مصر والجزائر وأزمة الضمائر
لم يدر بخلدى يوما أن يكون من مهمة المفكرين والكتاب الاهتمام ـ كباحثين ـ بشأن رياضي
ولو تخيلته ما كنت أتخيل أن يكون هذا الاهتمام منصبا على كرة القدم بالذات على اعتبار أنها رياضة الفراغ العقلي وتعتبر ـ رغم شعبيتها المهولة ـ رياضة فارغة المعنى والهدف والمضمون وتخلو من مميزات الرياضة المفيدة التى تقوم على مبادئ التنمية الجسدية وترقية العقل باحتمال مصاعب التدريبات كما هو الحال فى الرياضات القتالية والرياضات العقلية
فهى رياضة تقوم أساسياتها على جهد بلا طائل لهدف بلا فائدة , رغم أنها أصبحت منذ منتصف القرن العشرين آلة اقتصادية تفوق فى بعض أموالها تجارة المخدرات والسلاح
وجاءت الأعوام الأخيرة من القرن العشرين وبدايات القرن الجديد لتصبح كرة القدم هى أكبر سوق يهتم به ـ ليس مشجعوها فحسب ـ بل أكبر رءوس الإقتصاد فى العالم إلى جوار كبار السياسيين فى كل بلد
وحاول المفكرون والعلماء من قبلهم لفت نظر العامة لمدى خطورة الانجراف فى التعصب الكروى الذى يتسبب فى كوارث تتضاءل أمامها نوازل الزلازل والبراكين , وذهبت جهودهم هباء
فهى تعتبر إدمانا خطيرا عند مشجعيها مهما بلغ كمال عقولهم فى جوانب أخرى مما دفع بعض العلماء مثل الشيخ المحدث أبو اسحاق الحوينى والدكتور وجدى غنيم إلى السخرية الحارقة من هذا العداء الذى يفرق بين الناس لأجل تشجيع هذا النادى أو ذاك فضلا على كمية الأموال المهدرة والأوقات الضائعة والتغييب المستمر
وإلى جوار هؤلاء أثارت جبهة علماء الأزهر عاصفة من النقد إزاء الفتوى التى خرجت لتبيح إفطار اللاعبين كما لو كانوا جنودا فى ساحة قتال !
ورغم هذا فالآذان مغلقة والعيون مقفلة ,
ولم يدع المفكرون والعلماء مشجعى كرة القدم إلى تركها واهمالها بل دعوهم إلى نوع من التعقل فى الاهتمام بها كرياضة تسلية لا أكثر ولا أقل , وحتى هذا الطلب البسيط أصبح بعيدا عن خيال الدعاة ,
بل على العكس ـ تصاعدت الحمى حتى وصلت إلى تفاعل جماهيري لم تحظ به قضية القدس فى بلادنا , هذا فضلا على قبول الجماهير لتغييب إعلامى متخلف خدع الملايين وصور لهم أن المنافسة الكروية هى الحلم الذى تسعى إليها الأمم فى التقدم
وكل هذا تم الصبر عليه , حتى فاض الكيل بما هو جار الآن على الساحة الإعلامية بين مصر والجزائر على إثر منافستهما فى تصفيات كأس العالم , وتضاعف إثر تلك المباراة كمية التغييب الفكرى التى تمكن الإعلام الرسمى والخاص من حبكها على الجماهير لتحقيق مكاسب وقتية لا يهمهم فيها إثارة الفتنة بين شعبين أقل ما يجمعهما رابط الدم الواحد
كيف بدأ التغييب :
كانت ضربة البداية هى اتجاه الإعلام فى البلدين إلى تجييش الجمهور واعتبار المباراة الفاصلة بين المنتخبين فاصلة فى الجنة والنار , وهذه هى قوة الإعلام وما أدراك ما سحر الإعلام
ومع الشحن المتبادل وصل الفريق الجزائري إلى مصر لتبدأ نغمات التحريض على الجانبين ثم تنقلب إلى مهزلة حقيقية مع ترويج الإشاعات حول سقوط قتلى جزائريين فى القاهرة ـ رغم فوز الفريق المصري ـ
وكردة فعل طبيعية لم يقصر الإعلام الجزائري فى رد الصاع صاعين , وهكذا فى متوالية إعلامية قادتها من مصر بعض القنوات الفضائية ومن الجزائر إحدى أشهر الصحف التى نشرت خبر مقتل الجزائريين رغم زيف الخبر ونفيه على لسان عبد القادر حجاز سفير الجزائر بمصر
وتحول الأمر إلى معركة , معركة بدأ فيها التغييب من أول لحظة , عندما أعلن الجانبان عن نقطتى تغييب خطيرتين
أولهما : أن المباراة معركة قومية , أعتقد شخصيا أنها حظيت باهتمام يفوق اهتمام الإعلام بحرب أكتوبر !
ثانيهما : اعتبر كل طرف أن همجية الإعلام هى شعور قومى وعليه فالاتهامات لم تقتصر على أطرافها من مهاويس كرة القدم أو الإعلام الباحث عن الربح فقط بل أصبح الحديث عن مصر بمجموعها والجزائر بمجموعها
وتناسي الناس فى غمرة الانفعال أن المنافسة كانت بسبب لعبة كرة قدم , كما تناسوا أن اتفاق آلات الإعلام الرسمية على تجييش العواطف ما كان ليتم صدفة أو على نحو غير مرتب ,
كما تناسوا أن الإعلام الرياضي كله قائم على الإثارة المقصودة لكى يتمكن من حصد ملايين الجنيهات عبر القنوات والصحف التى تسعى لأى خبر يزيد من شعبيتها ومتابعة الناس لها حتى لو ذهبت عقول الناس إلى الجحيم
والذى يطالع الإعلام المصري الخاص بالذات يجد عجبا عندما رأيناهم ـ ردا على حملة الجزائر ـ يلجئون إلى استعادة ذاكرة التاريخ فيما يخص ما لاقته المنتخبات المصرية فى الجزائر ,
ومن الغريب أن هؤلاء الذين لا يستحون , يذكرون الناس بالتاريخ الرياضي فى الستينات والسبعينات دون













