فصول وتأملات فى الفكر والتكفير " 3 "
كتبهامحمد جاد الزغبي ، في 10 ديسمبر 2007 الساعة: 00:30 ص
الفصل الثالث .. أزمة المرجعية
ونواصل ما بدأناه بالفصل السابق حول التناقضات الصارخة التى وقع فيها المتشددون فوصموا الإسلام بما ليس فيه من تشدد وأعطوا المستشرقين أهم أسلحتهم للقول بأنه دين التعصب ..
وفى شأن أزمة المرجعية تتفرع الأزمات من المتشددين تجاه المعتدلين وهم مصرون على أنهم سائرون فى درب السلف حيث أعملوا أمرهم فى مسائل حسبوها هى الحق المجرد وما سواه باطل وسلموا بها على عدة أوجه نتناولها تباعا منها
* عدم الإعتداد بالآراء فى الفتاوى والأخذ بالمتشدد منها القائم على اعتبار أن الأصل هو التحريم وليس العكس واتهام ما سواه بالضلال مهما كان القائل بهذا والاعتماد كليا فى تفسير القرآن الكريم وفقه الحديث على فهم السلف الصالح وحده وتلخيصهم هذا فى أن الإسلام لم يعرف شيئا اسمه حرية الرأى لأن الدين ليس بالرأى وليس فيه اختلاف وإلا فقدنا الطريق
.. وكل اجتهاد أو تدبر بالقرآن مرفوض إلا بقواعد الاجتهاد لعلماء الفقه وحدهم
أما القول بأن الإسلام لم يعرف حرية الرأى وأنها بدعة غربية ولا وجود للآراء فى الدين ولا وجود للإختلاف !
فلسنا ندرى هل يقصدون الاختلاف بمعنى الاختلاف فى الأصول على الحال الذى سارت عليه اليهودية والمسيحية فتحولت إلى طوائف كلها تعتنق التوحيد كما تراه صوابا وكلها على ضلال ..
فهذا لا يقال له اختلافا لو كان المقصود لأن الإختلاف يكون بالرأى مع اتفاق المبدأ أو الأصل وهذا بالطبع غير موجود بالإسلام
أم يقصدون الإختلاف فى الفروع .. وهو ما يبدو واضحا للأسف ولا نعرف كيف يمكن التسليم بهذا المنطق
وكما يقولون الحق ما شهدت به الأعداء فالمستشرقون على مدار قرون ظلوا ينبشون فى الإسلام وتاريخه ويدققون بحثا عن شيئين لا ثالث لهما وهو تناقض بين آيات القرآن أو مع الأحاديث النبوية أو الوصول لوصمة جهل ومنع فكر تدمغ سماحة الإسلام التى يتمسك بها المسلمون باعتبارها قوام الدين ومنبع فخره على سائر أمم الأرض
بيد أن الدهشة يمكن أن تزول عندما نعرف سبب هذا القول وهو أن من طالع المصطلحات ذات السمعة السيئة عند الزمرة المتشددة سيجدها تدور فى فلك الديمقراطية وحرية الرأى والمساواة
وما إلى ذلك من مبادئ هى فى الأصل مبادئ الإسلام لكنهم تحت تأثير رفض البدع الغربية وتوجهاتها خلطوا الحابل بالنابل فلم يستطيعوا التمييز بين ما هو إسلامى أصيل وما هو مبتدع ..
نعم .. الغرب قام بتسريب بعض الألفاظ والمصطلحات والمبادئ البراقة بغرض الهدم من داخله لكن تلك الألفاظ معروفة على سبيل الحصر وهى التى تدور فى فلك التعبيرات التالية
" العلمانية ـ تحرير المرأة " وليس حرية المرأة " ـ العروبية ـ الشعوبية ـ التقدمية ـ الشرق أوسطية ـ المبادئ التحررية ـ عملية السلام ـ النظام العالمى الجديد ـ تحرير العقل والفكر ـ الحداثة "
هذه هى البدع الغربية التى يتوجب هدمها والتصدى لأخطارها أما القول بأن الألفاظ المعبرة عن المبادئ الإسلامية وجاءت بالرداء الغربي هى أيضا من زمرة البدع فهذا خلط بالغ الخطورة ويعطى الفرصة كما قلت لتصوير الإسلام بأنه دين البداوة والتخلف كما يتمنى الغرب منذ عصوره الأولى
فالديمقراطية هى مرادف الشورى فهل عندما يسألنا الغرب عن الديمقراطية فى الإسلام نهتف بأنه لا وجود لهذا اللفظ عندنا وأنه بدعة لمجرد أنه أتى على لسان غربي ؟!
