر المستنير فى تلك الدعوة الرئيسية وساووا بين ما هو ثابت وما هو متغير فى العقيدة والفقه وأصبح مفاد الدعوة عندهم محصورا فقط فى الشكليات واعتبروا فرائض يفسق من يخالفها كما أنهم حجروا حجرا تاما على أى أسلوب أو محاولة للحوار فى حقائق الإسلام على اعتبار أن الخوض فيها غير مسموح باعتبارها كلها ثوابت غير قابلة للنقص
وذلك بالرغم من أن الثوابت الإسلامية التى لا تقبل جدلا ولا يقبل فيها رأيا محدودة حصرا منذ أيام الإسلام الأولى وبحديث النبي عليه الصلاة والسلام والذى رتب فيه العقيدة ترتيبا متواليا من الإسلام حتى الإحسان مرورا بالإيمان وبالتالى صارت أركان الإسلام .. وأكرر أركانه وليس بناؤه معروفة متى تمت وتوافرت فى مسلم حرم دمه وماله وحرم تكفيره بشكل مطلق
وكان من الطبيعى مع اعتبار كل سنة شكلية أو منهج سلفي يصلح لعصره فقط كأسلوب المأكل والمشرب والملبس أصبحت كلها دون استثناء قواعدا عليا خارجة عن نطاق التغيير ومن يتركها كمن ترك الصلاة والصيام
وهذا هو الذى تصدى له المجددون وبينوا ـ كما سبق القول ـ أن فقهاء الإسلام الكبار الذين اعتمدوا فى تفاسيرهم وكتبهم حقائق وأساسيات الفقه يعتبر قولهم جامعا غير قابل للمراجعة فيما يخص الأحكام والفرائض فى المسائل المحسومة فلا يعقل أن يجتهد مسلم فى عدد ركعات كل فرض أو يبدى رأيه فى عدة شهر رمضان مثلا ..
وخلاف ذلك فيما يخص الأحكام غير المحسومة والذى اختلف حولها الأئمة جميعا فقال كل منهم برأى مخالف فاتباع أى رأى هنا ومناقشته لا يمثل حرجا حتى وهو من فى زمرة الأحكام .. مثال ذلك ما اختلف فيه الفقهاء حول وجوب عدالة الشهود واستمرارها فى عقد الزواج فقد خرج أبو حنيفة رضي الله عنه غير مشترط لإستمرار عدالة الشهود لأن العدالة لو سقطت معناها سقوط عقد الزواج فيما بعد وهو ما خالفه فيه بقية علماء المذاهب ..
أما الشأن المظهرى كالمأكل والمشرب والملبس فهو على حد قول الإمام الشعراوى أن السؤال فيه وإكثار الجدل يعد من قبيل التنطع لأنه لا يوجد فى الإسلام مفهوم اسمه الزى الإسلامى بل يوجد فقط عورات للرجل والمرأة وجب حجبها بأى وسيلة كانت وطالما تم حجبها فكل زى مباح
أما المتشابه وهو كل ما لم يرد قطعيا فى القرآن الكريم أو السنة المطهرة فهو مفتوح عن آخره أمام إعمال الرأى ليس على سبيل الإباحة وحسب بل على سبيل الطلب المشدد والترغيب فيه باعتباره أساس العلم ..
فمن غير المعقول بالطبع أن أقف بقولى مثلا أو إجتهادى حتى كطالب علم بشأن من تلك الأمور التى لم تحسم مثلا كتفاصيل قصص الأنبياء أو قصص القرآن المختلفة ولا أبحث خلفها كيفما شئت وأقتنع برأى دون رأى بلا حرج مطلقا ..
