مصطفي محمود .. بحّار العلم والإيمان

نوفمبر 9th, 2009 كتبها محمد جاد الزغبي نشر في , المقالات والبحوث التاريخيةComments Off

مصطفي محمود..
بحـــّـــــــــار العلم والإيمان

من هو ..
هو الطبيب والأديب والمفكر المصري مصطفي محمود .. صاحب الرصيد الضخم من الأعمال الروائية والفكرية التى أكسبته مكانته فائقة التميز بين مفكرى عصره ..
بدأ رحلته مع الحياة العملية طبيبا متخصصا فى طب وجراحة الأعصاب . ومع بداية الستينات اتجه لنشاطه الروائي على نحو أكثر تركيزا فقام بالتفرغ تماما للأعمال الأدبية وصدرت أعماله المتنوعة فى أكثر من اتجاه .. بدء من القصة القصيرة والرواية والمسرحية وأدب الرحلات والأعمال الفكرية المختلفة خاصة مع اتجاهه الى قلعة دار أخبار اليوم ودار المعارف .. لا سيما بعد أن اكتسب الشهرة الواسعة كشخصية متعددة الأبعاد ومفكر من طراز خاص جدا ..

رحلة الفكر والايمان ..
فى بداية نشاط الدكتور مصطفي محمود الفكرى فى مطلع الستينيات .. كانت الأمواج قد تجمعت خلف السدود فى العالم أجمع مع الصراعات العنيفة الساخنة والباردة بين أقطاب العالم الجديد الذى انخرط الى أبعد مدى ممكن فى محاولة فرض المذاهب واستقطاب الدول تبعا للفكر الاستعمارى الجديد القائم على الاستعمار المذهبي والاقتصادى ..
كانت الساحة تحتدم بالصراع بين الشيوعية الممثلة فى الاتحاد السوفياتى .. والرأسمالية المتمثلة فى الفكر الأمريكى .. اضافة الى الصحوة اليهودية بدعوتها الصهيونية المتمثلة فى المؤسسة اليهودية أو ما يعرف باسم المجلس الصهيونى العالمى الذى أسسه تيودور هيرتزل وتبنى بناء الحلم على أرض الواقع .. لتخرج الى الوجود دولة بنى صهيون على الفكر العقائدى الموظف لأغراض سياسية فى مزيج لم يتحقق الا لاسرائيل .. والتى نبتت كشوكة فى ظهر العالم العربي ..
وفى العالم العربي .. ومصر المعبرة عنه بصفتها التاريخية والقيادية الطبيعية .. كان الصراع على أشده بين الاشتراكية التى نادى بها عبد الناصر متبعا خطوات الشيوعية نوعا ما .. وان كان قد حاول ابعاد تلك الفكرة بقيامه بمحاصرة الأحزاب اليسارية المصرية وضربها ..
وطرف الصراع الآخر الممثل فى دعوة الأصولية الاسلامية والتى قامت بها فى ذلك الوقت جماعة الاخوان المسلمين ..
وكما هو معروف كان الصراع دمويا رهيبا .. لا سيما وأن الدعوة الأصولية التى انتهت الى الاخوان كانت تجد الفكر الاسلامى قد انحصر فى دور العبادة وغاب غيابا تاما عن ساحة العمل السياسي المحتدمة بين الشيوعية والرأسمالية ..
وكان مجمل نظرة الاخوان الى تلك الدعاوى كلها بما فيها الدعوة العلمانية التى استقطبت كبري الدول الاسلامية .. وموضع الخلافة العثمانية .. والتى احتلتها علمانية أتاتورك
فى ظل هذه الظروف كان الفكر مشتتا .. والمفكرين الشبان الجدد والذين مثلوا طليعة الفكر المصري مثل مصطفي محمود وخالد محمد خالد .. وجدوا أنفسهم فى قلب البحث عن هوية ضائعة بين ما هو عربي وما هو اسلامى بعد انفصال المفهومين بفعل التنابذ بين أطراف الحكم العربي ..
ومع تراجع الفكر الاسلامى المستنير الذى بدأ مع القرن الماضي .. وكان سبب التراجع منطقيا بتداعى الحوادث لغياب رواد التجديد من علماء الأزهر اضافة الى تراجع قوة الاخوان المسلمين بفضل ضربات النظام الحاكم التى لم تهن ضدها ..
ولم يبق من رواد الفكر الاسلامى المستنير علماء محاربون مثل المحدث احمد شاكر والشيخ الشنقيطى وعلى بعض دربهم عباس العقاد والرافعى .. ولم يكن باستطاعتهم فى مناخ العداء الحادث أن يتفوه الا رمزا ..فالرافعى اتجه الى التاريخ والأدب والعقاد حصر نفسه فى الحديث عن التاريخ الاسلامى القديم دون اسقاط على الواقع الحال ..
وان كانت بعض كتاباته المميزة والنادرة أعطت دفعه مناسبة الى حد ما فى الدفاع عن الدولة الاسلامية وطعن المذاهب التى نادى بها من يطلقون على أنفسهم تقدميون .. مثل كتابه .. " لا شيوعية ولا استعمار "
الا أن المفكرين الجدد .. وجدوا أنفسهم رغما عنهم فى ظل الصراع الضباب الحادث .. ينزلقون الى معترك التدافع عن الاسلام والتماس الدعاوى القائلة بعدم صلاحية هذا الفكر للعالم المتقدم ..
فوقع خالد محمد خالد فى بداياته أسيرا للفكر الشيوعي .. وخرجت بعض كتاباته تطعن دون قصد فى الفكر الاسلامى وفكرة الدولة الاسلامية وهى الكتابات التى تبرأ منها فيما بعد بعد أن عاد لجادة الصواب .. وأصبح أحد أنبغ رموز الفكر الاسلامى فى تاريخه ..
وكذلك مصطفي محمود .. وان كان انزلاقه تمثل فى هاوية العقيدة والوجود الالهى …
ومع تزمت الردود والاتهامات ..
انفرد مصطفي محمود بنفسه وفكره وخض أصعب رحلاته على الاطلاق .. من الشك الى الايمان وهى التجربة التى خرج منها ليصبح عملاق العلم والايمان وعبر عن مرارة التجربة وقسوة الرحلة فى كتاباته .. منها " رحلتى من الشك الى الايمان " و" حوار مع صديقي الملحد " و " الوجود والعدم " و" الله " ..
ونجا مصطفي محمود من أخطر مزالق حياته على الاطلاق ..

مفكر .. نسيج وحده ..
المتأمل فى هذا المفكر العبقري .. والنصف حقيقة لمكانته .. يجده واحدا من أندر العقول المصرية والعربية على الاطلاق .. مفكر من طراز شديد الخصوصية .. يطالع بعين الباحث ما حوله .. ويخرج ما لديه الى القراء وجموع مشاهديه .. فيستوعب البعض .. ويعجز البعض الآخر ..
فمن ناحية براعته الروائية والقصصية .. لا حاجة بنا الى اطالة الحديث عنها .. فهى مجال قابل للاستيعاب .. ومدى تمكنه وموهبته فى الصياغة تشهد بذلك ..
كما فى كتابه " حكايات مسافر " أو " أكل عيش " .. أو روايته " رجل تحت الصفر "
أما ما يستدعى التوقف عنده ف

المزيد


هل التاريخ مجموعة أكاذيب متفق عليها ؟

يناير 8th, 2009 كتبها محمد جاد الزغبي نشر في , المقالات والبحوث التاريخية

نقطة النقاش هنا هى مصداقية عبارة نابليون بونابرت القائلة ..
التاريخ مجموعة أكاذيب متفق عليها !
وأرجو أن تتسع الصدور لشرح هذه النقطة وما يتعلق بها
فى البداية وقبل الدخول بالموضوع الرئيسي يجدر بنا لفت النظر لقضية بالغة الأهمية وهى المظهرية الثقافية التى تحكم بعضنا وحسن النية الذى يحكم البعض الآخر فيسعى خلف الفكر الغربي وأقواله المأثورة ـ وبعضها يستحق الإعجاب ـ
وتجده يعجب بها لما تتميز به من بلاغة اللفظ والتركيب ومن ثم يعجب ويقتنع بالمحتوى دون تدقيق فيه لكشف عواره وإفلاسه
والأمثلة أكثر من أن تحصي فى هذا الشأن لا سيما بعد تسلط العلمانية فى قلب المؤسسات الثقافية الرسمية فى أنحاء الوطن العربي وفى مختلف وسائل الإعلام فصارت أقوال فلاسفة الغرب ومفكريهم هى الجامع المشترك الأعظم عند استشهاد الكتّاب بقول مأثور ..
وعفا الزمن على الحكمة العربية التى تذخر مراجعنا بها على نحو يكفي لتأسيس تاريخ عشرة أمم !