وكذلك الإنسانية فهى مرادف السماحة والتضامن الإجتماعي وبالمثل حرية الرأى والفكر ـ وليس تحرير العقل والفكر ـ كلها مبادئ من صلب العقيدة الإسلامية فعندما ينفيها المسلمون عن دينهم فهم بذلك يحققون ما يهدف الغرب إليه ولو أن الإسلام لم يعرف الإنسانية ولم يعرف الديمقراطية ولم يعرف حرية الرأى فماذا تبقي من الشريعة الغراء ؟!
فبهذا وطالما أن الديمقراطية والإنسانية وحرية الرأى حرام فالديكتاتورية والوحشية والقمع حلال إذا ؟ !
وتزداد الكارثة أثرا إذا عرفنا أن تلك المبادئ بمسمياتها قد اقتبسها الغرب أساسا من الحضارة الإسلامية بالقرون الوسطى أيام كانت أوربا فى عصور الظلام فالتمسوا كل سبل الحضارة والعلوم والفكر من الحضارة الإسلامية وهو ما شهد به الغرب نفسه وكتب عنه عشرات من مفكريهم مثل كتابات الكاتبة الألمانية " زيجريد هونكه " صاحبة موسوعة " شمس الإسلام تشرق على الغرب " وقد قدم هذه المسائل وأوضحها المفكرون الإسلاميون مثل المفكر عباس العقاد والدكتور محمد عمارة والشيخ محمد الغزالى والإمام محمد عبده والمفكر جمال الدين الأفغانى والمؤرخ جمال بدوى والشيخ الشعراوى وغيرهم عشرات ..
ليثبتوا بما يدع مجالا للشك أن النظم الديمقراطية الغربية وأساليب البحث العلمى والتفكر كلها منتجات الفكر الإسلامى الثري من أيام الإمام الغزالى صاحب إحياء علوم الدين وحتى كتابات وفكر جلال الدين السيوطى وشمس الدين السخاوى بالإضافة إلى مؤلفات حضارة الأندلس عبر ثمانية قرون
فمن الإسلام وحضارته عرف الغرب النظم الإجتماعية التى أسست نظمه السياسية فيما بعد وكان أبلغ تعبير عنها ظهور " العهد الأعظم " المعروف باسم الماجنا كارتا بانجلترا فى عصر الملك جون والذى تمكن النبلاء الإنجليز من أخذ توقيع الملك عليه وامتلأ بمبادئ الشورى واختيار الشعب المقتبسة من علوم الفكر الإسلامى وهو الأمر الذى دعا أحد كبار المفكرين الإسلاميين وهو فى زيارته لأوربا أن يقول عبارة أجملت هذا كله فقال
" لقد رأيت فى الغرب إسلاما بلا مسلمين ورأيت بالشرق مسلمين بلا إسلام "
فهل بلغ التمسك بشكليات الألفاظ دون معانيها حد الإقرار بما يصم الإسلام بانعدام تعدد الرأى في فروع فقهه وفى قلب القرآن نزلت آية الشورى .. وكان أول آيات القرآن نزولا تحمل الأمر بإقرأ .. وضم القرآن العزيز فى آياته تسعة وأربعين موضعا ذكر فيها العقل والفكر والتفكر ومع تباين العقول والأفكار كيف يمكن تصور رسوها على رأى واحد وهذا ضد طبيعة البشر
ولو كان أولئك لم يروا فى القرآن ذلك أفلم يتبصروا بما يعرفه الخاصة والعامة من تعدد الآراء واختلاف المذاهب وسبل معالجة مسائل الفقه بين العلماء وقد تعددت شعبا كلها لم تتهم بعضها بعضا وإنما التزم كل فقيه بما يراه بعد اتفاق الثوابت من أيام الإسلام الأولى
فمنذ نزول القرآن الكريم وهو معروف أنه حمال أوجه والحق واحد ولكن الطريق إليه من ألف مسلك ومجرد المرور السريع على التاريخ الإسلامى فى الثلاثة قرون الأولى نجد العشرات بل المئات من دلائل ذلك .. على اعتبار أن الرأى لا وجود له فى الدين وهم يستخدمون هذه العبارة " فى الدين " على سبيل الإرهاب لكى لا يتجاسر أحد على القول بخلاف ذلك بينما الدين هو الديانة لله ولا خلاف فى ذلك والإختلاف فى فقه الدين وفهم أصوله وتطبيقه فى شتى مناحى المجتمع وحياته
ففي عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وقعت عشرات التصرفات من الصحابة اختلف بعضها فى العمل الواحد عدة مرات فأقر النبي عليه الصلاة والسلام كل تلك التصرفات والإجتهادات دون استثناء كما حدث مثلا فى غزوة بنى قريظة عندما أمر صحابته بألا يصلي أحدهم العصر إلا فى بنى قريظة وكاد موعد الصلاة أن يفوت فمنهم من صلاها ومنهم من طبق ظاهر الأمر النبوى وأقر الرسول عليه الصلاة والسلام كليهما
فكيف يكون الإختلاف غير موجود إذا وكيف يمكن القول بأن الحق بوجه واحد وطريق واحد ؟!