وهذا الأمر هو الذى نادى بعكسه المتشددون وبالغوا فى فتح أبواب التحريم والتكفير أمام كل تصرف وكل قول فى شتى المسائل يخالف ما قال به السلف فانقلبت القاعدة الفقهية فى أن الأشياء أصلها الإباحة ليصبح أصلها التحريم
هذا خلافا لفتح الباب بأوسع طاقته أمام الترقب العنيف لأى تصرف ووصمه بالبدعة فظهرت عشرات ومئات الفتاوى فى كل شأن هين لا يستحق السؤال وهو الأمر الذى نهى عنه كبار الأئمة قديما ويكفي ما نقلته كتب التراث عن أحد الأئمة الكبار ورد إليه سؤال من تلك النوعية من أهل العراق يستفتونه حول حكم قتل النملة فى المسجد ؟!
فرد الشيخ مستغربا .. " عجبت لأهل العراق يستفتون فى قتل نملة ولم يتورعوا سابقا عن قتل الحسين "
وهو ما حدث من الخوارج أيام الفتنة الكبري بعد أزمة التحكيم بين على بن أبي طالب رضي الله عنه ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وكان الخوارج هم الفئة التى انشقت عن جيش الإمام على ورفعت راية العصيان فى وجه الطرفين .. وعادوا للعراق فعاثوا فى الأرض والبقاع فسادا حتى وصلت بهم الوحشية إلى بقر بطون الحوامل فيمن لا يكفر إمام الأئمة
ومر واحد منهم مع رفيقه على شجرة تلقي بفروعها خارج حائط بعد أن بقروا بطون عدد من نساء مؤيدى الإمام على .. فمد يده إلى إحدى الثمرات فالتقطها وألقاها فى فمه فصاح به رفيقه ناهيا باعتبار أن الثمرة تعد حراما طالما أنه لم يستأذن صاحبها فألقي رفيقه ببقية الثمرة على الأرض ولهج لسانه بالإستغفار الشديد !!
وفى العصر الحديث تكاثر سرطان الأسئلة فيما لا يفيد واستجابت له زمرة المتشددين حتى وصل الأمر بأحد الجماهير فى مصر أنه تقدم إلى الدكتورة عبلة الكحلاوى ذات مرة سائلا عن جواز تطليقه لزوجته طالما أنها تشجع فريق الزمالك بينما هو يشجع فريق الأهلى فكادت العالمة الكبيرة تصاب بضغط الدم ..
والشيخ الدكتور عطية صقر رحمه الله أحد حبات عنقود الفقهاء الكبار خرج عن شعوره فى برنامج مذاع على الهواء مباشرة بالتليفزيون المصري عندما توجه إليه أحد الشباب فى قلب شهر رمضان بسؤال حول جواز تقبيل خطيبته فى نهار رمضان هل يعد حراما أم لا ؟!
وهذا بالطبع إن دل فإنما يدل على الأمية الشديدة التى تحكم جماهير المسلمين مما يستدعى من باب أولى أن يوجه العلماء جل طاقتهم للإرتفاع بمستوى التفكير فجاء المتشددون باستجابتهم لكل سؤال تافه ليزيدوا الأمر سوء ..
مثال ذلك ما أقبلت عليه جموع غفيرة من شباب الجامعات التابعين لهذا المنهج فى مصر عندما استفتوا علماءهم عن إسبال الإزار فقام العديد منهم ـ بفتوى مسبقة ـ بتقصير البنطال بخمسة أو عشرة سنتيمترات فى مشهد يصعب وصفه ..
وهذا هو التمسك الشكلى بالنصوص لأن إسبال الإزار لا محل له بالعصر الحديث وأين هو من يلبس الإزار الآن ليجره خيلاء .. بل أين من يفهم معناه من الأساس حتى يقيس هؤلاء العلماء على ذات الحكم فيصدروا فتواهم بتقصير البنطال !
الكارثة الحقيقية أن المتنطعين من أهل السؤال فى تلك الأمور معظمهم يرتكب من الفواحش الأساسية والكبائر ما لا يغيب حكمه عن مسلم ثم تجده يستفتى فى تلك المسائل ..
