تعلم كيف تواجه .. وتعلم كيف تناظر ” 2 “

سبتمبر 6th, 2009 كتبها محمد جاد الزغبي نشر في , سلسلة تعلمComments Off


شروط المناظرات وضوابط المشاركة فيها

سبق التعرض لأهمية العودة للأصول عند معالجة أى قضية ومعرفة حكمها ,
وأهم موضوع فى عالمنا المعاصر افتقد تلك الضرورة هو حكم وشروط المناظرات فى الإسلام , تلك الشروط والضوابط التى قد تؤدى بالعالم أو بالباحث ـ الغير ملتفت إليها ـ إلى مهاوى الكفر أو الزندقة أو الرياء
وتكمن الكارثة أن العالم أو المفكر أو الباحث غالبا ما يخوض بالمناظرات دون توافر ضرورتها وشروطها وهو يظن نفسه يؤدى واحدة من أعظم الطاعات إلى الله عز وجل , وهذا من ألاعيب وتلبيس إبليس المفضلة للتغرير بحراس الحدود فى الدين ,
فمن المعروف أن العالم أشد على إبليس من ألف عابد وأشد العلماء على إبليس هو العالم أو الباحث الذى يجعل همه تحرى الشبهات والذود عن الدين , ولما كان إبليس ـ لعنه الله ـ غالبا ما يجد الطريق مسدودا إلى غواية أى عالم فإنه يلجأ إلى أخبث أنواع التلبيس التى توقع البعض وينجو منها البعض الآخر

وهذا النوع من التلبيس هو دفع العالم أو الباحث إلى المساهمة فى هدم ما يسعى هو نفسه لحمايته , وبدلا من أن يكون نتاج جهد العالم صلاحا فى الأمة تكون النتيجة زيادة التضليل والغواية للجماهير بشكل ربما يعجز عنه أصحاب الشبهات
ولأن أمر المناظرات الجدلية واضح بيّن بالقرآن والسنة , فلم يترك علماء الإسلام جهدا فى التحذير من المناظرات وتوضيح ضوابطها وضرورتها , لا سيما وأن علاج أثرها بالغ الصعوبة , لأن المتورط فيها يكون مقتنعا بأنه يدافع عن الدين ويذود عنه

علة منع وتحريم جدل المناظرات
سبق أن تعرضنا لمفهوم المناظرات وما يحيط بها وصفاتها عند بسط الفارق بينها وبين الحوار , وعلة تحريمها تتمثل فى آثارها على المجتمع وعلى العلماء كما يلي
أولا : تورث الضعينة والبغضاء والعجب بالنفس والزهو بالعلم وهذا كله طريق إلى جهنم ـ والعياذ بالله ـ بسبب وجود نص الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود حيث قال
{ قال رسول الله عليه الصلاة والسلام : أربعة علماء فى النار .. عالم تعلم العلم ليبارى به العلماء , أو يمارى به السفهاء , أو يصرف به وجوه الناس إليه , أو يأتى به السلطان }
والحديث كما نرى شديد الوضوح فى أن العلم ـ وهو طريق الجنة ـ يصبح طريقا للنار لو داخل العالم شبهة زهو أو إعجاب تتمثل فى تعمده الظهور على أقرانه من العلماء أو تعمده إظهار نفسه بصورة العالم أمام العامة عن طريق جدالهم والتغنى بتفوقه أمامهم
ثانيا : لا يوجد فى المناظرات حدود مانعة , فكل طرح مباح , ولهذا ترى مناظرات العقائد تتناثر فيها أقوال الكفر والزندقة والشبهات المختلفة مما يكون له الأثر المدمر على العامة ,
وبدلا من أن تكون هناك شبهة واحدة دخل العالم مناظرة لردها , تتكون عشرات الشبهات ـ مع تنوع النقاش ـ ومنها ما قد يكون شبهات دقيقة لا تتضح إلا بشرح طويل غير متاح فيبقي أثرها على الناس ويستحيل تفاديه
لهذا , كان علماء الإسلام يردون على أهل البدع بمعزل عنهم ـ ما أمكنهم ذلك ـ , فإذا رأى عالم من علماء المسلمين كتابا أو سمع خطبة من مارق عن الدين يقوم بالرد عليه بكتاب مماثل طالما كانت شبهات المبتدع قد انتشرت بين الناس وكثر فيها التساؤل أو يقوم بتناول هذا الموضوع بخطبة أو محاضرة لكنه لا يناظر المبتدع ولا يجلس معه كأصل عام له استثناء سنبينه
ثالثا : هدف المناظرات هو الانتصار للنفس , وبالتالى يجد المناظر المسلم نفسه فى أغلب الأحوال يتحمس ويبذل الجهد للرد عن نفسه لا عن الدين وغضبا لنفسه لا غضبا للدين و وذلك عندما يقوم مناظره باتهامه ـ سواء بحق أو بباطل ـ بالاتهامات المعتادة كالجهل وعدم الفهم ونحو ذلك
ولا شك أن الانتصار للنفس هو من الشيطان , وكان رسول الله عليه الصلاة والسلام لا يغضب لنفسه قط , بل للدين وحده
رابعا : طبيعى أن ينجح علماء الإسلام فى ردع المبتدعين وأهل الشبهات نظرا لأن صاحب الشبهات ضعيف مهما امتلك من أساليب المحاورة , فالحق بقوته لابد من ظهوره أمام الباطل وتلك سنة الله فى الكون , وغالبا ما يصاحب نجاح العالم المسلم إعجاب فائق من جماهير الحاضرين أو المتابعين , ويكون هذا النجاح وردة الفعل عليه طريق للافتتان نظرا لطبيعة النفس البشرية التواقة للمدح والثناء , ولا ينجو من مهالك هذه الفتنة إلا العلماء الربانيون , ولهم طرقهم الخاصة فى التصدى لحديث النفس والعجب , ومنها ما فعله الإمام الشعراوى رحمه الله عندما صادف فتنة الثناء بعنف , فقام على خدمة أحد المساجد فى يومه هذا لكسر الغرور قبل أن يتسلل لنفسه
خامسا : تعتبر المناظرات إهانة شديدة للعلم وشرف التعلم , حيث يتم استخدام العلم فى غير موضعه بالتنافس بين خصوم لا هدف لهم إلا الغلبة , كما أنه يضع العلماء فى موضع لا يليق بما أعزهم به الله من شرف العلم , وذلك عندما تراهم الناس يتناطحون كالديكة بينما جماهير مستمعيهم مستمتعة بالصراع !