وأوصي الرسول عليه الصلاة والسلام معاذ بن جبل عند توليته قضاء اليمن قائلا له " بم تقض يا معاذ … "
فأجاب معاذ بالقرآن ثم بالسنة ثم قال أجتهد رأيي ولا آلو ..
أى أن الرأى والإجتهاد من صلب وعقيدة الإسلام والاجتهاد معناه إعمال الرأى حال عدم وجود نص وما دام اجتهادا فمن الطبيعى أن يختلف من عالم لآخر ومن فقيه لآخر
واختلف الصحابة العلماء أنفسهم فى عشرات المسائل كل منهم أخذ فيها باجتهاده ولم نر أيا منهم اتهم الآخر بالجهل أو خفة العقل فرد الإمام على بن أبي طالب أكثر من قضاء لعمر بن الخطاب رضي الله عنه فقبلها عمر وازداد للإمام إجلالا وتعظيما وتفرد بن عباس رضي الله عنهما بعدد من الآراء لم يقل بها أحد معه وكان حبر الأمة الذى يدعوه عمر رضي الله عنه للمعضلات فى وجود الشيوخ من أهل بدر
وفى عصر التابعين الأولين وتابعيهم رضي الله عنهم وجدنا الإختلافات فى الرأى وقد أخذت آفاقا بعيدة للغاية بعد تعدد المسائل
فقد ظهر الأوزاعى رضي الله عنه الإمام الفقيه الذى شهدت له أقطار الدنيا بعلمه وعندما نزل للحج دخل مكة وعلى عقال بعيره الإمامين الجليلين مالك بن أنس وسفيان الثورى يقودان جمله تعظيما له ثم فى نفس اليوم جلس مالك إلى الإوزاعى طيلة النهار متناقشين ومختلفين فى عدة مسائل وجلس أيضا سفيان الثورى فى حوار مشهود مع الإوزاعى حفل بالإختلاف والحجة
وقام فى المدينة المنورة الإمام مالك بن أنس مؤسسا مذهبه المعروف والقائم على مصادر الكتاب والسنة وعمل أهل المدينة ثم الرأى وقام بالعراق مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان وأسس مذهبه المعروف أيضا عاملا بالكتاب والسنة الثابتة بالصحة ثم بالرأى مفضلا إياه عن الحديث الضعيف
وكان الإجلال بين الإمامين عظيما فكل منهما يري الآخر عالما ذو شأن أكثر رفعة منه وقال أبو حنيفة عن مالك قولته الشهيرة أنه لا يفتى ومالك فى المدينة وعندما مات أبو حنيفة رحمه الله حزن عليه الإمام مالك حزنا عنيفا وقال فيما قاله أننا فقدنا فقيها يحسب حسابه
والأهم من ذلك أن كلا الإمامين لم يعرف عنهما جزما بفتوى أو رأى طيلة حياتهما بل إن مالك رضي الله عنه كان كثيرا ما يبدأ فتواه " إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين "
ورفض أن يحمل الخليفة كتابه الموطأ على الناس وكان مبرره الذى لم يدرك حكمته من قالوا بعدم وجود اختلاف الرأى أن الإمام مالك رأى أن الصحابة تفرقوا فى الأمصار مما يشي بعدم احتواء الموطأ على سائر الأحاديث والأحكام وأفعال السلف فرفض أن يلتف الناس حول الموطأ وحده لأنه فى المسألة الواحدة قد يظهر حديث آخر أو حالة استثنائية لم تبلغ الإمام
والإمام أبي حنيفة كان يرجع عن آرائه كثيرا إلى ما يراه صوابا وكان دائم الترداد لمقولات تعبر عن سعيه للصواب وحده منها قوله
" مثلي ومثل الحق كالذى ضاع منه بعيره فى الصحراء لا يهمه من يجده بل يهمه أن يلقاه "
كذلك كان فقيه الديار المصرية الليث بن سعد مع الإمام مالك متحاوران متناقشان ومختلفان فى عديد من المسائل وسبل معالجتها
وكذلك جاء الشافعى فتتلمذ على يد مالك بن أنس وخالفه فى عشرات المسائل وضمنها كتابا شهيرا له عنونه باسم " إختلاف مالك والشافعى "