ولسنا نطلب الكثير عندما نلفت النظر إلى أن الحكمة موطنها عربي لا سيما بعد نزول الإسلام ..
وأن حضارة الإسلام حضارة بيان لا حضارة بنيان وهى الحضارة الوحيدة فى نوعها ولونها فمن البديهى أن تصبح حضارتنا أولى الحضارات بالكلمة وفيها القرآن الكريم والسنة النبوية وتاريخ لا ينتهى من الحكماء وأقوالهم التى ما تركت مجالا لم تبدع فيه شعرا ونثرا
والمثقفين الشبان والكبار ملتزمون بضرورة تأسيس فكرهم على الحكمة والفكر العربي من باب أولى قبل طرق الفلسفة والفكر الغربي حتى يتمكن من تفنيد الصحيح من السقيم .. الخيالى من الواقعى
وليس من الفخر كما يظن دعاة التمدن أن نمد بأعيننا إلى ثقافة الغير ونحن لم نلتفت لحظة ـ ولو من باب الحياء ـ إلى ثقافتنا نحن .. وأذكر كلمة إمامنا الجليل محمد متولى الشعراوى رحمه الله عندما تحدث فى هذا الشأن فتحسر على إهمالنا وجهلنا بآدابنا رغم عظمتها المطلقة
ومن العار أن تحفظ أقوال روسو ومونتسكيو ونيتشه وجون شتاينبك .. وعندما يسألك سائل عن الفارابي والغزالى والشافعى وإخوان الصفا وبن رشد وبن خلدون تقلب كفيك فى حيرة وتنصرف عن السائل
ولو أننا ضربنا مثلا بسيطا لفوارق المعالجة العربية والغربية لمجالات الحكمة فى الأقوال الغربية لاكتشفنا مدى اتساع المسافة بين القدرة العربية على التوصيف والبلاغة وبين مثيلتها فى الغرب
ففي حكمة لجورج إليوت يقول
{ لايقترب إلينا الشيطان من تلقاء نفسه بل نحن الذين نغريه }
وهى حكمة فانتازيا لا مقصود منها فى الغرب إلا المخالفة للبروز لأن محتواها يدل على ضحالة الإدراك
ولو عاملناها ـ بعيدا عن الإعتقاد ـ وكحكمة محضة سنجد أن المعالجة العربية أوفق بكثير جدا .. مثلا قول الشاعر
إنى ابتليت بأربع ما سُلـطـــوا ×× إلا لتعظم بليتى .. وشقائـــــي
إبليس والدنيا ونفسي والهوى ×× كيف الخلاص وكلهم أعدائي

وهناك حكيم أوربي آخر هو فينيلون ينسب إليه قول عن الصداقة محتواه
{ اذا أردت ان تتعرف الي إنسان راقب اصدقاءه فكما يكونون يكون————}
ولن نقول أنه سرقها من الحكمة العربية لكننا نكتفي أن نقول أنه اقتبسها منها !
لأن الحديث المنسوب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وأخرجه الإمام أحمد فى مسنده وعمر الحديث أربعة عشر قرنا يقول
{ المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل }
ومن شعر الإمام على رضي الله عنه قوله
احذر خليلك واصطفيه تفاخرا ×× إن القرين إلى المقارن ينسب
وهناك حكمة شهيرة منسوبة إلى شكسبير يقول فيها
{ علي الصديق ان يحمل عيوب صديقه——————- }
وكما هو الحال أيضا من سابقتها مأخوذة من نص قول مأثور لجعفر الصادق رضي الله عنه مع فارق البلاغة والشمول والمعالجة البديعة للحكمة العربية يقول فيه
{ إلتمس لأخيك العذر إذا بلغك منه شيئا تنكره .. فإن لم تجد فقل لعل له عذرا .. ولا أعرفه }

وحكمة أخرى منسوبة لبنجامين فرانكلين تقول { أصدقاء جهلاء خير من أعداء عقلاء }
و نجد الحكمة العربية تسبق فتقول { عدو عاقل خير من صديق جاهل } ونجد شعر الخيام الذى عرّبه رامى يسبق هذه الحكمة فى الصياغة والبراعة والمحتوى فيقول
عاشر من الناس كبار العقول ×× وجانب الجهال أصحاب الفضول
واشرب نقيع السم من يد عاقل ×× واسكب على الأرض دواء الجهول

وفى ضوء هذه الأمثلة نعود لمقولة نابليون التى يقول فيها
{ التاريخ مجموعة أكاذيب متفق عليها ! }
والتى توازى أيضا مقولة أخرى يعبر عنها
المزيد


فصول وتأملات فى الفكر والتكفير " 3 "

ديسمبر 10th, 2007 كتبها محمد جاد الزغبي نشر في , المقالات والبحوث التاريخية

الفصل الثالث .. أزمة المرجعية

ونواصل ما بدأناه بالفصل السابق حول التناقضات الصارخة التى وقع فيها المتشددون فوصموا الإسلام بما ليس فيه من تشدد وأعطوا المستشرقين أهم أسلحتهم للقول بأنه دين التعصب ..
وفى شأن أزمة المرجعية تتفرع الأزمات من المتشددين تجاه المعتدلين وهم مصرون على أنهم سائرون فى درب السلف حيث أعملوا أمرهم فى مسائل حسبوها هى الحق المجرد وما سواه باطل وسلموا بها على عدة أوجه نتناولها تباعا منها 
*
عدم الإعتداد بالآراء فى الفتاوى والأخذ بالمتشدد منها القائم على اعتبار أن الأصل هو التحريم وليس العكس واتهام ما سواه بالضلال مهما كان القائل بهذا والاعتماد كليا فى تفسير القرآن الكريم وفقه الحديث على فهم السلف الصالح وحده وتلخيصهم هذا فى أن الإسلام لم يعرف شيئا اسمه حرية الرأى لأن الدين ليس بالرأى وليس فيه اختلاف وإلا فقدنا الطريق
.. وكل اجتهاد أو تدبر بالقرآن مرفوض إلا بقواعد الاجتهاد لعلماء الفقه وحدهم