ولهذا , حرم الإسلام المناظرات كأصل عام على العلماء , إلا عند الضرورة , ورحم الله السلف الصالح الذين أدركوا هذا جيدا فكانوا بالمرصاد لأى استفزاز أو فتنة يجرهم إليها أهل الأهواء ,
بينما يشهد عالم اليوم مئات البرامج المسماة بالحوارية وهى أبعد ما يكون عن الحوار , و

المزيد


تعلم كيف تواجه .. وتعلم كيف تناظر ” 1 “

سبتمبر 4th, 2009 كتبها محمد جاد الزغبي نشر في , سلسلة تعلمComments Off

ما الفارق بين الجدل والحوار ؟! وهل تدخل المناظرات تحت باب الجدل أم باب الحوار ؟
هل الدخول فى المناظرات فرض أم ضرورة لها شروط ؟!
ماذا نفعل ككتّاب عندما هجوما على الإسلام , هل نرد أم نصمت أم ندخل فى مناقشة ؟!
كيف يمكن أن يصبح الرد على الهجوم أسوأ أثرا على الإسلام من الهجوم نفسه ؟!
وكيف يمكن أن يصبح طريق الجنة .. طريقا إلى النار دون أن ندرى ؟!

حول إجابة هذه الأسئلة يدور الموضوع العاشر من سلسلة " تعلم .."

تعلم كيف تواجه ,, وتعلم كيف تناظر

مما يؤثر عن أحد علماء الهندسة أسلوبه المتفرد فى مواجهة مشاكل عمله , فعندما يواجه جهازا معطلا لم يكن يدخل مباشرة إلى أسباب العطل ومكانه بل يتجاهلهما تماما و يعيد تفكيك الجهاز بأكمله ويبدأ فى تركيبه حسب تصميمه الأصلي من جديد , وكلما يصادف خللا أثناء إعادة التركيب يصلحه ويستمر
بهذا الأسلوب لم يستعص عليه عطل فى جهاز أو يحيره ,
لأنه أحال الظاهرة للأصل وبدأ الحل من الجذر
وما فعله العالم فى المجال العملى نحن مطالبون به ـ من باب أولى ـ فى مجالنا الفكرى والذى يعتبر أخطر مجالات العلوم الإنسانية على الإطلاق , فبالفكر وحده وعلى أساسه وقعت كوارث العالم أجمع وكذلك تم إصلاحها بالفكر
ولا عجب فى ذلك لأن الاعتقاد الفكرى هو المحرك الرئيسي لنشاط الإنسان فإن كان فكرا خيرا أنتج خيرا وإن كان شرا أنتج مثله
وبالاعتقاد الفكرى والعقدى نشأت دولة الإسلام كإحدى معجزات الحضارة الإنسانية فى بضع سنين بهداية الوحى التى استقبلتها عقول أحسنت التفكير فعرفت نداء السماء وأجابته , ولم يحدث التخلخل إلا عندما بدأت الفرق فى الظهور فتغير الإعتقاد وفقد طلاوته الأولى التى نزل بها غضا على المحجة البيضاء , وعندما تغير الاعتقاد وأصبح مدخولا بفروع شيطانية غريبة على الجذر الأصلي بدأت الحروب والفتن واستمرت ليومنا هذا

وعبر تاريخ الإسلام البالغ الثراء دارت رحى المعركة بين الأصل والفروع , وظهرت فى فترات متقطعة من العصر الإسلامى الوسيط دول إسلامية أعادت رونق الخلافة معتمدة على مبدأ العودة للأصل وهو المبدأ الذى كفل لها النجاح لأن غياب الإصلاح الفكرى أولا هو سبب حتمى للفشل فيما بعد
وهذا المبدأ , مبدأ سماوى خالص عبر عنه رسول الله عليه الصلاة والسلام فى غير موضع من أحاديث الفتن وخصه بالجانب الأعظم من وصاياه ولم يفتأ يكرره على مسامع الصحابة ومثال ذلك قوله عليه الصلاة والسلام
" إن من يعش بعدى سيري اختلافا كثيرا فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى عضوا عليها بالنواجذ "
وقوله أيضا " لقد أتيتكم بها بيضاء نقية لا يزيغ عنها إلا هالك "
ولهذا كان المصلحون فى كل عصر يرفعون لواء العودة للأصل طارحين كل البدع المحدثة التى دخلت على دولة الإسلام فنجحت حركات الإصلاح لهذا السبب والمتأمل فى تاريخ الإسلام يجد أن كل أزمة مستعصية عصفت بالدولة كانت مبنية على اعتقاد فاسد مخالف للأصول
من أول فتنة الخوارج أول وأعظم فتنة إلى يومنا هذا حيث فتنة المذاهب الإنسانية المختلفة

ولأن الإتجاهات المعادية للإسلام ـ بعد دراسات المستشرقين المتعمقة ـ عرفت أين يقبع المقتل ركزت همها وجهدها عل ضرب الأصول بأى وسيلة , فلما عجزت , وظل القرآن محفوظا بحفظ الله وانبري علماء السنة فاستأصلوا شأفة الأحاديث الموضوعة وعزلوا القسم الصحيح وحفظوه , لم يجدوا أمامهم حلا إلا ضرب علاقتنا بتلك الأصول !