وكان مذهبه قائما على الأخذ بالحديث مع الأخذ بالرأى كلٌ فى مكانه وسافر للعراق وأخذ عن محمد بن الحسن الشيبانى صاحب أبي حنيفة مذهب الحنفية وخالفهم فى العديد من المسائل التى كانت محل حوار بينه وبينهم ومع ذلك فإجلاله لمالك كان فوق كل تصور وإجلاله لأبي حنيفة عبر عنه قوله " كل الناس عيال على أبي حنيفة فى الفقه "
وعندما زار قبره قام مصليا فشاهده الشيبانى لا يرفع يديه فى كل ركوع فظنه عاد عن رأيه الذى خالف به الحنفية فقال الشافعى
" لا ولكنى فعلت ذلك احتراما للإمام " وأشار إلى قبر أبي حنيفة
ولما سؤل كيف يري الرأى ثم يرجع عنه قال رضي الله عنه
لن يبلغ العلم جميعا أحد .. لا ولو حاوله ألف سنه
إنما العلم عميق بحره .. فخذوا من كل شيئ أحسنه
وكذلك كان بن حنبل رضي الله عنه والذى التقي بالشافعى وكانت بينهما مودة عظيمة لم تمنع إطلاقا اختلافاتهما فى مسائل الفقه واعتراف كل منهما بفضل الآخر
وبالتالى لا صحة لما قيل من أنه لا توجد آراء تحتمل كلها الصواب والخطأ بل الرأى واحد ولا إختلاف فيه نظرا لأنهم لم يدركوا الفارق بين مفهوم الرأى والإجتهاد .. فالإجتهاد معروف أنه رأى بغير وجود نص .. أما الرأى فهو المؤيد بنص والفقهاء فى المذاهب اختلفوا فيما بينهم فى الأحكام وتقريرها وفى الفروع وكل منهم كانت لديه الحجة من القرآن أو السنة وكل منهم قال بأن هذا ما يراه وعلى الناس أن تتحرى ومن الطبيعى أن تختلف توجهات الناس حسب الفتوى أو الرأى الذى يصادف فيه الحق
ولو أن الرأى فى الفقه واحد والصواب واحد فيا ترى أي الفقهاء كان على حق فى مسألة رفع اليدين فى الصلاة وهل يكون الحق مع من أقام الدليل على أنها ترفع مرة فى تكبيرة الإحرام كما قال أبو حنيفة أم من ترفع فى كل مرة كما قال مالك والشافعى ..
وأى الآراء هى الحق فى مسألة الصلاة بعد وقتى الصبح والعصر ..
هل هو الرأى القائل بجوازها فى شأن قضاء الفرائض الفائتة وكراهيتها بالنسبة للنافلة اعتمادا على الحديث الشريف " ومن نسي صلاة فليصلها إن ذكرها " والصحابة مثل على وبن مسعود كرهوا النافلة فى ذلك الوقت وهو رأى أبو حنيفة ومالك ..
أم الرأى القائل جواز صلاة النافلة لو توافر لها السبب فى ذلك الوقت كنافلة تحية المسجد استدلالا بصلاة رسول الله عليه الصلاة والسلام سنة الظهر بعد صلاة العصر وهو رأى الشافعى
أم الرأى القائل بتحريم الصلاة تطوعا فى ذلك الوقت إلا صلاة ركعتى الطواف وحدهما اعتمادا على قول الرسول عليه الصلاة والسلام " يا بنى عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت أن يصلي فى أى ساعة يشاء بالليل أو النهار " وهو رأى أحمد بن حنبل
وكما لاحظنا وفى مسألة واحدة اختلفت الآراء من إباحة إلى كراهية إلى تحريم وكل رأى معه حديث شريف وفعل منقول عن السلف الصالح فكيف يمكن القول بأن الحق يقتصر فى الفقه على رأى واحد وما عداه خطأ ويطالبونا بأن نتحرى المذاهب جيدا لانتقاء الرأى الصحيح مع أن الآراء كلها أتت موثقة بدلائلها فليس هناك فقيه قال رأيا أو عبر عن اجتهاد بلا حجة
ومن الطبيعى أن المسلم عندما يطالع سائر الآراء سيختار منها ما يراه أقرب للصواب بحجته واستفتاء قلبه والأمر باستفتاء القلب ما الداعى له لو لم يكن هناك اختلافات بالفتوى ومن الطبيعى أيضا أن يختلف المسلمون فى التطبيق لتباين العقول والقناعات ؟!