أما القول بأن الإسلام لم يعرف حرية الرأى وأنها بدعة غربية ولا وجود للآراء فى الدين ولا وجود للإختلاف !
فلسنا ندرى هل يقصدون الاختلاف بمعنى الاختلاف فى الأصول على الحال الذى سارت عليه اليهودية والمسيحية فتحولت إلى طوائف كلها تعتنق التوحيد كما تراه صوابا وكلها على ضلال ..
فهذا لا يقال له اختلافا لو كان المقصود لأن الإختلاف يكون بالرأى مع اتفاق المبدأ أو الأصل وهذا بالطبع غير موجود بالإسلام
أم يقصدون الإختلاف فى الفروع .. وهو ما يبدو واضحا للأسف ولا نعرف كيف يمكن التسليم بهذا المنطق
وكما يقولون الحق ما شهدت به الأعداء فالمستشرقون على مدار قرون ظلوا ينبشون فى الإسلام وتاريخه ويدققون بحثا عن شيئين لا ثالث لهما وهو تناقض بين آيات القرآن أو مع الأحاديث النبوية أو الوصول لوصمة جهل ومنع فكر تدمغ سماحة الإسلام التى يتمسك بها المسلمون باعتبارها قوام الدين ومنبع فخره على سائر أمم الأرض
بيد أن الدهشة يمكن أن تزول عندما نعرف سبب هذا القول وهو أن من طالع المصطلحات ذات السمعة السيئة عند الزمرة المتشددة سيجدها تدور فى فلك الديمقراطية وحرية الرأى والمساواة
وما إلى ذلك من مبادئ هى فى الأصل مبادئ الإسلام لكنهم تحت تأثير رفض البدع الغربية وتوجهاتها خلطوا الحابل بالنابل فلم يستطيعوا التمييز بين ما هو إسلامى أصيل وما هو مبتدع ..
نعم .. الغرب قام بتسريب بعض الألفاظ والمصطلحات والمبادئ البراقة بغرض الهدم من داخله لكن تلك الألفاظ معروفة على سبيل الحصر وهى التى تدور فى فلك التعبيرات التالية
" العلمانية ـ تحرير المرأة " وليس حرية المرأة " ـ العروبية ـ الشعوبية ـ التقدمية ـ الشرق أوسطية ـ المبادئ التحررية ـ عملية السلام ـ النظام العالمى الجديد ـ تحرير العقل والفكر ـ الحداثة "
هذه هى البدع الغربية التى يتوجب هدمها والتصدى لأخطارها أما القول بأن الألفاظ المعبرة عن المبادئ الإسلامية وجاءت بالرداء الغربي هى أيضا من زمرة البدع فهذا خلط بالغ الخطورة ويعطى الفرصة كما قلت لتصوير الإسلام بأنه دين البداوة والتخلف كما يتمنى الغرب منذ عصوره الأولى
فالديمقراطية هى مرادف الشورى فهل عندما يسألنا الغرب عن الديمقراطية فى الإسلام نهتف بأنه لا وجود لهذا اللفظ عندنا وأنه بدعة لمجرد أنه أتى على لسان غربي ؟!
وكذلك الإنسانية فهى مرادف السماحة والتضامن الإجتماعي وبالمثل حرية الرأى والفكر ـ وليس تحرير العقل والفكر ـ كلها مبادئ من صلب العقيدة الإسلامية فعندما ينفيها المسلمون عن دينهم فهم بذلك يحققون ما يهدف الغرب إليه ولو أن الإسلام لم يعرف الإنسانية ولم يعرف الديمقراطية ولم يعرف حرية الرأى فماذا تبقي من الشريعة الغراء ؟!
فبهذا وطالما أن الديمقراطية والإنسانية وحرية الرأى حرام فالديكتاتورية والوحشية والقمع حلال إذا ؟ !
وتزداد الكارثة أثرا إذا عرفنا أن تلك المبادئ بمسمياتها قد اقتبسها الغرب أساسا من الحضارة الإسلامية بالقرون الوسطى أيام كانت أوربا فى عصور الظلام فالتمسوا كل سبل الحضارة والعلوم والفكر من الحضارة الإسلامية وهو ما شهد به الغرب نفسه وكتب عنه عشرات من مفكريهم مثل كتابات الكاتبة الألمانية " زيجريد هونكه " صاحبة موسوعة " شمس الإسلام تشرق على الغرب " وقد قدم هذه المسائل وأوضحها المفكرون الإسلاميون مثل المفكر عباس العقاد والدكتور محمد عمارة والشيخ محمد الغزالى والإمام محمد عبده والمفكر جمال الدين الأفغانى والمؤرخ جمال بدوى والشيخ الشعراوى وغيرهم عشرات ..
ليثبتوا بما يدع مجالا للشك أن النظم الديمقراطية الغربية وأساليب البحث العلمى والتفكر كلها منتجات الفكر الإسلامى الثري من أيام الإمام الغزالى صاحب إحياء علوم الدين وحتى كتابات وفكر جلال الدين السيوطى وشمس الدين السخاوى بالإضافة إلى مؤلفات حضارة الأندلس عبر ثمانية قرون
فمن الإسلام وحضارته عرف الغرب النظم الإجتماعية التى أسست نظمه السياسية فيما بعد وكان أبلغ تعبير عنها ظهور " العهد الأعظم " المعروف باسم الماجنا كارتا بانجلترا فى عصر الملك جون والذى تمكن النبلاء الإنجليز من أخذ توقيع الملك عليه وامتلأ بمبادئ الشورى واختيار الشعب المقتبسة من علوم الفكر الإسلامى وهو الأمر الذى دعا أحد كبار المفكرين الإسلاميين وهو فى زيارته لأوربا أن يقول عبارة أجملت هذا كله فقال
" لقد رأيت فى الغرب إسلاما بلا مسلمين ورأيت بالشرق مسلمين بلا إسلام "
فهل بلغ التمسك بشكليات الألفاظ دون معانيها حد الإقرار بما يصم الإسلام بانعدام تعدد الرأى في فروع فقهه وفى قلب القرآن نزلت آية الشورى .. وكان أول آيات القرآن نزولا تحمل الأمر بإقرأ .. وضم القرآن العزيز فى آياته تسعة وأربعين موضعا ذكر فيها العقل والفكر والتفكر ومع تباين العقول والأفكار كيف يمكن تصور رسوها على رأى واحد وهذا ضد طبيعة البشر
ولو كان أولئك لم يروا فى القرآن ذلك أفلم يتبصروا بما يعرفه الخاصة والعامة من تعدد الآراء واختلاف المذاهب وسبل معالجة مسائل الفقه بين العلماء وقد تعددت شعبا كلها لم تتهم بعضها بعضا وإنما التزم كل فقيه بما يراه بعد اتفاق الثوابت من أيام الإسلام الأولى
فمنذ نزول القرآن الكريم وهو معروف أنه حمال أوجه والحق واحد ولكن الطريق إليه من ألف مسلك ومجرد المرور السريع على التاريخ الإسلامى فى الثلاثة قرون الأولى نجد العشرات بل المئات من دلائل ذلك .. على اعتبار أن الرأى لا وجود له فى الدين وهم يستخدمون هذه العبارة " فى الدين " على سبيل الإرهاب لكى لا يتجاسر أحد على القول بخلاف ذلك بينما الدين هو الديانة لله ولا خلاف فى ذلك والإختلاف فى فقه الدين وفهم أصوله وتطبيقه فى شتى مناحى المجتمع وحياته
ففي عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وقعت عشرات التصرفات من الصحابة اختلف بعضها فى العمل الواحد عدة مرات فأقر النبي عليه الصلاة والسلام كل تلك التصرفات والإجتهادات دون استثناء كما حدث مثلا فى غزوة بنى قريظة عندما أمر صحابته بألا يصلي أحدهم العصر إلا فى بنى قريظة وكاد موعد الصلاة أن يفوت فمنهم من صلاها ومنهم من طبق ظاهر الأمر النبوى وأقر الرسول عليه الصلاة والسلام كليهما
فكيف يكون الإختلاف غير موجود إذا وكيف يمكن القول بأن الحق بوجه واحد وطريق واحد ؟!
وأوصي الرسول عليه الصلاة والسلام معاذ بن جبل عند توليته قضاء اليمن قائلا له " بم تقض يا معاذ … "
فأجاب معاذ بالقرآن ثم بالسنة ثم قال أجتهد رأيي ولا آلو ..
أى أن الرأى والإجتهاد من صلب وعقيدة الإسلام والاجتهاد معناه إعمال الرأى حال عدم وجود نص وما دام اج

المزيد


فصول وتأملات فى الفكر والتكفير

نوفمبر 29th, 2007 كتبها محمد جاد الزغبي نشر في , المقالات والبحوث التاريخية

الفصل الثانى ..
من هم الأصوليون الحقيقيون
؟

عندما يستمع المرء لأول وهلة مفهومى الفقهاء المجددين والفقهاء المحافظين .. قد يظن بطبيعة الحال أن المقصود بالمجددين هم الفقهاء المتصدين لمبادئ السلف المجددين لها وأن المحافظين هم أولئك الزمرة الأصولية التى تحافظ على ما سار عليه الأقدمون فى العصور الإسلامية الأولى الخيرة ..
غير أن واقع الأمر فى حقيقته يقول بغير هذا ..
مع ملاحظة أنى أتحدث عن الفئة التى تنظر لأسلوب الأصولية بفكر الثبات المطلق وعدم الأخذ بالرأى إلا فى أضيق الحدود
فبشيئ من التحليل البسيط لصفات كلا من الجبهتين سنكتشف مفارقة بالغة الغرابة ..

بداية ما هى الأصولية ؟
الأصولية هى الدعوة التى ظهرت على يد الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه بعد أن تداخلت الأهواء والبدع فى العصر العباسي وغاب المسلمون غيابا جزئيا عن المبادئ التى أرساها الرسول عليه الصلاة والسلام فى عهود الإسلام الأولى ..
ثم امتدت الدعوة الأصولية ووجدت صداها ورجالها فى مختلف العصور حتى وصلت للفقيه العملاق شيخ الإسلام بن تيمية والذى أورثها تلامذته العمالقة من أمثال بن قيم الجوزية رضي الله عنهم واستمرت الدعوة فى علو وهبوط حتى تلقفها أبي الأعلى المودودى فى الشرق الأقصي وجمال الدين الأفغانى ومحمد عبده فى مصر ..
هذا هو التدرج الذى مرت به الأصولية فى اختصار شديد على اعتبار أن كل تلك الحقائق معروفة تاريخيا .. ولكن هذا التسلسل لم يسر طبيعيا بهذا الشكل وحده بل عرجت الأصولية لجماعات مختلفة فى العالم الإسلامى فحرصوا أشد الحرص على قلب الفكر المستنير فى تلك الدعوة الرئيسية وساووا بين ما هو ثابت وما هو متغير فى العقيدة والفقه وأصبح مفاد الدعوة عندهم محصورا فقط فى الشكليات واعتبروا فرائض يفسق من يخالفها كما أنهم حجروا حجرا تاما على أى أسلوب أو محاولة للحوار فى حقائق الإسلام على اعتبار أن الخوض فيها غير مسموح باعتبارها كلها ثوابت غير قابلة للنقص
وذلك بالرغم من أن الثوابت الإسلامية التى لا تقبل جدلا ولا يقبل فيها رأيا محدودة حصرا منذ أيام الإسلام الأولى وبحديث النبي عليه الصلاة والسلام والذى رتب فيه العقيدة ترتيبا متواليا من الإسلام حتى الإحسان مرورا بالإيمان وبالتالى صارت أركان الإسلام .. وأكرر أركانه وليس بناؤه معروفة متى تمت وتوافرت فى مسلم حرم دمه وماله وحرم تكفيره بشكل مطلق
وكان من الطبيعى مع اعتبار كل سنة شكلية أو منهج سلفي يصلح لعصره فقط كأسلوب المأكل والمشرب والملبس أصبحت كلها دون استثناء قواعدا عليا خارجة عن نطاق التغيير ومن يتركها كمن ترك الصلاة والصيام