وهذا الأسلوب استمر أيضا إلى اليوم حيث تركز الدول العظمى والحركات الفكرية المضادة فى بلاد الإسلام على مبدأ رئيسي وهو تعقب أى نداء يظهر فيه ولو طرف شعرة من العودة للأصول , ويتم محاربة هذا الجانب بكل الوسائل بداية من التدخل العسكري كما فعلت الولايات المتحدة فى حربها المزعومة ضد الإرهاب إلى الغزو الفكرى الذى رسخ عبر قنوات إعلامية محترفة اعتقادا جازما بأن كل من ينادى بالعودة للأصول هو متخلف إرهابي ,
وأصبحت من قبيل الثقافة العامة المنتشرة أن يتم السخرية من كل متحدث بالعربية الفصحى أو من كل من ينوه عن شخصية تاريخية تحمل شبهة إشادة بتاريخ الإسلام رغم أن الغرب لم يقطع صلته بتاريخه المشوه مطلقا , بل جعل منه مادة خصبة على موائد الإعلام حتى لو كان تاريخا أسطوريا لا يمت للواقع بصلة ,

وبينما يفخر الغرب بزينا وهركليز وأخيل ونبوءات نوستراداموس , ولا يجد حرجا فى ذلك , أصبح مفكرونا ومثقفونا يجدون حرجا إذا استشهدوا بقول لأبي حنيفة أو الشافعى أو نقلوا رأيا فكريا للسيوطى أو الأشعري
هذا فضلا على التدخلات السياسية التى لا تهمل أدنى صعود للتيار الإسلامى السلفي فى أى مكان بالعالم الإسلامى فيبدأ الضغط على الفور بالوسائل العلنية والسرية لخلق حرب عداوة بين الأنظمة وبين تلك التيارات حتى لو كانت تيارات فكرية محضة لا تتعرض للأنظمة ولا تتدخل بالشئون السياسية وتكتفي بإحياء التراث فحسب
ولنا أن نتأمل الضربات الأمنية القاصمة التى يتعرض لها تيار الإخوان المسلمين أو جماعة أنصار السنة بمصر والمحاربة الإعلامية المصاحبة لذلك ونقارن هذا كله بالدعم الكاسح التى تحظى به الطرق الصوفية سواء على مستوى الدولة أو على مستوى الدعم الخارجى المهول

فالطرق الصوفية بمصر لم تحصل فقط على الوجود الشرعي باعتماد المجلس الأعلى للطرق الصوفية مجلسا عاما تابعا للدولة , بل هناك دعم سنوى للمجلس فضلا على أن رئيس المجلس فى البروتوكول السياسي مساوى لمكانة شيخ الأزهر سواء فى الراتب أو المعاملة
هذا خلافا لسكوت الدولة عن الدعم المادى الخارجى الذى جعل من مجلس الطرق الصوفية مؤسسة تتجاوز ميزانيتها ثلاثة أرباع مليار جنيه ,
وتحاط الإحتفالات الصوفية بالحماية الأمنية على أعلى مستوى رغم أنها تتجاوز ثلاثة آلاف حفل سنويا تحميه الشرطة حماية كاملة , وبأحدث الوسائل
فضلا على الدعم السياسي الخارجى الذى يجعل سفير الولايات المتحدة السابق بمصر يحرص على حضور مولد السيد البدوى بطنطا ! وتخلفه مرجريت سكوبي فى ذلك
وإذا تأملت الحروب العلمانية مثلا على الإسلام والفكر الإسلامى لا تجد منهم أدنى إشارة بالانتقاد للفرق البدعية كالصوفية والمعتزلة الجدد " العصرانيون " على سبيل المثال رغم وجود المبرر البالغ القوة لذلك والمتمثل فى كل هذه الإمكانيات المهولة لمجرد تغييب الناس

ولهذا يبدو غريبا جدا أن تثور ثائرة العلمانيين لمحاضرة يلقيها عالم أو فقيه ويهملون فى نفس الوقت هذا البذخ والسرف وتعطيل مصالح الدولة مع الصوفيين
ومن أوجه الغرابة ـ اللافتة للمتأمل بعيد النظر ـ أن السلطات الرسمية والغرب متمثلا فى الولايات المتحدة رغم أنه لا يطيق ذكر الإسلاميين , إلا أنهم يتناسون هذا تماما مع الطرق الصوفية على نحو يجعلنا نتساءل ,
لو أن الطرق الصوفية ـ كما يرجون لها ـ تمارس نشاطا إسلاميا عارما فلماذا يواليها المعادون للإسلام ويسكتون عن تصرفات لو لاح ريحها مع فقيه لكان مصيره وراء الشمس
والقانون الأمنى الذى يمنع التجمهر لما يزيد عن عشرين شخصا نجده مع الصوفيين يحمى ويوالى تجمهرا من عشرين ألفا !
لكن ـ كما يقال ـ إذا عرف السبب بطل العجب ,

فإن الخوف كل الخوف ليس من الفرق البدعية التى حادت عن الطريق بل من أى نداء أصولى للبحث خلف المنبع , والغرب يستفيد من دروس الماضي جيدا ولم ينس بعد ما فعلته الأصولية الإسلامية بمنهجها البسيط فى الشيشان وأفغانستان وباكستان وأندونيسيا وفى حرب أكتوبر والآن فى العراق والصين
لهذا صارت حساسية الغرب وحلفائه

المزيد


تعلم كيف تعود إلى الله " 2 "

سبتمبر 6th, 2008 كتبها محمد جاد الزغبي نشر في , سلسلة تعلم

رأينا فى الجزء الأول من هذه الخواطر كيف أن أزمة العودة إلى الله تنقسم إلى أزمة عقل وأزمة قلب وأزمة ثالثة تجمع العنصرين معا
وعالجنا الأزمتين الأول .. وتبقت الثالثة لنعالجها ونقف عند قضيتها