فستجد تحت كل رأى مجموعة عملت به فأيها كان على الحق وأيها على الباطل لو كان ما يدعونه صحيحا ؟!
وأين هو الرأى الواحد الذي يجب أن يجتمع عليه المسلمون فى الفروع وما عداه يكون الخطأ ..
ولو أن هذا الفهم كان صحيحا لما كان فى الدين الإسلامى هذا الثراء الذى لا يقطع المرء عن حبل الدين مع التعدد الذى يقيل العثرة وكما عبر عنه عمر بن عبد العزيز بقوله
" لقد سرنى اختلاف أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام فلولا اختلافهم لأصابنا العنت وما كانت لنا رخصة "
وفى عصرنا الحالى وقف العلماء والفقهاء الكبار مبينين معنى الإختلاف ومن ثم وجوده .. فعندما سؤل الإمام محمد الغزالى عن الإمام عبد العزيز بن باز رحمهما الله قال عنه نصا
فما بال المنادين بعودة الأصول غفلوا عما قاله رجاله ..
هذا فى شأن المحكم ..
والذى خلطوا بين أحكام الاجتهاد فيه وبين القول فى المتشابه والرأى فيه فالمحكم وحده هو الذى يحتاج شروط الإجتهاد المعروفة القائمة على ضرورة توافر المعرفة والإلمام بعلوم القرآن كلها والإلمام بفهم السلف الصالح لتلك الآيات قبل أن يظهر الفقيه للفتوى وهذا طبيعى لأنه بصدد آيات أحكام ..
أما القول بأن نتقيد بفهم السلف الصالح وحده وبشروط الإجتهاد الفقهى فى آيات المتشابه فهذا ضرب آخر من ضروب العنت الذى يفقدنا آيات الإعجاز بالقرآن الكريم ,,
ويأتى الخلط والتناقض فى هذا القول من جملة " فهم السلف الصالح " وهو ليس محل نقد بالتأكيد لكنه مقصور على آيات المحكم
لأن فهم السلف الصالح فى شأن المتشابه لو طالعناه بعلوم اليوم لن يساوى شيئا
وأبرز الأدلة على هذا آيات الإعجاز العلمى والآيات الكونية بالقرآن الكريم والتى لو شاهدنا كيف فسرها السلف الصالح لوجدناها تفسيرات لا محل لها الآن بعد أن تصدى علماء المسلمين فى العلوم الكسبية وبرعوا فى تفسير آيات المتشابه فعرفنا إثبات العلم لكروية الأرض ورأينا وسمعنا طرق النجم الطارق والذى فسره المفسرون القدامى على أنه نجم من نجوم السماء ولم يمنحهم علم عصرهم ما يفسر ضرورة القسم بهذا النجم بالذات ولماذا حدده الله عز وجل حتى جاءت العلوم الحديثة وساق الدكتور زغلول النجار تفسير الآية بعد اكتشاف التليسكوب الراديوى وهو الخاص بالتسمع على النجوم والمجرات فعرفنا أن النجم الطارق هو النجم الذى انضغط وتحول لثقب أسود وظهرت له نبضات منتظمة أصواتها نقلها التليسكوب الراديوى وهى كالطرق على الباب تماما
فهل نلتزم هنا بتفسير وفهم السلف الصالح يا ترى ..
وأين قيمة العلماء إذا ما دام دورنا سيقتصر على التقليد بل أين هو مفهوم تحرى غرائب القرآن الذى لا تنقضي عجائبه وكيف سيمكننا تحرى عجائبه ما دمنا سنتوقف على فهم السلف الصالح لتلك القضايا ..
أم أن تلك القضايا الكاشفة للإعجاز القرآنى ليست علما .. والعلم فقط هو علم الفتاوى والفرائض ؟!
وهل العلم أن نحفظ كتب السابقين ونرددها عندما نـُسأل ؟!