وهذا هو الذى تصدى له المجددون وبينوا ـ كما سبق القول ـ أن فقهاء الإسلام الكبار الذين اعتمدوا فى تفاسيرهم وكتبهم حقائق وأساسيات الفقه يعتبر قولهم جامعا غير قابل للمراجعة فيما يخص الأحكام والفرائض فى المسائل المحسومة فلا يعقل أن يجتهد مسلم فى عدد ركعات كل فرض أو يبدى رأيه فى عدة شهر رمضان مثلا ..
وخلاف ذلك فيما يخص الأحكام غير المحسومة والذى اختلف حولها الأئمة جميعا فقال كل منهم برأى مخالف فاتباع أى رأى هنا ومناقشته لا يمثل حرجا حتى وهو من فى زمرة الأحكام .. مثال ذلك ما اختلف فيه الفقهاء حول وجوب عدالة الشهود واستمرارها فى عقد الزواج فقد خرج أبو حنيفة رضي الله عنه غير مشترط لإستمرار عدالة الشهود لأن العدالة لو سقطت معناها سقوط عقد الزواج فيما بعد وهو ما خالفه فيه بقية علماء المذاهب ..
أما الشأن المظهرى كالمأكل والمشرب والملبس فهو على حد قول الإمام الشعراوى أن السؤال فيه وإكثار الجدل يعد من قبيل التنطع لأنه لا يوجد فى الإسلام مفهوم اسمه الزى الإسلامى بل يوجد فقط عورات للرجل والمرأة وجب حجبها بأى وسيلة كانت وطالما تم حجبها فكل زى مباح
أما المتشابه وهو كل ما لم يرد قطعيا فى القرآن الكريم أو السنة المطهرة فهو مفتوح عن آخره أمام إعمال الرأى ليس على سبيل الإباحة وحسب بل على سبيل الطلب المشدد والترغيب فيه باعتباره أساس العلم ..
فمن غير المعقول بالطبع أن أقف بقولى مثلا أو إجتهادى حتى كطالب علم بشأن من تلك الأمور التى لم تحسم مثلا كتفاصيل قصص الأنبياء أو قصص القرآن المختلفة ولا أبحث خلفها كيفما شئت وأقتنع برأى دون رأى بلا حرج مطلقا ..
وهذا الأمر هو الذى نادى بعكسه المتشددون وبالغوا فى فتح أبواب التحريم والتكفير أمام كل تصرف وكل قول فى شتى المسائل يخالف ما قال به السلف فانقلبت القاعدة الفقهية فى أن الأشياء أصلها الإباحة ليصبح أصلها التحريم
هذا خلافا لفتح الباب بأوسع طاقته أمام الترقب العنيف لأى تصرف ووصمه بالبدعة فظهرت عشرات ومئات الفتاوى فى كل شأن هين لا يستحق السؤال وهو الأمر الذى نهى عنه كبار الأئمة قديما ويكفي ما نقلته كتب التراث عن أحد الأئمة الكبار ورد إليه سؤال من تلك النوعية من أهل العراق يستفتونه حول حكم قتل النملة فى المسجد ؟!
فرد الشيخ مستغربا .. " عجبت لأهل العراق يستفتون فى قتل نملة ولم يتورعوا سابقا عن قتل الحسين "
وهو ما حدث من الخوارج أيام الفتنة الكبري بعد أزمة التحكيم بين على بن أبي طالب رضي الله عنه ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وكان الخوارج هم الفئة التى انشقت عن جيش الإمام على ورفعت ر

المزيد


فصول وتأملات فى الفكر والتكفير .. " 1 "

نوفمبر 28th, 2007 كتبها محمد جاد الزغبي نشر في , المقالات والبحوث التاريخية

فصول وتأملات فى الفكر والتكفير ..
قديما منذ حوالى خمسين عاما فى إحدى قري الصعيد بمصر .. كان معظم أهل القرية بطبيعة العصر من الأميين البسطاء ذوى الإيمان النقي الذى لا يعرفه إلا أهل الفطرة النقية ..
كانت المعرفة والتعليم والثقافة ـ لا سيما دينيا ـ تعد نادرة فى هذا الوقت ..
وذات عام غابر أتى وافد من غير أهل القرية إليها لا يملك شيئا إلا دهاء غير مألوف بعقله لا في هذا العصر ولا فى تلك المنطقة التى قامت على البساطة الشديدة ..
وشيئا فشيئا بدأ يمد سيطرته على العقول بطلاوة الحديث والترهيب معتمدا على معرفته النسبية ببعض أحكام العقيدة فظل محل احترام ومهابة رغم دناءة نفسه وحرص فيما حرص على تعليم أولاده ـ
على غير عادة الغالبية العظمى من أهل القرية ـ فخرجوا وتشربوا أسلوب أبيهم وتملكوا منابر المساجد فى أنحاء القرية وفرضوا سطوتهم على الأمية الكاسحة وفتتوا عادات وتقاليد كانت فى منتهى الروعة وهى تخرج بيضاء نقية من قلوب الناس
مثال ذلك أنه إذا كان يوم الجمعة وفى وقت مبكر تمتلئ المساجد بالمصلين يستمعون خلال ساعة أو أكثر إلى سورة الكهف وعندما يصل المقرئ إلى قوله تعالى
" واذكر ربك إذا نسيت "
يردد المصلون جميعا فى خشوع " لا إله إلا الله "
فى عادة فطرية نقية .. غير أن أهل السطوة الفقهية من هؤلاء المشار إليهم وقفوا لهذا ناهين من على منابر المساجد أن يردد المصلون هذا القول وكان تبريرهم أن هذا الترديد يعد تفسيرا للقرآن بدون علم !! وأن هذا الأمر بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار !!
وزاد الأمر استفحالا عندما يمموا وجههم شطر توافه الأمور وتركوا ثقالها من تلك الأعباء التى أثقلت الناس بل وزادوا غيا وفسادا فى الأرض وجعلوا من أنفسهم محتكرى سلاح الدين
وتحت تأثير الغوغائية وكثرة العدد تمكن هؤلاء من بسط قولهم على الجميع بالرغم من وجود علماء أجلاء من حائزى عالمية الأزهر لكنهم كانوا من عائلات بسيطة لا يعرفون عن أسلوب قيادة البسطاء شيئا فخسروا مبكرا أى محاولة للتصدى وظل الفشل قائما حتى تمكن واحد من أنبغ شباب القرية من الجيل التالى لهذا الجيل وكان قد شب على اطلاع واسع صقلته تجربة حرب أكتوبر فجاء إلى قريته وجعل هدفه نزع تلك السيطرة التى ثبتت الخرافات والبدع الحقيقية فى أعماق الناس
ولأنه تمرس ونشأ عارفا بطبائعهم خرج إليهم بسلاحهم وأخذ فى الحديث بالمنطق والحجة والعلم ضاربا بفتاواهم المغرضة عرض الحائط آتيا بأقوال السلف والخلف الصالح منهم ولم تمض سنوات قلائل حتى كشف أمرهم
تلك الحكاية البسيطة والتى حدثت ولا زالت تحدث على أوسع المستويات هى مدخلنا الحقيقي لقضية الحجر على كل فكر تحت تأثير التكفير واستباحة النوايا والتصدى لأى محاولة للتساؤل ..
فضلا على التعامل الغريب مع القرآن والسنة والعقيدة بأكملها باعتبارها محرمات على من لم يتبع القواعد التى أقرها الشرع لأصول الفتوى والاجتهاد ..
وليس هذا بالطبع معناه أننا ننكر أن يتعامل المجتهد أو الفقيه مع النصوص بغير تلك الشروط ولكن السؤال هو أين هى تلك الحدود التى تفصل
الفقه عن التعبير .. والفتوى عن التفسير..و الإجتهاد عن التدبر .. والطعن عن التفكر ..
والقضية فى مجملها قضية شاذة عن منهج الفكر الإسلامى العريق بل إن دعاوى الداعين بحصر الدين وفكره على فئة معينة لم ينتبهوا أن ما يفعلونه هم بأنفسهم بدعة لم يأتها قبلهم عالم أو مفكر فى العصور الأولى للإسلام ..
فضلا على ما هو أخطر ..
أن الداعين لهذا المنهج هم من علماء الشريعة أى أن قولهم مأخوذ به ومعتد بمضمونه وغاب عنهم أنهم بهذا الذى ينادون به تحت دعوى المحافظة على الأصول إنما يحققون ما عجز عن تحقيقه عتاة المستشرقين والعلمانين طيلة قرون
وإلى التفاصيل حتى لا يلتبس الأمر ويـُـفهم الموضوع على خلاف ما أراد كاتبه ..