أزمة الخط المستقيم

من أكبر الأزمات العقلية فى طريق العودة إلى الله هو محاولة العقل للعودة بغير إرشاد القلب ,
فما يغفل عنه الكثيرون أن الطريق إلى الله لا يسرع بالعاقل ولا يبطئ بالغبي الغافل بل يبطئ بالعاقل المتغافل
وبالعكس
فالعقل غالبا ما يكون طريقا للهلاك وهذا أمر طبيعى لأن العقل إذا سلك طريق التساؤل والعودة إلى الله طرح أمامه مفردات المادة والإدراك فى أمر يعوزه العجز للاعتراف بوجود خالق قادر منعم ومتفضل
ولذا فالمقولة الشهيرة أن الله تمت معرفته بالعقل تحتاج معها إضافة لتصبح قابلة للمنطق
فيكون الطريق بالعقل والقلب , فالقلب عماده المشاعر والأحاسيس وهو الذى يضيف لمحة التأثر المطلوبة لجمود العقل
فالعقل بلا قلب لا يعرف الخوف ولا يعرف الهيبة ولا يعرف العجز لأن مفردات العقل بطبيعتها تفجر الغرور الإنسانى فتدفعه للتساؤل بلا حدود وفى غياب التأثر القلبي يستمر التساؤل إلى ما لا نهاية رافضا أن يستكين لمفردات المنطق الإلهى طمعا فى منطق عقلي يقنعه
ولذلك ضل الملحدون وغيرهم الطريق عندما قالوا بعدم وجود إله وكيف يمكن أن يوجد إله لا يدركه بصر وفى هذا جاء القرآن الكريم مترجما لتلك الحقيقة , حقيقة أن العقل وحده لا يصلح حيث يقول عز وجل
[أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ] {الحج:46}
فالآية الكريمة جعلت الإدراك العقلي للقلب لا للعقل لأن العقل هو الطريق أو الوسيلة بينما المنفذ الفعلى هو القلب الذى يصدق أو يكذب النتائج
وقد تكرر مفهوم نسبة الإدراك للقلب لا العقل فى آيات القرآن الكريم مثال ذلك قوله تعالى
[أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا] {محمد:24}
وضلال الملحدين والمنكرين لوجود الخالق يدحضه المنطق العقلي ذاته حيث أن مفردات العقل ذاتها تقود إلى أن وجود الإله فى محل الإدراك ينفي ألوهيته بطبيعة الحال ,
إذ أن هذا الكون الذى لم نعرف منه إلا جزء بسيطا من سمائه الدنيا يبلغ مقداره 13 مليار سنة ضوئية فى الاتساع ومثلها فى العمر ويبدو أمام الإدراك لغزا غير قابل للحل ,
كيف يمكن لخالقه أن يكون تحت بصر الإدراك ,, لو كانوا يفقهون ؟!
هم بهذه الطريقة مع أمثالهم من عبدة المذاهب البشرية هبطوا بقدرات العقل إلى دركها الأسفل فخرج منهم كما رأينا ملحدون ومشركون وصنف آخر أعجب وهم العلمانيون عندما وقفوا يدافعون عن قدرات العقل الإنسانى باعتباره يستطيع بالتطور أن يطور تشريعاته بما يتناسب والتقدم العلمى الهائل الذى يرونه أمامهم ويعبرون عن ذلك بأن الدنيا أصبحت قرية صغيرة مملوكة للقدرات الإنسانية
ولعمرى إنهم فى ضلالة ما بعدها ضلالة ومن أشد إعجاز القرآن آياته التى أخبرنا عن أمثالهم فى قوله تعالى
[حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ] {يونس:24}
وقد كنت أتعجب من حماقة إبليس لعنه الله وهو يتحدى رب العالمين وهو يثق تمام الثقة بمصيره الذى أخبر عنه القرآن فإذا ببعض البشر أشد منه حماقة وهم يقرئون بأعينهم ولا يفقهون بقلوبهم هذا الوعيد المباشر الصريح بأن مصدر الهلاك الأعظم للبشرية عندما تأخذ الأرض زخرفها ويظن الغافلون أنهم قادرون عليها
ومما هو أغرب أن تلك العقول التى تتبجح بالعلم والإدراك والدفاع عن العقل تعجز عن ربط حقائق بسيطة تطرحها العقول والتجارب أمامهم وهم يرون بأعينهم هذا الكون الفريد الذى تشغل فيه شمسنا بمجموعتها حيزا أشبه بثقب إبرة فى هذا الكون الفسيح الذى لا زلت أدعو القارئ للتبصر فى جزء بسيط من سمائه الدنيا يبلغ

المزيد


تعلم كيف تكون مثقفا " 2 "