وهل العالم هو الذى يعلم ما جاء فى كتب السابقين ويوقف عقله عند هذا الحد .. ؟!
لو أن السلف الصالح أنفسهم سمعوا بقولنا هذا وتوصلوا إليه فلماذا خالفه علماء المسلمين فيما بعد القرون الثلاث الأولى من أمثال الإمام بن تيمية الذى أتى فى الفقه والتفسير بما يخالف سائر المذاهب والتفاسير
فهل أخطأ بن تيمية عندما رفض الوقوف عندما وصل إليه فهم السلف الصالح وأخطأ عندما قال أن العلماء السابقين ليسوا معصومين ولا ضرر فى كشف الخطأ فى أقوالهم متى وجدناه
والإمام الغزالى والذى جاء فى تفسير القرآن بما لم يقله مفسر قبله .. بالذات فى كتابه النادر المفقود " كنوز القرآن " الذى استولى عليه المستشرقون ولم نستطع التوصل إليه
لماذا لم يلتزم الغزالى ـ وهو أولى الناس بهذا ـ بفهم السلف الصالح ؟
الواقع أنه من الطبيعى ألا يتبع أمثال هؤلاء العلماء الكبار هذه العبارة لسبب بسيط أن الاعتماد على فهم السلف الصالح شيئ .. والسير على هدى السلف الصالح شيئ آخر تماما ..
فالاعتماد على القرآن والسنة بفهم السلف معناه ببساطة رفض أى فهم مهما بلغت صحته طالما كان خارجا عن نطاق تفسير السلف الصالح حتى لو ثبت أنه غير صحيح .. كما أنه قول يعبر عن شيئ كثير من السطحية
لأن السلف الصالح نفسه اختلف رجاله فيما بينهم فى الفهم لا سيما بالمتشابه فأى فهم نلتزم وأى فهم ندع يا ترى ؟!
فهناك من سكت عن المتشابه وهناك من التمس التفسير بالإستعانة بكتب اليهود ولم يكن بهذا حرج فاليهود أهل كتاب والرسول عليه الصلاة والسلام قال " حدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج "
وهناك من التمس طريق الصحابة فى تفسير تلك الآيات بالذات أقوال بن عباس رضي الله عنهما وهو الذى كان له باع طويل مع آيات المتشابه وتفسيرها
وآيات المتشابه مفتوحة الأبواب أمام التفسير لمن استطاع ووهبه الله علم إدراكها وكما يقول الدكتور الكبيسي
" أن المفسرون القدامى معتمد قولهم فى المحكم أما المتشابه فسيظل بابا مفتوحا إلى يوم القيامة نأتى فيه بجديد ما دامت توافرت فيك نية البحث وعرفت أقوال السابقين والمعاصرين الثابتة لك أن تجتهد وتراجع اجتهادك على العلماء ولا حرج "
أى أن تعبير إتباع فهم السلف والوقوف عليه ليس تمسكا بل هو جمود واقتصار علمك فقط على حفظ وترديد من سبق من فهم وعلم دون النظر والقياس ليس من العلم فى شيئ لأن القاعدة تقول " التفكير العلمى يختلف عن تراكم المعلومات "
أما السير على هدى السلف الصالح ـ وهو التعبير الواجب ـ فمعناه التزام التدبر بالقرآن والجد والكدح فى استيعاب ما توصل إليه السلف الصالح ليس لاعتماده والوقوف عنده فحسب بل لإكمال الطريق واستخراج الكنوز القرآنية التى وعد الله ورسوله بأنها لن تنتهى حتى آخر الزمان
وقد عبر حملة دعوة الأصولية الحقة كجمال الدين الأفغانى ومحمد عبده وبن عثيمين عن هذا الأمر .. ففي شرحه وتقديمه لكتاب حلية طالب العلم قال الشيخ بن عثيمين عليه رحمة الله شارحا مسلك السبيل قائلا
" يلزم كوننا طلبة على منهج السلف ـ لم يقل فهم السلف ـ يلزم تحريضهم على معرفة منهج السلف فنطالع الكتب المؤلفة كسير أعلام النبلاء وغيره حتى نعرف طريقهم ونسلم هذا المنهج القويم "
وبالطبع معرفة منهج السلف وأقوالهم وأسلوب ومنهج اجتهادهم هو الأساس الذى يبنى عليه السير على طريق الأصولية لإكمال الطريق وليس للوقوف على القول السابق وحسب
وتحضرنى أيضا كلمة الأستاذ الإمام محمد عبده وهو يعانى مع رجال الأزهر ليطوروا المناهج بأن يجعلوا مع العلوم القديمة علوما حديثة تناسب العصر ليتمكن الشباب من إدراك مدلولات الإعجاز المختلفة بالقرآن وطالب بتدريس الجغرافيا وضرب مثلا بأن كروية الأرض التى أثبتها العلم تؤيد ما جاء بالقرآن وتكشف إعجازه .. فكانت النتيجة أن هوجم هجوما عنيفا وصل لاتهامات يندى لها الجبين وقال له أحد الشيوخ المحافظين أن تفسيرك للقرآن فيما يخص كروية الأرض لا يـَلزمنا ولا يـُلزمنا نحن على سبيل فهم السلف !!