وكأن التمسك بالأمور الشكلية والمستثناه هو جوهر وحقيقة الإسلام .. وكما أفاد علماؤنا أنهم لا يمنعون وحاشا لله أن يمنعوا من أراد لنفسه العصمة فاتبع كل خطوات السلف الصالح ولكن هل يكون البدء بالمظاهر أم بالعمق ..
والإسلام فى شأن هذه الكماليات واضح وضوح الشمس وعبر عنه الإمام أبي الحسن الشاذلى وكان تاجرا موسرا يلبس الطيب من الثياب ومر ذات بسوق فواجهه أحد المدعين ممن يلبسون المهللات تحت ادعاء الزهد وصرخ فيه قائلا
" هل يعبد الله بهذه الملابس "
فنظر إليه الإمام الشاذلى وقال مشيرا إلى المظهر القبيح للرجل
" وهل يعبد الله بهذه الملابس .. ملابسي تقول للناس أنا غنى عنكم فلا تعطونى وملابسك تقول للناس أنا فقير إليكم فمدونى "
ثم ذهب لحلقة درسه وهتف مناديا تلميذه الإمام أبي العباس المرسي
" يا أبا العباس اعرف الله وكن كيف تشاء "
وهكذا لخص الإمام العظيم قضية الزهد فى عبارة جامعة .. فليس الزهد مظهرا كما يحرص البعض كما أنه ليس لمن لم ينل من الدنيا موسرها فقال بأنى زاهد .. بل هى لمن أعطته الدنيا وأقبلت عليه فلم يأخذ منها إلا المظهر وفرغ قلبه منها تماما بمعنى أن لو أمسي ذا مال وفير وأصبح فى حال فقير لم يغير هذا فى قلبه شيئا ..
وبالتأمل الدقيق فى حجج واستنباطات جبهة التشدد تجد أنهم متمسكين بأن هذه الأمور هى الأصول وما سواها بدعة مع أنهم فى حقيقة الأمر أبعد الناس عن الأصولية وعن إتباع الهدى النبوى فى هذا الشأن بل هم أول المبتدعين بالرغم من أن الجارى على لسانهم ليل نهار هو رفض كل بدعة ..
يتضح ذلك من التركيز والمقارنة بين الجبهتين ..
فمثلا هناك عشرات الأمثلة الواردة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فى شأن تصرفات الصحابة أقر فيها تصرفين أو أكثر على النقيض ولم ينكر أى منهما .. وهذا يعطينا مثلا حكيما أن أمور العقيدة فى الأحكام ذاتها قابلة للرأى والاختلاف بين أهل العلم فما بالنا بالمتشابه ..
وفى عهد عمر بن الخطاب قام رضي الله عنه بعدد من التصرفات المسئولة اجتهادا برأيه وجاءت اجتهاداته مخالفة لقواعد رئيسية بيد أنها متغيرة مثال ذلك عندما أبطل حد السرقة ـ وهو حد ثابت وقطعى ـ فى عام الرمادة وهو تصرف لم يسبقه إليه لا الرسول عليه الصلاة والسلام ولا أبو بكر الصديق رضي الله عنه .. كما أنه أبطل أموال المؤلفة قلوبهم فى حين أنها كانت سارية قبله فى العهد الراشد الأول وأيام النبي عليه الصلاة والسلام وقطع شجرة المبايعة مخافة افتتان الناس بها وعشرات من تلك الأمور التى نبأت عن حكمته .. مؤكدا عن على لقب الفاروق الذى تميز به رضي الله عنه .. بالإضافة إلى أن عمر بن الخطاب يعتبر الأب الروحى لفقه التقدير الذى أخذه عبد الله بن مسعود وتلقفه فيما بعد بالعراق أبي حنيفة النعمان ليصبح هو رجله الأساسي
وفى شأن المتشابه
فقد ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما يفيد بأن وجهة نظره فى ذى القرنين إنه من الملائكة وهو قول لم يقل به قبله أحد لأن الخلاف كان حول نبوته أو صلاحه فقط .. وذلك عندما سمع مناديا ينادى ولده بذى القرنين فعاب عليه التسمية وقال بأنه يكفي التسمية بأسماء الأنبياء وترك أسماء الملائكة ..