مايو 5th, 2008 كتبها محمد جاد الزغبي نشر في , سلسلة تعلم

مذيعة لأحد البرامج التى تختص ببث القضايا المنفرة لكل فطرة سليمة يبلغ راتبها خمسة وخمسين ألف دولار فى الشهر الواحد بينما فى مصر يبلغ بدل شراء الكتب لخطباء المساجد عشرين جنيها أى ما يعادل أقل من أربعة دولارات
بينما فى مصر قديما كان راتب محمد حسنين هيكل فى الأهرام يبلغ خمسة آلاف جنيه سنويا وهو مبلغ مهول بمقاييس الخمسينيات ليس لأنه صحفي فى جريدة قومية بل لأنه هيكل وعلمه وقيمته لا خلاف عليهما
الآن لا يستطيع ممثل من الدرجة الثانية أن يسير فى الشارع لكثرة الإزدحام حوله بينما لو نزل هيكل الآن للشارع فلن يعرفه إلا شخص من كل عشرة أشخاص
وقديما كان التمثيل فى الأربعينيات مهنة من لا مهنة له
وكانت لا قيمة لهم بالمجتمع لدرجة أن المحاكم لا تقبل لهم شهادة نهائيا ولم يكن ينضم للتمثيل إلا من لا هوية لهم بالمجتمع حتى الوقت الذى انضم فيه يوسف وهبي وكان من عائلة كبيرة ويحمل الباكوية وصارت تلك الحادثة حديث الأوساط استنكارا ومن ساعتها بدأ الإنهيار
فتخيل هذه الصورة القديمة وضعها إلى جوار الصورة الحالية ولا تعليق
وقديما عندما تقدم عبد الحليم حافظ وهو فى أوج شهرته للزواج من فتاة من عائلة متوسطة كان الرفض القاطع من أهلها حتى يترك مهنته ـ برغم الشهرة الكاسحة ـ ولكن كانت ثوابت المجتمع وثقافته قائمة بخيرها لم يمسها الهوان
والشيخ الإمام محمد مصطفي المراغي بعد أن حاز عالمية الأزهر فى شبابه وصار أصغر من حصل عليها أراد والده أن يختار له زوجة صالحة وفكر فى إحدى بنات عائلة كبري فى الصعيد ترجع أصولها إلى النسب النبوى المكرم وتعج العائلة بأهل العلم والمكانة الإجتماعية الضخمة ولم يكن والد الشيخ المراغي طامحا فى هذا النسب إلا لأن ابنه عالم أزهرى له شأنه رغم صغر سنه فقبلته العائلة على الفور لأن المجتمع لم يكن يري شرفا يدانى شرف العلم بناء على الثقافة التى كانت صحيحة ومتينة ..
وأحد القضاة الكبار دخل المحكمة ليمارس عمله واستوى جالسا وبالصدفة البحتة كان والده فى القاعة مع الحضور لأن صديقا له أتى شاهدا بقضية سينظرها القاضي الإبن ولم يكن الوالد يعلم أن ولده هو قاضي الدائرة
ومن على منصة القضاء لمح القاضي والده بين الصفوف فهب واقفا على الفور وغادر القاعة ودخل لغرفة المداولة وأرسل لأبيه فأتاه فقبل يده ورجاه أن يغادر القاعة ليتمكن من الجلوس على المنصة !
وعندما حدثت نكسة عام 1967 م ..
وكانت كارثة لا تدانيها كارثة بالطبع .. وتوقعت إسرائيل والولايات المتحدة أن يستبد اليأس بالمصريين والعرب جميعا بعد الأهوال التى اكتشفوها من قوة عدوهم وعتاده ومن إهمال قادتهم .. لكنهم فوجئوا بالمظاهرات فى مصر تخرج غاضبة هاتفة بنداء شهير لا أستحب ذكره لأنه تعبير شعبي متجاوز تقول لعبد الناصر لا تتنحى الآن عد لمقعدك حتى تنكشف الغمة ولم يبق فى مصر كلها طفل واحد له هم أو حديث إلا عن الحرب القادمة ..
وترك كل ذى نعمة نعمته وهب ليرسم خطا فى لوحة النصر القادمة فانضم متطوعا للجيش عدد كبير من الشباب منهم المهندس والطبيب والمحامى تاركين عملهم الرئيسي ساعين للجيش طواعية
وتآزرت العرب جميعا على قلب رجل واحد من المحيط للخليج وأجبرت حكامها على أن يكونوا رجالا فكانت حرب التحرير من نفس الجيل الذى تلقي الهزيمة الساحقة فلم تهز من عزيمته شعرة
فلماذا فعلت الشعوب العربية ذلك .. ؟!
فعلته لأنها كانت ذات ثوابت ثقافية صحيحة وسليمة لا تصف المسميات بغير أسمائها حتى العصاة منهم لم تكن معاصيهم تظهر إلا مع أقرانهم .. لم يكن الواحد منهم ليجرؤ على الوقوف مهتزا أمام والده أو يجرؤ أحدهم مرة واحدة على تحليل المعصية والقول بإباحتها
فكيف كانوا كذلك ولماذا أصبحنا نحن خلافهم .. ؟!
لأنهم اكتسبوا العقل الناضج .. والهمة العالية .. والثقافة السليمة ونحن افتقدنا لثلاثتهم ..
فكيف يمكن أن يدرك الراغب فى الثقافة نفسه .. هذا ما سنحاول مناقشته فى السطور القادمة ..

أولا .. العقل الناضج والطريق إلى الثقافة ..