وهكذا ببساطة منعوا النظر فى جديد التفسير واعتبروه حكما ملزما مهما أثبتته العلوم
فقال محمد عبده
" أنتم لا تحترمون السلف كما تدعون لأنكم لو احترمتموهم لسرتم على نهجهم فالعالم الذى يكتفي بالتقليد ليس بعالم والعالم الذى لا يخلف وراءه إلا حفظة كتبه .. لم يعلم أحدا "
بالمثل لو أن الإمام الشعراوى رحمه الله التزم طريق فهم السلف وحده ولم يتدبر ويأتى بتفسيرات تقريبية وجديدة فى معظمها للرد على شبهات المستشرقين لظلت أقوالهم تقدح فى القرآن إلى اليوم وتثير فى الناس عقيدتهم ..
لكن سبحان من سخر لِدينه العلماء والمجددين للدين فجاء الشعراوى ليضع أقوال المستشرقين على أول أولياته فنصر الله به الإسلام واستمعنا واستمتعنا بردوده الشافية فى تفسير كيفية تشبيه غير المعلوم بغير المعلوم مع أن القاعدة تقول بأن تشبيه الغير معلوم يجب أن يكون بشيئ معلوم وإلا فقد التشبيه هدفه .. والمستشرقون أرادوا بذلك بيان تناقض بآيات القرآن الكريم التى وصفت ثمرة اليقطين والعياذ بالله بأنه كطلع رءوس الشياطين وقالوا هل رأى الإنسان الشياطين كى يدرك شكل الثمر من التشبيه ؟!
فكان رد الشعراوى
أن القاعدة صحيحة والآية صحيحة أيضا ولا يوجد تناقض لأن التشبيه قصد إلى مخاطبة العقول فى بنى آدم جميعا وهى تتفاوت فى رسم وتخيل صورة الشيطان فلو أتيت بعدة أشخاص وطلبت منهم رسم وجه الشيطان كما يتخيله لجاء كل منهم بشكل مختلف يحتوى على أكثر ما يثير رعبه من مشاهد وهى أمور تختلف بالفوارق الفردية ولذلك أراد الله سبحانه أن يجعل تخيل الثمرة كتخيل أبشع صورة لدى كل من يقرأ الآية فيحدث التأثير المطلوب من التشبيه والتخويف به ..
أما الكارثة الحقيقية فهى تلك التى يراها المتشددون بشأن التصدى لتفسير آيات الإعجاز العلمى أو البلاغى بالقرآن الكريم فقد سحبوا عليها أحكام وشروط الاجتهاد بالأحكام ولوازم الفتيا وهى شروط لو التزمها العلماء الكسبيون لما كان هناك من أخرج كشفا إعجازيا واحدا بعصرنا الحديث ..
فما هى دواعى توافر شرط العلم بالناسخ والمنسوخ وأحكام القرآن المطلوبة فى الفقهاء .. بعلماء أتوا لإثبات إعجازية القرآن فى الشأن العلمى والبلاغى أى فى معيار تخصصهم وفى نطاق ما اكتشفوه فوجدوا القرآن الكريم دالا عليه ؟!
الأنكى من ذلك ..
أن العالم من هؤلاء لو ألزمناه بدراسة العلوم الشرعية الموفرة للتفسير والاجتهاد كشرط لنسمح له بممارسة التفسير فهل سيتبقي من عمره ما يكفي للنظر فى مجاله العلمى لتطبيقه على القرآن يا ترى ؟!