فهل كان عمر رضي الله بهذه الإجتهادات مبتدعا يا ترى ؟!
وجاء من بعد عمر عثمان رضي الله عنه وفى أول لحظة له على منبر مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام صعد حتى بلغ الدرجة التى كان يخطب عليها الرسول عليه الصلاة والسلام وكان أبو بكر رضي الله عنه قد نزل درجة إلى أسفل عندما اعتلى المنبر وبعد أبي بكر نزل عمر رضي الله عنه درجة أخرى فجاء عثمان عليه رضوان الله وقال
" هذا أمر يطول "
وعاد إلى نفس الدرجة التى كان يخطب منها رسول الله عليه الصلاة والسلام
والإمام على فى الفكر والاجتهاد والرأى مدرسة يصعب حصر الأمثلة فيها
وجاء عبد الله بن عباس رضي الله عنهما لفترة طويلة مبيحا لزواج العقد المؤقت وهى المسألة التى استمرت فترة حتى عاتبه عليها الإمام على فكف عنها وكان الأمر مجرد عتاب أى أنه لم يكفره ـ حاشا لله ـ أو يتهمه بالابتداع ..
وكل تلك الأمور العقائدية التى حدثت فيها مخالفة لما استنه الرسول عليه الصلاة والسلام تبعا لكل اجتهاد كانت مسائل غير محسومة وليست من صلب العقيدة الثابتة التى يلزم ثباتها ليستقيم الإسلام فقال كل فقيه وصحابي برأيه وكلها أمور حساسة وشديدة التأثير فى حياة الناس فما بالنا بمن يطلق عنان التفسيق والتكفير فى وجه من يخالف فتاوى اليوم وهى أهون شأنا بمراحل عن الأمور التى اختلف حولها الأئمة الكبار
والأهم من ذلك أننا اكتشفنا أن منهج السلف الصالح فى أيام الإسلام الأولى الغضة كان المنهج القائم على الفكر الحر وهو ذات الأمر الذى اتبعه المستنيرون من الفقهاء المجددين ..
فمن هم الأصوليون الحقيقيون إذا ..
هل من اتبع المنهج ففكر واجتهد أم من أغلق الباب واتهم وكفر ؟!
وأمر آخر ..
هو مسألة تحريم المتشددين للخوض فى مسائل المتشابه والسؤال عنها بل وصلت الدرجة فى بعض الأحيان إلى تحريم بعضهم تناول فترات التاريخ الإسلامى كالفتنة الكبري مثلا على اعتبار أن الخوض فيها لا يخدم الإسلام فى شيئ ويدفع الناس لإصدار أحكام على الصحابة رضي الله عنهم وهو ما يعد ممنوعا قطعا .. .
والواقع أنه خلط مؤسف ..
فكيف يكون تدارس التاريخ الإسلامى وأخذ عبره ’ بدعة منهى عنها والذى نقل لنا التاريخ فى الأساس هم أئمة الفقه والسنة كبن كثير والطبري والعسقلانى وغيرهم ..
فمن باب أولى ـ لو أن الفتوى صحيحة ـ أن الفقهاء الكبار الذين كتبوها وتعرضوا لها كفوا أيديهم عنها درء للبدعة ..
الأخطر من ذلك أن مواقف الصحابة فى تلك المسائل كانت متباينة ومع ذلك كلها كانت صحيحة لأنه لا وجود للرأى الواحد الذى لا يتم السماح بتغييره إلا فيما هو ثابت من أصول العقيدة ثباتا واضحا
فمثلا هناك من اشترك فى الصراع مع الإمام على ورآه واجبا حتميا كعمار بن ياسر رضي الله عنه والذى قال فيه رسول الله عليه الصلاة والسلام
" الحق يدور مع عمار حيث دار " أو كما قال
وهناك من اعتزلها نهائيا كسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وهو أحد العشرة المبشرين وأحد الستة أصحاب الشورى وبطل الإسلام وأحد أوائل المسلمين على الإطلاق والرجل الذى جمع له رسول الله عليه الصلاة والسلام أبويه فلم يجمعهما لأحد بعده ..