يقول الحق سبحانه [إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا] {المزمل:19}
فمن ذا الذى لا يريد إدراك نفسه فى عصر الفتن ويتخذ لربه سبيلا .. والعقل الناضج هو الذى يدرك أن العبادة قوامها العبادات لكن أساسها العلم الذى يجلب التقوى ..
هذا أول طريق العقل إلى الثقافة فلو لم يدرك الإنسان أن طريقه لله لن يتأتى إلا بالمعرفة الحقة والعلم الضرورى سيضل طريقه دونما شك ولو قضي دهره صائما قائما ..
لأن الثقافة إن كانت بالعصور القديمة ميزة وتكرمة ففي عصرنا الحالى ضرورة لا غنى عنها ..
فقديما كان العلماء قائمون على حدود الله يحرسونها يقظين لكل صاحب فتنة ولكننا الآن فى عهد صار أهون الناس على الناس فيه هم العلماء وضربت بينهم وبين الجماهير الحجب وشغلتهم السلطات بأرزاقهم بعد أن تعمدوا تركهم لا يجدون قوت يومهم وانفرد بالإعلام أصحاب الأوهام .. فلو سار المرء فى حياته دون حصن ثقافي وقع فى أقرب شرك منصوب له
وبداية الطريق لا تكون إلا بجلسة منفردة مع النفس أولا يسأل فيها كل واحد عقله بسؤال منطقي أين يبتغي الوصول بالضبط ؟!
هل الحياة بشكلها الحالى تمثل أمرا مقبولا والإجابة بلا القاطعة ومن ثم لابد من التفكير الجدى أن الطموح للمعرفة ليس لأن يقال عن الإنسان أنه مثقف وليس لكى نكتب وننشر على الناس ونستمع لآهات الإعجاب وليس لأى غرض كان .. بل يجب أن تكون المعرفة للمعرفة والثقافة للثقافة ..
هذا ما يجب على الإنسان أن يتخذه يقينا دامغا قبل أن يسأل وقبل أن يفكر من أين أو كيف أبدأ ..
وعندما يقرر البدء لابد أن يكون العقل ناضجا واعيا للخوض فى بحار المعرفة .. والنضج والوعى هو الذى يرسخ للمثقف أن يكون باحثا فيما بعد ويتوفر فى المرء عن طريق النظر إلى الكاتب قبل الكتاب والى الدليل قبل الإقتناع .. هذا بالطبع لا يتم تطبيقه على الثوابت التى اتفق عليها علماء كل علم
فمن كوارث الإنترنت بالذات كمصدر هام للثقافة
أن القارئ يطالع غرائب المعلومات والحقائق والموضوعات فيأخذها على عواهنها وهى كلام مرسل قد يكون ماسا بثابت فى الشريعة أو بحقيقة تاريخية هامة أو نحو ذلك
فالحل يكون بالنظر للكاتب هل أورد فى موضوعه التوثيق الكافي للمعلومة أم ذكرها منفردة فإن ذكرها منفردة فعلى القارئ المثقف أن يسأله عن مصدرها وإن لم يتوفر يبحث عنها القارئ نفسه ولا يأخذها أو يتعامل بها ما لم يستوثق من أهل علمها
أما إن الكاتب ثقة بشخصه ومتحدثا فى مجاله فلا بأس باكتساب المعلومة منه مباشرة وهؤلاء الكتاب هم المعروفة سمعتهم وهى خاصية سيكتسبها القارئ كلما قطع أشواطا فى القراءة وذلك عندما يدرك أعلام كل مجال
وهذا يعفي ال

المزيد


تعلم كيف تكون مثقفا " 1 "