وما حاجة الدكتور مصطفي محمود مثلا لعلوم الناسخ والمنسوخ وأحكام الوقف وما شاكل تلك العلوم التى لها موضعها ورجالها .. وهل أفادته شيئا عندما خرج خلال أربعين عاما بعشرات الإستدلالات العلمية التى تفسر آيات الله الكريمة الواردة بشأن الكون والخلق
كلا بالطبع لأن أمر التفسير العلمى لا يتطلب إلا فهم الآيات لغويا وبيان مدلولها وهو ما فعله العالم الكبير
والدكتور السامرائي مفسر الإعجاز البلاغى الذى وفقه الله فى الأعوام الأخيرة لبيان أسرار وبنية التركيب اللفظى فى القرآن الكريم .. هل احتاج شيئا لغير تخصصه فى فقه اللغة العربية ؟!
بل حتى العالم الفرنسي المسلم " بروفيسور موريس بوكاى " والذى أسلم بمحض الصدفة عندما فحص مومياء رمسيس الثانى ووجد بها آثار بالغة القدم من ملح البحر واطلع من أحد رفاقه على قصة سيدنا موسي وكيف أن الله وعد أن ينجيه ببدنه فما كان أمام الرجل إلا أن دقق الفحص والتمحيص ليأتى بما يثبت أن فرعون موسي هو رمسيس الثانى بعد أن كانت مجرد تخمينات
وأسلم الرجل .. ورهن عمره وخبراته العلمية بعد إسلامه لتحرى إثبات العلوم الحديثة لما جاء بالقرآن الكريم وضمن أبحاثه الناجحة كتابا شهيرا كان عنوانه " التوراة والإنجيل والقرآن والعلم " وكان الكتاب بيانا عظيما لما احتواه القرآن العزيز من آيات الإعجاز العلمى فى صدد ما هو مكتشف إلى اليوم ..
فهل احتاج العالم الفرنسي إلى علوم وشروط الإجتهاد الفقهى وهو يؤسس اكتشافاته التى اعتمدها العلماء المسلمون فى لجان وهيئات الإعجاز العلمى المختلفة ؟!
ثم ـ وهو الأهم ـ هل نرفض هذه العلوم وتلك التفاسير لأنها لم تخرج من مكنون فهم السلف الصالح ومن أهل الفقه المعتبرين ؟!
رحم الله إمامنا العظيم أبو حامد الغزالى والذى عبر عن هذه المحنة فى كتابه جواهر القرآن .. وأفاد أن الشريعة وثوابتها توافر لها عشرات العلماء والذى إذا ما تقدمت لأحدهم بسؤال عن مفهوم الإخلاص أو عن سر من أسرار القرآن سكت وإن سألته عن أحكام الطهارة والصلاة أتى لك بمجلدات بها أقوال المتقدمين والمتأخرين
وكانت ثورته ـ رحمه الله ـ عارمة على كافة الفصائل والمذاهب فى عصره فواجههم جميعا عندما بدأ بالفقهاء المقلدين والغارقين فى اختلافات المذاهب فى الحرف والكلمة وفى عداء بعضهم البعض تعصبا إلى مدعى الصوفية مرورا بأهل الكلام والمعتزلة عندما تجاوزا مهمة إعمال العقل فطرقوا الأبواب المغلقة وأحبوا أن يفسروها بالعقول فضلوا
فدعا الفقهاء لنبذ الجمود وتفاهة العقل والصراع بلا قضية ودعا الصوفية إلى استكناه أسرار الإعتزال لله تعالى فيما يخالف شرعا
ودعا أهل الفلسفة وباراهم بفلسفتهم لينصرفوا للتدبر الواجب أمام المسائل المتصور إدراكها بالعقل وليس التبحر فيما ليس له نهاية أو محدودية فى الكون وخالقه عز وجل
ولو تأملنا عصر الغزالى فى القرن الخامس الهجرى لوجدنا ما أنهاه وواجهه الغزالى فى عصره من ظواهر هى ذاتها تلك التى ضربت المجتمعات الإسلامية اليوم .. بعد أن ظنت كل طائفة أنها وحدها على الحق المطلق وما سواها باطل مطلق ..
ويكفيهم لليقين بفساد رأيهم أنهم متمسكون بيقين إدراك الحق وهذا ظنٌ ما آمن به أحد من الناس إلا وكان إلى الضلال أقرب منه للهداية
لأنه بعد حقيقة الإيمان وثوابته لا وجود ليقين مطلق أبدا .. وهذا ما رأيناه يتردد على ألسنة السلف من العلماء
وللدراسة فصل أخير باذن الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : المقالات والبحوث التاريخية | السمات:المقالات والبحوث التاريخية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