وهناك من شارك فى صف معاوية بن أبي سفيان كعمرو بن العاص وولده عبد الله بن عمرو رضي الله عنهم جميعا فى بداية موقعة صفين ومعاوية رضي الله عنه من كتاب الوحى وقيل فيه عندما سألوا أيهما أفضل معاوية أم عمرو بن عبد العزيز فأجاب أحد كبار الأئمة قائلا
" لترابٌ فى منخرى معاوية مع رسول الله عليه الصلاة والسلام خيرٌ من عمرو بن عبد العزيز "
وعن المتشابه فقلما تجد مفسرا يتفق مع آخر فى مسائله وكل منهم جاء برأى واقتنع به أو ناقشه بداية من الصحابة الأول وحتى التابعين وتابعيهم دون أدنى تحريم أو تبديع ..
فعبد الله بن عباس رضي الله عنه قال بأن عدة أهل الكهف سبعة وجزم بذلك وخالفه آخرون كما أن الإمام على نفسه فسر كلمة التنور الواردة فى قصة نوح عليه السلام بأنها الصبح عند انبلاجه وهو ما عده بن كثير تفسير غريب ولم يقبله بالرغم من أن المقارنة بين الإمام على وبين بن كثير رضي الله عنهما فى العلم لا وجود لها أصلا لفضل الإمام على فى هذا الشأن ..
ولكن وجود الفضل والإعتراف به شيئ والإقتناع والرأى أمر آخر تماما
بل إن تحريم النقاش فى مسائل المتشابه والتشدد فى حصر الرأى فيها بقول واحد لا يمت لقواعد الإسلام فى شيئ ..
ألم يأت اليهود مرات عدة إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وهم اليهود أى أن عدائهم كان قاطعا وكفرهم كان حاسما ومع ذلك استقبل الرسول عليه الصلاة والسلام أسئلتهم ببساطة وأجابهم عنها بخصوص ذى القرنين وأهل الكهف وغير ذلك من عشرات الأمور وأنباء الغيب الواردة وحيا ..
أى أن الرسول عليه الصلاة والسلام يحرم نقاشهم وجدالهم وجاء القرآن مؤكدا على هذا بشرط الجدال بالتى هى أحسن دون مراء ودون رفع لواء التكفير فى وجه كل سائل والإحتجاج به للهروب من الإجابة
لأن الفكر الإسلامى فى أصله أنه الفكر الأقوى والأعلى والمتحدى إلى أبد الآبدين فمن جاء للسؤال أيا كانت نيته ففي رجال الإسلام وأهله ألف خير للتصدى لهم إن كانوا ذوى غرض وفى هدايتهم إن كانوا ذوى حيرة
ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أرسل إليه إمبراطور الروم بصحيفة فيها عشرة أسئلة من المعضلات وطالبه بإجباتها فلم يرسل إليه معاوية سابا أو شاتما بالرغم من أنه ملك وكافر وعدو .. بل بعث بالأسئلة إلى بن عباس رضي الله عنهما فأرسل إليه الإجابات كاملة وبعث بها معاوية معتزا وفخورا لإمبراطور الروم ..
نخلص من هذا أن باب الفكر والنقاش والمحاورة مفتوح على مصراعيه والجدل فيه استثناء لا قاعدة كما قرره البعض .. والجدل معروف وأمر النهى عنه واضح فور حدوثه فى أن نتلاشاه ويتلخص ببساطة فى إبطال الحجة ودرء العذر والتغاضي عن السب فإن استمرت المعارضة بعد ذلك كان الإستمرار فيها جدالا
أما ما سوى ذلك فالفكر الإسلامى الرحب يسع كل متسائل ولولا السؤال والنقاش كما يقول بن عباس رضي الله عنه ما بلغ من العلم شيئا ..