مايو 5th, 2008 كتبها محمد جاد الزغبي نشر في , سلسلة تعلم

تعلم كيف تكون مثقفا ..
" ليس معنى العنوان أن الكاتب يضع نفسه فى مقعد المعلم بل هى خواطر تلميذ تحمل تجارب العمداء الحقيقيين للثقافة ومن تلك التجارب جمع الكاتب أسلوب التعليم الثقافي وأهميته "
ما هى الثقافة ؟..
الثقافة لغة هى الكثافة أو الشيئ الكثيف .. وفى اصطلاح المثقفين تأتى أبلغ تعريفاتها ما قال به المفكر الأسطورة
عباس محمود العقاد وهى أن الثقافة أن تعرف شيئ عن كل شيئ .. والتخصص أو العلم أن تعرف كل شيئ عن شيئ
والثقافة بهذا المعنى ليست ترفا وليست كمالية من كماليات الحياة بل هى ضرورة قاطعة يجب أن تتوافر فى كل إنسان يريد أن يكون له من طبيعة خلقه فضل ومسمى ..
أما بالنسبة لما تعارفت عليه الشعوب من إطلاق لقب المثقفين على شريحة معينة من المجتمع فهو أمر منطقي ولا يتعارض مع التعريف السابق ولا مع ضرورة توافر الثقافة لدى كل إنسان
لأن الثقافة ليست على حال واحد وليست على درجة واحدة فهناك حد أدنى من المعلومات التى يجب أن يكتسبها المرء بالقراءة والمطالعة من حين لآخر .. وهناك المستويات المتوسطة والعليا للثقافة والتى لا تكون واجبة إلا على شريحة المثقفين والعلماء .. فإن كان الشخص العادى من عوام الناس يعتبر من معجزاته أن يكون مثقفا عملاقا وذلك عندما تفوق على ما هو ضرورى من حد أدنى إلى حدود أعلى
فإن الحدود العليا من الثقافة للعلماء ولأصحاب القلم ولأرباب السياسة والمفكرين ضرورة إن غابت يغيب معها وصف العالم والكاتب والمفكر ..
لأن العالم فى أى مجال وأستاذ الجامعة فى أى منهج والمفكر فى أى مجال فكرى لا يمكن قبول مبدأ التخصص منه كحجة أمام تقصيره فى الشأن الثقافي كما يحدث فعلا هذه الأيام فتجد أستاذا جامعيا فى الفيزياء مثلا لا يعرف بعض المعارف الكافية عن التاريخ الإسلامى فيخلط بين السيدة زينب بنت رسول الله عليه الصلاة والسلام وبين السيدة زينب عقيلة أهل البيت النبوى بنت الإمام على رضي اللهم عنهم جميعا " واقعة حقيقية بالفعل "
والمشكلة أنك تجد بعض هؤلاء العلماء يحتج بأنه غير متخصص فى مجال التاريخ مثلا وكأن المبادئ الأولية التى لا غنى عنها ثقافيا أصبحت بحاجة إلى دراسة أو إعداد
وكان من نتيجة بلوغ بعض العلماء هذه الدرجة من الإضمحلال أن خرجت بعض أجيال الشباب اليوم فى حالة موت إكلينيكي وليس إغماء فقط عن سائر ما يربطهم به انتماء
ومن دلائل ذلك صدور قرار وزارة الخارجية المصرية بعدم قبول أى متقدم لوظيفة السلك الدبلوماسي والقنصلي فى إحدى الدفعات من أربعة أعوام وذلك برغم حاجة الوزارة الملحة لدفعات جديدة بسبب كوارث الاختبار الثقافي الذى أظهرت نتائجه ثقافة من لون جديد لدى الشباب حتى بصدد المعلومات التى يتم تكرارها عشرات المرات فى الحياة اليومية فعجز الشباب الجامعى المتقدم لوظيفة حساسة عن معرفتها ..
مثال تلك المعلومات سؤال عن نجيب محفوظ أجاب أحد المختبرين أنه لاعب كرة قدم وسؤال عن فى أى عام هجرى نحن فأجاب بأننا عام 4000 هجرى !!
وفى أحد الدول العربية وأثناء مرور أحد المفتشين على إحدى المدارس اكتشف أن أحد المعلمين الذين يدرسون للطلبة يقرأ حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو الذى يقول فيما معناه { الرؤيا معلقة برجل طائر } فنطق كلمة بِرجل ومعناها بقدم عن طريق فتح الراء لتصبح رَجل فلم يتمالك المفتش نفسه من الحنق فقال للمدرس { تقول رجل طائر لابد أنه سوبرمان إذا !! }
وأحد المدرسين أيضا قال لأحد المثقفين فى حوار بمعرض الكتاب أنه لم يقرأ كتابا منذ سبعة عشر عاما !!
ويروى الشيخ أبو اسحق الحوينى أن أحد أقربائه خريج معهد للخدمة الإجتماعية جاء إليه سائلا ما المذهب الذى كان يتبعه النبي عليه الصلاة والسلام هل المذهب الشافعى أم المالكى ؟!!!!
فالثقافة وغيابها الرهيب بهذا النحو هى السبب والعصب الرئيسي فى سائر مشاكلنا كمسلمين عرب بالتحديد لأننا فقدنا أدنى روابط الصلة بيننا وبين تاريخنا من جهة وبيننا وبين معنى الحياة من جهة أخرى
ولو تحدثنا بلغة الأرقام سنكتشف هولا .. فدور النشر التى تطبع وتنشر أمهات الكتب ومختلف المطبوعات الثقافية تشير أرقام توزيعها إلى درجات بالغة الإضمحلال بالنسبة لعدد سكان الوطن العربي
وليت الأمر خاصا بأمهات الكتب التى يمكن أن نقبل حجة التخصص والثقل فيها
بل الأمر يتعلق حتى بالروايات والتى تعتبر فنا للتسلية ليس أكثر .. وتدريبا على القراءة ليس أعمق !
نجيب محفوظ مثلا الحائز على جائزة نوبل فى الآداب عام 1990م تقوم دار مصر للطباعة والنشر بطباعة كتاباته وتوزيعها على سائر الدول العربية ومن أوراق النشر أشار أحد الصحفيين ذات مرة أنه لم تتجاوز أى رواية لنجيب محفوظ عند التوزيع خمسة آلاف نسخة فى سائر الدول العربية إلا إذا تم احتساب التوزيع على عدة طبعات لأعوام مختلفة ..
خمسة آلاف نسخة فى شعب عربي من المحيط إلى الخليج تتجاوز أعداد المواطنين فى بعض أقطاره حاجز السبعين مليون نسمة
بينما وفى المقابل عندما فاز خوسيه ساراماجو الكاتب الأسبانى بنوبل أعلنت دار النشر الأسبانية أن رواية نوبل لساراماجو وزعت فى أسبانيا وحدها رقما يقترب من المليون نسخة
بل حتى لو تركنا عالم الكتب بسائر صنوفه وتساءلنا عن الصحف وهى المصدر الأكثر توافرا وسهولة لأى مواطن يريد أن يعرف شيئا من أحوال بلاده والعالم من حوله سنجد ما هو أغرب ..
فأعلى رقم توزيع قرأته لجريدة كان رقم توزيع جريدة الدستور المصرية فى عددها الأسبوعى لا اليومى ويبلغ نسبة التوزيع 180 ألف نسخة فى مصر التى يبلغ تعدادها سبعين مليونا وعدد القراء فيها أربعين مليونا مع الوضع فى الاعتبار أن الدستور جريدة بالغة الجرأة تختص بمتابعة الشأن السياسي المشتعل فى مصر منذ عدة سنوات والشعب عن بكرة أبيه من المفروض أنه مهتم بهذا الأمر ومع ذلك من يهتم ويطالع ربع مليون قارئ وحسب ؟!
ولهذا فمن المستحيل أن يتقدم الوعى لدى المجتمع أن يتجاوب تجاه حقوقه المهدرة فى سائر الدول العربية ما لم يوجه السياسيون والمثقفون الإصلاحيون جهودهم لتنمية الوعى الثقافي أولا ودفع الشباب بالتحديد للقراءة .. أما توجيه الجهود إلى الصراع السياسي مع النظم الحاكمة فسيظل حرثا فى البحر مهما فعلوا لأن الشعوب تحكمها ثقافة اللاث

المزيد


تعلم كيف تمسك بالقلم

نوفمبر 12th, 2007 كتبها محمد جاد الزغبي نشر في , سلسلة تعلم

تعلم كيف تمسك بالقلم

عندما يكون هناك أب حنون وفى نظر المجتمع أنه يستحق هذا الوصف ويحسن تربية أبنائه تكون مؤهلات هذا الرأى فى الغالب عبارة عن رعاية الأب لطفله وعنايته به صحيا وتعليمه آداب المائدة وحمايته من نفسه .. إلى غير ذلك من أمور ..
ولو فرضنا أن هذا الأب شاهد ابنه يتلاعب بنصل سكين فسيكون ردة الفعل الطبيعية أن يهرع إليه مانعا إياه ثم يعلمه كيف يستخدمها ويمسكها ويحسن العناية بها حتى لا تصيبه بأذى ..
ولكن مع الأسف الشديد ..
وعندما يكبر الطفل قليلا ويأتى موعده مع القلم لأول مرة .. لا نشاهد لأغلبية الآباء فزعة ولا حرصا .. بل يترك الغالبية منهم تلك المهمة للمدرسة التى يلتحق بها الطفل ولأمه غالبا ..
ويكتفي هو بالمتابعة من بعيد فرحا بطفله الذى عرف كيف اسمه واسم أبيه بالانجليزية !