الفصل الأول .. أزمة الإحتكار
منذ بداية الأزهر الشريف بمصر كمؤسسة دينية عملاقة تمكن علماؤها من بسط علمهم لإحياء الدعوة الإسلامية بعد أن تمكنوا من دحر دعوة الشيعة الذين كانت نيتهم فى الأصل إنشاء الأزهر كمؤسسة مصدرة للمذهب الشيعى ..
ولا يمكن لأى عاقل أو متأمل فى التاريخ العريق للأزهر وعلمائه أن ينكر دوره الرئيسي فى شتى الأحداث الجسام التى مرت بمصر والعالم الإسلامى عبر مختلف عصوره ..
غير أن الاتجاه المغلق الذى ظهر فيه فيما بعد واستفحل أمره بشكل كبير تسبب فى حصر الفكر الإسلامى داخل حدود ضيقة تبعا لمصلحة عدد محدود من الأئمة به وعانى الأئمة المجددون ما عانوه على يد رجال هذا الاتجاه ومنهم الإمام محمد عبده الذى رفض أعضا لجنة العالمية إعطاءها

المزيد


أزمة العقل العربي " 2 ـ 3 "

نوفمبر 11th, 2007 كتبها محمد جاد الزغبي نشر في , المقالات والبحوث التاريخية

* اتخاذ المنتديات وسيلة للمراهقة ..
بالرغم من تأكيدى فى بداية الحديث أننى أتحدث عن المنتديات الثقافية الجادة .. إلا أن ذكر أمر ولوج المنتديات بأهداف أخرى خلاف الثقافة والمعارف كما هو مفترض هو أمر واقع مهما حاولنا تجاهله ..
ليس أمرا واقعا فحسب بل إنه يتخذ من الإنتشار طريقا حتى يرتفع إلى نسبة مفزعة بين أهل القلم والمواهب المبشرة مع الأسف الشديد ولعل من أساليب المراهقة ما رأيناه فى الجانب السابق الذى تحدثنا عنه ويمكننا تسميته بالمراهقة الفكرية ..
أما النوع الثانى فهو المراهقة الفعلية التى تجد لها موطنا فى بعض الأقلام على نحو يثير الدهشة من هؤلاء الذين يحيلون المنتديات الثقافية إلى نوادى اجتماعية ليس هنالك هدف منها إلا احتكاك الجنسين وإشباع غرائز طفولية ذهب أوانها ووقتها لا سيما لو وضعنا بأذهاننا أن الفئة العمرية التى تحكم تلك الفئة تتعدى الثلاثينات فى بعض الأحيان فى ظاهرة لا تفسير لها فى الواقع ..
ومن واقع تجارب حقيقية فى أروقة الادارة العليا لعدة منتديات جادة ولها ثقلها نجد العديد من تلك الظواهر التى تسبب المشكلات والخلافات الحادة بين الأعضاء والعضوات بسبب انتشار الأهواء من أطراف لم تجد لنفسها مكانا واقعيا فى لبنات الفكر والثقافة .. ولم تنظر للمنتديات على أنها احدى النوافذ بالغة الندرة التى احتكم اليها المثقفون فى قضيتهم مع اهمال مجتمعاتهم
من أمثلة تلك التصرفات ..
ما حدث فى كثير من المنتديات من شكاوى مستمرة للإدارة من عضوات نتيجة لمضايقات الرسائل الخاصة وكتابة الموضوعات العاطفية معنونة ومشار بها إلى شخصيات بعينها فى ذات المنتدى مما عاد بالسوء على المقصودين ..
والمقصودون بدورهم ليسوا كلهم ملائكة فى المعتاد إذا وضعنا بأذهاننا أن الشكوى لا تأتى عادة إلا بعد أن يكون المشكو بحقه قد قطع شوطا طويلا فى التعارف وتم تبادل الأحاديث والرسائل بما لا يليق .. والصمت من البداية من طرف الشاكى ينطبق عليه التحذير الشرعى " فيطمع الذى قلبه مرض "
ويضاف الى ذلك ما اكتشفته بعض الادارات من وجود تواطؤ غريب من نوعه بين الأعضاء وبعضهم البعض فيتبادلون المعرفات وكلمات المرور ويفصحون عن أسرار ادارية أو ما شابهها فى خيانة أمانة ترتكب بدم بارد .. إضافة إلى ما عاناه البعض من وجود شعراء وقصاصين أفذاذ فى مواهبهم يتنازلون وبطيب خاطر عن نتاج فكرهم لأصفيائهم فينشروه بأسماء هؤلاء .. ولسنا ندرى فى الواقع ما الهدف من تلك المراهقات .. وهل يستحق التزلف والمدح من أعضاء المنتدى مثل هذه الأفعال ؟!
والقول بالثقة أو حسن النية هنا لا محل له لأن أصحاب النفوس المريضة تتضح أغراضهم من البداية ولا حل أمام من أرادت أن تكفي نفسها شر هذا الأسلوب إلا الطوى كشحا على العلاقات الخلفية ووضع حدود وجدر يتم تطبيقها أيا كانت المحاذير إذا وضعنا بأذهاننا أن الهدف الرئيسي لارتياد المنديات يقتصر فقط على المعرفة والعلم لا قضاء الوقت والتسلية
و الإدارة العليا الجادة بأى منتدى أمام تلك الحوادث لا يكون أمامها إلا شطب الطرفين ولهم ألف عذر بهذا الأمر
مع الوضع فى الإعتبار أننا لسنا ضد التعارف الشخصي بين أطراف المنتديات وأعضائها بل بالعكس نشجعه لما فيه من رحمة وود لكن التحرى هنا واجب لا محيد عنه ولكل طرف حسب قناعاته أن يضع لنفسه المحاذير التى تقيه الشبهات وليس أضمن من أن توضع المعارف فى إطار العلانية وتنمو بسبيلها الطبيعى من خلال المنتدى وصفحاته أو حتى الرسائل المحكومة بطابع الفائدة دون سواه

وهناك أيضا نوع من الشكاوى أو المشكلات التى ترفع لهيئات الإدارة بالمنتديات وتتسم بالغرابة الشديدة
على نحو يدفع كثيرين من أصحاب الموهبة الإدارية إلى إتقاء تولى المناصب الادارية العليا لكيلا يقع رهنا لمصادمات فارغة من عقول حملت موهبة فذة لك

المزيد


أزمة العقل العربي فى أقلام الانترنت "1"

نوفمبر 10th, 2007 كتبها محمد جاد الزغبي نشر في , المقالات والبحوث التاريخية


 أزمة العقل العربي فى أقلام الانترنت

فى مطلع الثمانينات من القرن الماضي كانت هناك معركة سياسية ساخنة للغاية بمصر .. شغلت الرأى العام كله بشكل فادح ..
وكانت الطلقة الأولى فى الأزمة عندما تم اغتيال الرئيس السادات فى العرض العسكري فى ذكرى أكتوبر عام 1981فى إثر أحداث جسام عصفت بمصر بعد أن ضاق الرئيس الراحل السادات بمعارضيه وعجزه عن التواصل معهم فأصدر قراره باعتقال ما يزيد عن ألفي شخص منهم وزراء سابقون ومفكرون كبار وكتاب ورجال أحزاب ..
وانتهى الأمر بالنهاية المأساوية باغتيال الرئيس السادات على يد أحد صغار ضباط الجيش بمعاونة تنظيم الجهاد المتطرف
تلك السنوات التى أطلق عليها مفكرنا الكبير
محمد حسنين هيكل إسم سنوات الغضب والتى شرح فى كتابه " خريف الغضب" أسباب ومقدمات تلك النهاية لتنفجر الزوبعة بعد صدور الكتاب بين الناصريين من جهة والساداتيين من جهة وبعض المثقفين الندرة ممن يمكن وصفهم بالمثقفين المستقلين وعلى رأسهم الدكتور فؤاد زكريا المفكر المعروف
ورد العشرات على هيكل سواء بالإختلاف أو الاتفاق حول وقائع كتابه خريف الغضب ومن بين تلك الردود كان كتاب فؤاد زكريا " كم عمر الغضب ـ هيكل وأزمة العقل العربي "

