نقطة النقاش هنا هى مصداقية عبارة نابليون بونابرت القائلة ..
التاريخ مجموعة أكاذيب متفق عليها !
وأرجو أن تتسع الصدور لشرح هذه النقطة وما يتعلق بها
فى البداية وقبل الدخول بالموضوع الرئيسي يجدر بنا لفت النظر لقضية بالغة الأهمية وهى المظهرية الثقافية التى تحكم بعضنا وحسن النية الذى يحكم البعض الآخر فيسعى خلف الفكر الغربي وأقواله المأثورة ـ وبعضها يستحق الإعجاب ـ
وتجده يعجب بها لما تتميز به من بلاغة اللفظ والتركيب ومن ثم يعجب ويقتنع بالمحتوى دون تدقيق فيه لكشف عواره وإفلاسه
والأمثلة أكثر من أن تحصي فى هذا الشأن لا سيما بعد تسلط العلمانية فى قلب المؤسسات الثقافية الرسمية فى أنحاء الوطن العربي وفى مختلف وسائل الإعلام فصارت أقوال فلاسفة الغرب ومفكريهم هى الجامع المشترك الأعظم عند استشهاد الكتّاب بقول مأثور ..
وعفا الزمن على الحكمة العربية التى تذخر مراجعنا بها على نحو يكفي لتأسيس تاريخ عشرة أمم !
ولسنا نطلب الكثير عندما نلفت النظر إلى أن الحكمة موطنها عربي لا سيما بعد نزول الإسلام ..
وأن حضارة الإسلام حضارة بيان لا حضارة بنيان وهى الحضارة الوحيدة فى نوعها ولونها فمن البديهى أن تصبح حضارتنا أولى الحضارات بالكلمة وفيها القرآن الكريم والسنة النبوية وتاريخ لا ينتهى من الحكماء وأقوالهم التى ما تركت مجالا لم تبدع فيه شعرا ونثرا
والمثقفين الشبان والكبار ملتزمون بضرورة تأسيس فكرهم على الحكمة والفكر العربي من باب أولى قبل طرق الفلسفة والفكر الغربي حتى يتمكن من تفنيد الصحيح من السقيم .. الخيالى من الواقعى
وليس من الفخر كما يظن دعاة التمدن أن نمد بأعيننا إلى ثقافة الغير ونحن لم نلتفت لحظة ـ ولو من باب الحياء ـ إلى ثقافتنا نحن .. وأذكر كلمة إمامنا الجليل محمد متولى الشعراوى رحمه الله عندما تحدث فى هذا الشأن فتحسر على إهمالنا وجهلنا بآدابنا رغم عظمتها المطلقة
ومن العار أن تحفظ أقوال روسو ومونتسكيو ونيتشه وجون شتاينبك .. وعندما يسألك سائل عن الفارابي والغزالى والشافعى وإخوان الصفا وبن رشد وبن خلدون تقلب كفيك فى حيرة وتنصرف عن السائل
ولو أننا ضربنا مثلا بسيطا لفوارق المعالجة العربية والغربية لمجالات الحكمة فى الأقوال الغربية لاكتشفنا مدى اتساع المسافة بين القدرة العربية على التوصيف والبلاغة وبين مثيلتها فى الغرب
ففي حكمة لجورج إليوت يقول
{ لايقترب إلينا الشيطان من تلقاء نفسه بل نحن الذين نغريه }
وهى حكمة فانتازيا لا مقصود منها فى الغرب إلا المخالفة للبروز لأن محتواها يدل على ضحالة الإدراك
ولو عاملناها ـ بعيدا عن الإعتقاد ـ وكحكمة محضة سنجد أن المعالجة العربية أوفق بكثير جدا .. مثلا قول الشاعر
إنى ابتليت بأربع ما سُلـطـــوا ×× إلا لتعظم بليتى .. وشقائـــــي
إبليس والدنيا ونفسي والهوى ×× كيف الخلاص وكلهم أعدائي
وهناك حكيم أوربي آخر هو فينيلون ينسب إليه قول عن الصداقة محتواه
{ اذا أردت ان تتعرف الي إنسان راقب اصدقاءه فكما يكونون يكون————}
ولن نقول أنه سرقها من الحكمة العربية لكننا نكتفي أن نقول أنه اقتبسها منها !
لأن الحديث المنسوب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وأخرجه الإمام أحمد فى مسنده وعمر الحديث أربعة عشر قرنا يقول
{ المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل }
ومن شعر الإمام على رضي الله عنه قوله
احذر خليلك واصطفيه تفاخرا ×× إن القرين إلى المقارن ينسب
وهناك حكمة شهيرة منسوبة إلى شكسبير يقول فيها
{ علي الصديق ان يحمل عيوب صديقه——————- }
وكما هو الحال أيضا من سابقتها مأخوذة من نص قول مأثور لجعفر الصادق رضي الله عنه مع فارق البلاغة والشمول والمعالجة البديعة للحكمة العربية يقول فيه
{ إلتمس لأخيك العذر إذا بلغك منه شيئا تنكره .. فإن لم تجد فقل لعل له عذرا .. ولا أعرفه }
وحكمة أخرى منسوبة لبنجامين فرانكلين تقول { أصدقاء جهلاء خير من أعداء عقلاء }
و نجد الحكمة العربية تسبق فتقول { عدو عاقل خير من صديق جاهل } ونجد شعر الخيام الذى عرّبه رامى يسبق هذه الحكمة فى الصياغة والبراعة والمحتوى فيقول
عاشر من الناس كبار العقول ×× وجانب الجهال أصحاب الفضول
واشرب نقيع السم من يد عاقل ×× واسكب على الأرض دواء الجهول
وفى ضوء هذه الأمثلة نعود لمقولة نابليون التى يقول فيها
{ التاريخ مجموعة أكاذيب متفق عليها ! }
والتى توازى أيضا مقولة أخرى يعبر عنها
المزيد