وهذا كما رأينا هو جوهر الفكر الإسلامى الذى أسسه الصحابة وجاء الفقهاء المجددون فاتبعوه فأشبعوا المستشرقين والعلمانيين وأشياعهم حجة بحجة وردا برد وانتصروا للفكر الإسلامى
فمن هم يا ترى الأصوليون الحقيقيون ..
من اتبعوا المنهج وعرفوه أم من تذرعوا بجدلية كل نقاش فحرموه ؟!
ومن هم الأصوليون ..
من سلكوا منهج التفكر فخرجوا بما يؤيد الإسلام ودعوته ألف مرة فى مواجهاتهم مع الفئات المعادية مثلا كالإمام الشعراوى أم من طلب السكوت والاكتفاء فى المتشابه بما ورد فى القرآن وحسب ..
وتحضرنى كلمة الشيخ الشعراوى فى هذا الشأن
عندما قال نحن ندين للمستشرقين بما حسبوه تناقضا فى القرآن الكريم وأتوا به زاعمين أنهم قد أتوا بالحجة عليه لأنهم كانوا سببا مباشرا فى همة المفكرين والفقهاء لكى يتدارسوا فيفتح الله عليهم أبوابا من الحكمة والتفسير أكدت على اعجازية القرآن ..
والإمام الشعراوى صادق فى هذا تماما لأن الله سخر المتهمين والمشككين لكى يلقوا الضوء أكثر على الإعجاز والكمال الذى ورد بالقرآن عندما تصدى لهم علماء المسلمين بكل عصر ..
وكما سبق القول لا يوجد هناك قول واحد أو رأى واحد قاطع فيما لم يتم حسمه من القرآن وهو كثير لأنه هو ذاته مجال بيان الإعجاز الذى أوصانا الرسول عليه الصلاة والسلام بتحريه فتبعه السلف الصالح من التابعين وتابعيهم ونظروا فى كتب اليهود يلتمسوا منها العلم فيما لا يخالف نصوصا قطعية بالقرآن والسنة وأتى بعضهم بنتاج فكره فى المتشابه وجاء فقهاء العصر المجددين فأضافوا وأصابوا كثيرا ودخلت للإسلام من جراء تلك البحوث أمما بكاملها بعد أن طبق الفقهاء المجددون أسلوب الدعوة الإسلامية الثابت فى الحجة والمنطق ..
أما أسلوب المنع والحظر والتحذير فهذا كفيل بإغلاق العقول والأخذ بقول واحد وتكفير أو تفسيق ما سواه ليتسبب القائلون بهذا فى نزع أهم مميزات الإسلام ألا وهى أنه دين الأمة الخاتم الذى نزل متحديا فى جملته وتفصيله وعجز عن مواجهة فكره اليهود والنصارى والذين أشركوا عندما فتح المفكرون الأبواب على اتساعها أمام من يأتى متحديا بالتكذيب للقرآن والرسول عليه الصلاة والسلام فردوهم خاسرين ..
وهذا الذى يدعو إليه البعض من كف السؤال والرأى فى القرآن ـ فيما يخص المتشابه ـ إنما يسعون ـ دون إدراك ـ لقلب الأوضاع فيصبح المسلمون يخشون عل دينهم من الحجج المقابلة أن تسقط منطقه وهو ما خافه اليهود والنصارى ولذلك تهربوا من كل سجال وكل مناقشة تمس عقيدتهم فمنعت المعابد والكنائس منعا باتا أن يخوض أى مفكر منهم نقاشا مع عالم مسلم لعلمهم الكامل بضعف الحجة لديهم ..
وللفصول بقية إن شاء الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : المقالات والبحوث التاريخية | السمات:المقالات والبحوث التاريخية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