وفى هذا الكتاب تحدث فؤاد زكريا شارحا نقطة هامة وقع فيه المتناحرون حول كتاب هيكل ..
وهى أنهم جعلوا المقارنة تتم بين عبد الناصر والسادات باعتبارهما المرجعية فى حين أن المنطق يقول بمعرفة الحق أولا ثم تصحيح وتوصيف الأحداث بناء على موقعها من الحق المطلق .. ولذلك لم ينتقد فؤاد زكريا كتاب هيكل وما جاء من حقائق تاريخية ووقائع موثقة بل وجه مدفع الانتقاد لهيكل نفسه واستغرب منه الهجوم الكاسح على السادات وسياسته بالرغم من أن هيكل نفسه كان مخطط عملية مراكز القوى التى استقرت بالسادات فى حكم مصر .. كما أبدى فؤاد زكريا دهشته من مبرر هيكل فى ذلك عندما قال إن توجهات السادات لم تكن واضحة له سياسيا لأن هذا المبرر لا يقبل من سياسي عريق بحجم هيكل يعرف السادات معرفة تامة من أول أيام نظام يوليو بمصر

وكان الإنتقاد الثانى ـ وهو الأهم ـ من فؤاد زكريا لهيكل أن هذا الأخير رد على مهاجميه بسبب كتاب خريف الغضب بالقول أن الرؤساء ورجال الحكم لا يمكن الإحتجاج أمام مناقشة أعمالهم بأنهم صاروا فى رحاب الله أمواتا لأنهم شخصيات عامة تؤثر فى مسيرات أوطان .. وأبدى فؤاد زكريا تأييده المطلق لقول هيكل وهو قول صحيح .. لكن هيكل نفسه لم يعمل به عندما بدأت حدة الهجوم على عبد الناصر تتزايد عقب عام 1971 م فكتب هيكل يرد على ما كتب قائلا إن تلك الجسارة التى ظهرت أين كانت أيام عبد الناصر وأنه يستغرب الهجوم على عهده بتلك الضراوة لا سيما وأنه فى رحاب الله لا يملك ردا على الاتهام !
وأضاف فؤاد زكريا أن الأزمة ليست أزمة عبد الناصر والسادات ولكنها أزمة شاملة فى العقل العربي الذى رهن الحق بالرجال ولم يجعل الحق أولا ثم يعرف رجاله بعد ذلك واستغرب المفكر القدير أيضا أن يتورط المفكرون والأقلام الجادة فى اتخاذ المواقف بناء على انتماءات شخصية بالرغم من رسالتهم الكبري فى تربية الرأى العام

وتعد مقولة الدكتور فؤاد زكريا مدخلنا إلى قضية هذا المقال ..
وهى قضية أزمة المثقفين فى أقلام الانترنت .. وهى أزمة متنوعة الظواهر لكن مصدرها الحقيقي هو غياب المنطق والفكر وإيمان أقلام وإدرات المنتديات الثقافية بثوابت وضعوها مقياسا للتقدير وسعوا خلفها دون أن يكلف الواحد منهم نفسه دقيقة تأمل لمعرفة مدى منطقية تلك الثوابت وموضوع النقاش هنا يشمل المنتديات الثقافية الجادة بطبيع

المزيد


الحضارة الفرعونية المفترى عليها

أكتوبر 28th, 2007 كتبها محمد جاد الزغبي نشر في , المقالات والبحوث التاريخية

 

الحضارة الفرعونية المفترى عليها

من غرائب ما تواجهه هذه الأمة ويعد من أخطر أسباب تراجعها رغم الماضي العريق .. هو أن الأجيال الحديثة لا علاقة لها بماضيها مطلقا .. على نحو يكفل التخلف المحقق لأى أمة دون شك ..
لأن التاريخ كعلم يعد هو الأساس الأقدر فى الحضارات جميعا وذلك لطبيعة العلوم الحضارية ذاتها من أنها تكون بالصبغة التراكمية فيجب أن تتواصل الأجيال اللاحقة مع السابقة وإلا فقدت بإرادتها الحرة كل مقومات التراث وبالتالي كل مقومات الحضارة ..
ولو أضيف لتلك الكارثة كارثة أخرى وهى التسطيح وعدم التدقيق ينقلب التخلف إلى موت حقيقي لتلك الأمة .. وهو ما نعانيه بحذافيره سواء كنا كعرب من ورثة الحضارة الإسلامية أو مصريين من ورثة تاريخ الكنانة الأقدم فى الأرض وهو إيماننا ببعض المعارف أو الثقافات التى أخذناها على عواهنها دون تدقيق ودونما بذل الحد الأدنى من الجهد لتحرى الصدق والواقع فيها كما لو كانت مسلمات غير قابلة للنقض أو النقد ..
وثالثة الأسافي أن من يعانون من هذه وتلك هم من المنتمين لزمرة المثقفين والمفكرين والمواهب الجادة التى تعول عليهم الأمة بنيان ما تهدم منها عبر سنوات طوال من قرون التخلف
والأمثلة على ذلك بلا حصر ..
مثال ذلك ثقافة المهدى المنتظر التى تعد تراثا عربيا يضرب بجذوره فى أعمق نقطة من نقاط المثقفين بالرغم من أن المسألة ذاتها قد فندها  "
بالإضافة إلى آفة الثقافات ودائها وهى ثقافة الإتكالية الغير مقبولة بأى منطق حول بعض الأدعية المأثورة وبغض النظر عن صحتها وعما هو غير حقيقي فيها فان الكارثة تكمن فى اعتبار تلك الأدعية المأثورة ضامنة لإجابة الدعوة أو النجاة من النار بمجرد القراءة وهو تسطيح لدعوة الإسلام وفكره الذى ينص أول ما ينص على مصادقة القلب للقول بالعمل
وأيضا فى المعارف العادية نجد الكثير من أصحاب القلم وهم أهل التدقيق كما يفترض مسلمين أنفسهم وعقولهم لبعض المعارف التى سقطت أو التى لا تعد من قبيل المعرفة وكأنى بأهل الثقافة يقتربون حثيثا من مستوى العامة الذين يرضون بأقل المعرفة مما هو لازم لحياتهم وفقط ..
مثال ذلك ما انتشر عن نظرية التطور التى ابتكرها تشارلز داروين واشتهر عنها أن داروين يقول بأن الإنسان أصله قرد وهى السمعة الصحفية التى نشأت كنادرة أو طرفة ثم انتشرت على أنها محتوى النظرية كله ..
مع أن داروين لم يقل بهذا مطلقا والطريف أن محتوى النظرية الحقيقي أكثر طرافة ومدعاة للضحك من مقولة انتماء الإنسان للقرود فى أصله البعيد .. فالنظرية تقول بأن كل الأنواع والمخلوقات منشؤها خلق واحد تفرعت منه أنواع المخلوقات حسب التكيف الطبيعى عبر آلاف السنين .. وهو ما سقط بالطبع عندما جاء علم التصنيف ليكتشف أن بعض أنواع الزهور والتى تعد نوعا واحدا من النبات له أنواع مختلفة فى شكله وغذائه يربو عددها على ثلاثين ألف نوع مما يجزم بالطبع بأن كل نوع وكل عائلة وفصيلة لها منشأ مستقل تماما

ومنها ما يتم تدريسه عن عمد أو عن جهل بحقائق التاريخ لطلبة المراحل الأساسية للتعليم فى مصر على نحو يعد جريمة معرفية بحق هؤلاء الطلبة ..
فمنذ بضع سنوات واثر الكشف عن عدد من أقوى الوثائق البريطانية والفرنسية والايطالية المتزامنة مع أحداث تنصيب محمد على باشا واليا على مصر .. ظهرت للوجود حقائق تقلب تاريخ تلك الفترة رأسا على عقب فالمعروف والذى يتم تدريسه لطلبة التاريخ أن محمد على تم تنصيبه على مصر باتفاق العلماء وقادة المجتمع المصري فى فترة حساسة من تاريخ البلاد وكان هذا الاختيار للجندى الألبانى الأصل محمد على من اتفاق وتزكية هؤلاء السادة برياسة السيد عمر مكرم العالم الأزهرى المعروف ونقيب الأشراف وقتها
ولأن المدقق خلف هذا الأمر يجد عجبا من أن سير الأحداث لا يبدو سيرا منطقيا مع انتفاء أى تأثير للقوة الأجنبية الأوربية التى كانت تملك زمام الأمر فى المنطقة حتى من قبل فترات الاحتلال الصريح .. وهو ما بينته الوثائق عندما تم الكشف عن أن محمد على أخذ طريقه إلى كرسي العرش فى مصر بمعاونة ومباركة فرنسا بعد تحييد بريطانيا وتمت الصفقة بين محمد على نفسه الذى اشترى الولاية وبين " بافاروتى " القنصل الفرنسي فى ذلك الوقت وكان الثمن مجموعة منتقاه من الآثار الفرعونية نقلها بافاروتى كاملة وأسس بها متحفا خاصا به فى مسقط رأسه بايطاليا فى الوقت الذى ظن فيه كبار المصريين أنهم بصدد صفقة تتم بمقتضي إرادتهم فقط دون إدراك لكوامن السياسة العالمية التى كانت علاقاتها فى ذلك الوقت بالنسبة لهم تمثل لغزا وحجابا من غموض تام ..
ونفس الأمر حدث فى اتفاقية الوفاق الودى بين بريطانيا وفرنسا عام 1907 حيث تم تقسيم التركة مسبقا بين بريطانيا وفرنسا وكان محتوى التركة يشمل منطقة الخليج والعراق والشام بأكملها فضلا على دول شمال افريقيا والمغرب فى غيبة كاملة من السلطان العثمانى المغيب وأولياء الأمر العرب فى تلك المناطق ممن كانوا بعيدين كل البعد عن مجرى الأحداث وطرق السياسة الدولية بين القوى العظمى الأوربية والتى كانت تبدو من الظاهر غير متدخلة فى مصائر شعوب مستقلة حيث كان الاحتلال لم يبدأ بعد فى أغلب المناطق العربية بينما خلفية الأحداث تحمل فى وضوح بصمات الدول الكبري ومصالحها وهذا هو الذى دعا كلا من بريطانيا وفرنسا للتدخل معا لتحطيم جيش وأسطول محمد على عندما قويت شوكته وهدد السلطنة العثمانية فى الشام وكاد يسقطها فتدخلت الدولتان لتحجيمه فورا عقب الاتفاق مع الباب العالي على المقابل الذى شمل وعدا صريحا بتوطين اليهود تمهيدا لإنشاء وطن قومى لهم ..
والذى لم يعرفه السلطان العثمانى أن بريطانيا وفرنسا كانتا ستحطمان محمد على حتى لو لم يطالبهما الباب العالى بذلك تبعا لقواعد اللعبة السياسية والتى لا تسمح لقوة محمد على أن تتعدى الحدود للمحميات التى تسيطر عليها الدولتان خفية ولذلك تركا محمد عل

المزيد


محاولة لرد الاعتداء على المرجعية السنية

مايو 11th, 2007 كتبها محمد جاد الزغبي نشر في , المقالات والبحوث التاريخية

هذا نص رد أرسلته الى الجريدة التى تناولت خلال الأسابيع الماضية هجمات كاتب علمانى اسمه محمد الباز اعتاد لى طرق أبواب التشكيك فى مختلف الشخصيات والمراجع الاسلامية بشكل يثير حفيظة الحليم ..
ولأننا نعرفه جيدا من خلال متابعتانا لتلك الجريدة التى تحمل اسم الفجر بفتح الفاء وأطلقت عليها اسم الفجر بضم الفاء
كنت لا ألقي بالا الى هجماته التى تتصف فوق فجرها بالغباء الشديد لضعف وهوان شأنها
لكن الهجمة الأخيرة التى طالت كتب السنة الكبري مثل صحيح البخارى وعظماء الرواية مثل الامام أبي هريرة رضي الله عنه
كانت هجمة بالغة الخبث لكوونه أخضع بعض الأحاديث للمنطق وعدم المنطق مما يؤدى الى بلبلة أفكار الكثيرين
وتصدى للرد عليه فى جريدته عدد من شباب الفقهاء كانوا والحمد لله عند حسن الظن ولم يتركوا له شاردة ولا واردة الا وأفحموه فيها
فكتبت هذا الرد فى الشأن الذى رأيت أن من قاموا بالردود عليه لم يتناولوها
وهى الالتفات الى هدف الهجمة ونية الكاتب بناء على دراسة ماضيه
وهو ما حاولت فعله بتلك الكلمات

ذكرنى أسلوب معالجة جريدة الفجر لأزمة الكاتب محمد الباز الأخيرة بأزمة مماثلة فى المعالجة لا الموضوع .. وهى معالجة متميزة
كانت الأزمة الأولى فى بداية السبعينات عندما فضلت جريدة روز اليوسف أن تستضيف مقالات المفكر اليسارى د. فؤاد زكريا حول أزمة اليسار مع التجربة الناصرية .. وجاءت موافقة روز اليوسف غريبة الوقع على القراء لأنها لم تكن بأى حال مع سرطانية الهجوم على عصر عبد الناصر والتى ضربت صفحات الكتب وشتى المطبوعات فى تلك الأيام برعاية رسمية
وكان داعى الغرابة أن مقالات د. فؤاد زكريا كانت تتناول بالنقد العنيف جوانب عديدة فى التجربة الناصرية خلال معالجته لفشل اليسار فى تلك التجربة ..
إلا أن مسئولي روز اليوسف أثبتوا أنهم مسئولون بالفعل عندما برروا سبب استضافتهم لهجمات الدكتور فؤاد وهو التبرير الذى وقف خلف جريدة الفجر عندما أفسحت الصفحات لردود القراء الجادين بالرغم من أنها جاءت فى أغلبها الأعم مهاجمة وبقسوة لمحمد الباز وللجريدة
وقرار روز اليوسف قديما وقرار الفجر حديثا وقفت خلفه رغبة حقيقية فى إفساح المجال للنقاش الجاد والارتفاع بمستوى الحوار حتى لو كانت وجهات النظر تلك منتقدة أو رافضة
وعودة إلى موضوع الأزمة ..
وهنا أود أن أقول للكاتب المهاجم للصحابة رضوان الله عليهم تحت مبرر الدفاع عن صحيح السنة ..؟!
اننى لن أناقش صحة ما قلت لأن الردود السابقة حملت من الرد ما يفي ويكفي لكنى سأركز على هدفه والسؤال عن

المزيد


النصل والمقبض " خنجر فى صدر الاسلام ـ الجزء الثانى "

أبريل 28th, 2007 كتبها محمد جاد الزغبي نشر في , المقالات والبحوث التاريخية

ألقينا الضوء بقدر الامكان فى السابق على أصول الدعوة الأصولية الأولى وبينا مراحلها المختلفة عبر التاريخ ..
وهذه المراحل يمكن تقسيمها كالتالى ..
المرحلة الأولى ..
وهى النشأة على يد الامام بن حنبل رضى الله عنه والتى أسس فيها منهاج الدعوة الأصولية الأولى
والقائمة على التصدى بالدعوة الجادة المخلصة والسلمية للعودة الى الفطرة الاسلامية الأولى ومواجهة أسباب الانحلال فى الحياة العامة وأنظمة الحكم .. ولكن بغير البغي والفتنة .. بغير السلاح

المرحلة الثانية
وهى تجديد الدعوة على يد شيخ الاسلام بن تيمية والتى حملت نفس المضمون السابق وذات الأفكار مع التطوير اللازم لها .. بما يناسب اختلاف العصرين ودرجة الانحلال فى كل منهما ..
لكن مع الحفاظ التام على طهارة ثوب الدعوة من مناجزة الحكام بالسلاح أو الانقلاب بالقوة

المرحلة الثالثة ..
وهى مرحلة العصر الحديث أو التاريخ المعاصر .. والتى بدأت مع مطلع القرن العشرين على الامام جمال الدين الأفغانى .. وتلميذه الامام محمد عبده .. ثم الامام أبي الأعلى المودودى .. ثم الطفرة التى حدثت بظهور نجم جماعة الاخوان المسلمين وانتشارها الفائق فى أنحاء الوطن العربي على يد الشيخ حسن البنا مؤسسها وأول مرشد عام لها ..
وظهرت الفوارق بين المرحلة الثالثة وبين المرحلتين السابقتين .. هو ظهور بوادر العمل المسلح والقابلية به ..
لكن مع ضرورة الملاحظة أن السلاح لم يستخدم بكثرة فاحشة ولم يوجه الا فى حدود ضيقة ولم يتجاوز أيضا الا فى حوادث فردية

هذه هى المراحل الثلاث الأولى والتى يمكن الحكم من خلالها على اخلاص الدعوة فى غير تجاوز ..
حتى كانت المرحلة الرابعة .. وهى مرحلة الكارثة .. والتى انحرفت فيها الدعوة وقام بها المغرضون وهى مرحلة الجماعات الارهابية المسلحة والتى اتخذت لنفسها شعار الأصولية الاسلامية والاسلام منها براء ..
وسأعرض هنا نشأة هذه الجماعات المسماه بالاسلامية فى مصر ومراحل تطورها ودورها المخزى فى تلويث الاسلام دينا ودعوة ..
وذلك من خلال قراءة تاريخها فى مصر وذلك لسببين
أولهما .. أن تجربتها فى مصر هى التجربة الأساسية
وثانيهما .. أن مصر تعد مثالا كافيا لشرح هذا الدور الآثم

الجماعات الاسلامية فى مصر

أولا .. النشأة

كانت نشأة هذه الجماعات فى مصر .. نشأة مثيرة للحسرة .. اذا تم معرفة كفيتها ..
وكانت البداية عند جماعة الاخوان المسلمين ..
هذه الجماعة التى بدأت بالامام حسن البنا بداية قوية مبشرة .. ولو أنها ظلت على ذات النقاء فى الدعوة الخالية من شبهات الغرض والطمع فى الحكم لكان لها وللعالم الاسلامى تحت قيادتها شأن آخر
فقد انحرف الامام حسن البنا .. عن أهدافه التى أسسها .. وأصبح للاخوان مطالب فى الحكم بعد أن
كانت مطالبهم قاصرة على اقامة الدولة الاسلامية والاصلاح المعاصر
فى البداية انزلق الامام البنا الى الصفقات ولعبة التوازنات السياسية مع القصر .. فى صفقة مفيدة للطرفين عكست رغبة الاخوان فى السلطة ورغبة الملك فاروق فى الخلاص من صداع الوفد والنحاس ..
ثم كان ما كان من أمرهما واختلافهما على نحو ما تقدم ذكره .. واغتيل الامام البنا انتقاما من اقدام الجماعة على اغتيال النقراشي ..

وتولى أمر الارشاد بعده المستشار حسن الهضيبي والذى استجاب لمحاولات الصلح مع القصر وقابل الملك فاروق وخرج من عنده ليقول للصحفيين تعليقه الشهير " زيارة كريمة لملك كريم " وهو التعليق الذى حدد استمرار الجماعة فى لعبة التوازنات السياسية سعيا للسلطة .. مع كل ما عرف فى ذلك الوقت عن فاروق ومفاسده والتى لا تتفق بالقطع مع نزاهة التعليق من الهضيبي
وتغيرت الاحوال بعد الثورة فى عام 1952 ..
فقبل قيام الثورة انعقدت بعض الاتفاقات بين الثوار الجدد وبين الاخوان .. وتصور كل طرف فى صاحبه أنه مخلب القط للوصول لسدة الحكم ..
وبعد استقرار الأمر للثوار تحت قيادة جمال عبد الناصر اثر أزمة مارس 1954 .. وقع الصدام المحتوم عندما تكشفت النوايا ..
فلم يعد الضباط لثكنات الجيش ويسلموا الحكم للاخوان كما تصوروا .. وأيضا لم يلتزم الاخوان فى سياق المعاونة فقط كما تصور الضباط ..,
وبدأت أقسي أزمة للاخوان فى تاريخها .. وتلقفت المعتقلات منهم الكثير وظل الحال كما هو عليه حتى أمسك السادات بمقاليد الأمور فى الحكم بعد فراغه من أزمة مراكز القوى عام 1971 وأزمة تحرير الأرض عام 1973 ..
وكانت الجماعة فى ذلك الوقت تحت قيادة عمر التلمسانى .. وما زالت علاقتهم بالسادات باعتباره من كبار الضباط الأحرار على ما هى من العداء التاريخى بين الفريقين ..
وتدخل فى ذلك الوقت الاقتصادى المصري المعروف المهندس عثمان أحمد عثمان وسعى لوصل المقطوع بين الطرفين بما له من نفوذ ساحق فى الحياة السياسية المصرية وعلاقة جيدة بعمر التلمسانى ..

وجلس المرشد العام على مائدة المفاوضات مع الرئيس السادات واتفق الطرفان على الآتى
* عودة الاخوان للحياة السياسية بالشرعية الغائبة عنهم منذ الصدام الأخير بالاضافة الى فتح المجال على آخره أما التيارات الدينية فى الشارع والمؤسسات المصرية وبرعاية السلطة الرسمية على أعلى مستوياتها..
* وبالمقابل يكون على الاخوان باعتبارها المسيطرة على التيار الدينى العمل بالجهد الكافى لانهاء سطوة التيارات المناوئة للسادات فى الحياة السياسية وعلى رأسهم التيارات الناصرية والشيوعية والتقدميين

وعليه فنحن أمام اتفاق دنيوى تام .. لا أثر مطلقا فيه لنية دينية خالصة

وانفتح القمقم على حد تعبير الكاتب السياسي العملاق محمد حسنين هيكل ..
ولم يدرك أيا من الطرفين عواقب الأمر الا بعد فوات الأوان
فلم يكن التيار الاخوانى زعيما على مختلف التيارات الدينية .. ولا كان صداع الناصريين والشيوعيين بالخطورة التى تصورها السادات ..
خاصة مع انحسار الباب بشدة أما الناصرية والشيوعية وعدم نفاذهما بالقدر الكافى الى الشارع المصري وذلك لمخالفة مثل هذه الدعاوى للفطرة الشعبية المصرية الأكثر انفتاحا على الجانب الدينى بحكم متغيرات التاريخ والثقافة الحاكمة للشعب المصري
والأكثر خطورة هو ظهور التنظيمات الخاصة بالجماعات الاسلامية من رحم الاخوان فى فترة المعتقلات وسعيها الكامل للاستقلال عن الاخوان وهو ما حدث بالفعل حتى هاجموا الاخوان أنفسهم واتهموهم بخيانة عهد بناء الدولة الاسلامية .. وعليه سعت الجماعات لأخذ المبادرة من يد الاخوان فى الشارع المصري ..
كل هذا .. والاخوان والسلطة الرسمية فى حالة غياب كامل عما يحدث .. واستفادت الجماعات من الحرية والحماية الكاملة من الدولة فى اطار الصفقة المتبادلة وانطلقت تجمع الأتباع ضد النظام نفسه الذى كان سببا فى خروجها وانفتاحها
وساعدها النظام بالغفلة فى بداية الأمر .. وبالممارسات الحمقاء بعد اكتشاف الأمر
ومع أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات ظهرت الحمم .. واستعد البركان للانفجار .. وبلا رحمة ..

ثانيا .. البركان

سيطرت الجماعات الاسلامية على النقابات والجامعات وبدأت فى فرض سطوتها بالسلاح تحت رعاية الدولة .. وفيما بعد ومع تصاعد نبرة الانتقاد والهجوم الكاسح من الجماعات ضد النظام الحاكم وبعض الممارسات المستفزة والتى استغلتها الجماعات لاستقطاب الأنصار تحت دعاوى كفر النظام ..
وبمزيج من ممارسات النظام وجهل الشباب بأصول الدين الصحيحة .. زادت شوكة الجماعات ..
ويمكن القول أن الجماعات الاسلامية كانت لها تنظيمات ثلاث رئيسية

الأول ..
" تنظيم الجهاد " والذى بدأ مع سالم الرحال الطالب الأردنى الجنسية بالجامعات المصرية .. وفيما بعد نشأ تنظيم الجهاد الثانى على يد محمد عبد السلام فرج مؤلف أو جامع كتاب " الفريضة الغائبة " والذى يعد دستور التنظيم .. وهو أيضا أحد المتهمين الرئيسيين فى قضية اغتيال الرئيس السادات فى أكتوبر عام 1981

الثانى ..
" حزب التحرير الاسلامى " وهو التنظيم الذى أسسه الدكتور صالح سرية والذى قام بالعملية المعروفة باسم عملية الكلية الفنية العسكرية والتى هاجم فيها مع مجموعة من رفاقه مبنى الكلية

المزيد


التالي