بالرغم من أن الإمساك بالقلم أشد خطورة وتأثيرا على طفله الذى سيصبح شابا فيما بعد وربما كاتبا .. تأثيره يعادل مائة ضعف خطورة وتأثير نصل السكين لو لم يحسن الإمساك به ويحسن استخدامه بحقه ..
فعدم الاهتمام بهذا الجانب قد يؤدى إلى ضياع موهبة فذة فى الطفل الذى يفتقد أهمية ومقدار القلم وبهذا تذبح موهبته فى مهدها .. ومن الممكن أن تنطلق الموهبة فنيا دون إدراك لمعنى وأهمية القلم فيكتسب المجتمع كاتبا موهوبا نعم .. لكنه أخطأ الطريق فاستخدم أسلوبه فى الهدم لا البناء كمثال عشرات الكتاب الذين أعطاهم الله تعالى حرفية الإمساك بالقلم ومنعهم التوفيق فيها فجلبوا بأقلامهم عشرات القراء ضحايا فكر مهترئ أو فكر عدوانى أو أعمال أدبية تتجاوز حدود الأخلاق والقي والعقيدة فتصبح وبالا وكان لها أن تصبح فى الأصل عنوان رحمة وفضل ..
ويحق لنا أن نسأل الأب الذى علم ولده كيف يمسك بنصل السكين وأهمل تعليمه حرفة القلم ..
هل جرح إصبع طفلك أعمق خطرا من شرخ موهبته أو قتلها .. وهل قطع أحد أصابع كفي طفلك أشد وبالا من قطع وتر الإيمان فى شباب قد تقرأ له فكرا منحرفا فتتبعه …

الإجابة يمثلها موقف لأحد كبار الأئمة والفقهاء عندما مر ذات يوم بصبي صغير على شاطئ بحر يحاول أن يملأ مسقاته فهتف به الإمام
" حاذر الزلل يا إمام .. "
وكان الصبي حصيفا ذكيا .. فالتفت إليه قائلا
" بل حاذر الزلل أنت يا إمام .. أنا إن زللت سقطت وحدى .. أما أنت فان زللت سقطت خلفك أمة بأكملها "

والإمساك بالقلم للكتابة سواء فى موهبة إبداعية كالشعر والقصة مثلا .. أو فى موهبة فكرية كالمقال والدراسة هو أمر له ضوابطه التى سقطت بسقوط العهد الذهبي لأهل القلم بعد أن صارت المطالعة رجس من عمل الإنسان فى هذه الأيام ..
فكل من أحب أن يكون كاتبا أمسك بقلم لا يدرى قيمة مداده وبأوراق لا يدرى أهمية صفحاتها وسودها إما بتافه الأفكار أو بزائل الكلمات .. فهانت قيمة الكاتب والكتابة ..
وعوامل السقوط كثيرة أكبرها افتقاد المعلم .. وأهونها ترك المطالعة ..
وأوسطها العجلة التى تحكم المواهب البازغة فتجعلهم سراعا إلى استنفاذ معين موهبتهم قبل اكتماله .. فيكتبون بأكثر مما يقرءون فتنفذ بضاعتهم المزجاة من اللغة وثروتها فيكون الضياع المؤكد
أما زوال هيبة الكتابة فهو ملحق بزوال هيبة العلم .. وسيكون حديثي فى هذا الموضوع مركزا على جانب الكتابة ا

المزيد


تعلم كيف تربي وتعلم كيف تنشئ " ج 3 "

يوليو 14th, 2007 كتبها محمد جاد الزغبي نشر في , سلسلة تعلم

" منذ عدة أشهر وفى وسط مدينة القاهرة تعرضت عشرات الفتيات لاعتداءات وتحرشات جماعية من بعض الشباب ولم تجد الفتيات سبيلا لانقاذهن لا من المارة ولا من الشرطة التى أتت بعد الأوان .. ومثل هذا التصرف الذى مر مرور الكرام لو حدث منذ نصف قرن فقط فى نفس المكان لقتل المارة فى الشوارع أى معتدى يحاول أن يقرب أى امرأة تسير فى أمن وأمان تحت حماية القيم التى هانت اليوم "

والسبب الطبيعى هو التغريب الذى حل بالبلاد والعباد ليشوه العالم العربي وينزع عنه كل صفاته التى صنعت منه كيانا متماسكا .. وكل هذا تحت دعاوى استيراد حضارة الغرب ..

فلا نحن أصبحنا عربا كما كنا ولا صرنا غربا كما هم بالغرب .. ولم يبق لمن أراد التربية السليمة الأبنائه إلا الانكباب على خويصة نفسه على حد قول الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم وتطبيق حدود التربية الاسلامية داخل محيط أسرته

والتربية الاسلامية لا تعتمد فقط على دور الأب أو الأم أو المجتمع فقط .. بل يلزم هنا أن ندرك مقومات النجاح فى تربية النشئ تربية صالحة وتنقسم تلك المقومات إلى نوعين ..

نوع غيبي لا سلطة للمربي فيه ولا علاقة له بالناشئ .. ونوع آخر يعتمد كليا على ممارسة المربي لشروط التربية الاسلامية ويقع أثره على الناشئ

أما النوع الذى لا سلطة للمربي فيه .. فهو الذى عرفناه من الآية الكريمة
" وليخشي الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا "

وهو شرط جوهرى بدونه لا مجال لانتظار النتيجة المرجوة بالنجاح فى التربية .. فلابد للأب المربي أن يتقي الله بالمعنى الحقيقي للتقوى وينطق لسانه بالقول السديد إذا أراد لتجربته أن تنجح فى بنيه ..

فمهما حرص الأب على تطبيق القواعد التربوية لن يخرج الثمر اليانع بينعه أبدا ما دامت التقوى غائبة مع القول السديد لأن الغرس يعتمد على نشاط الغارس مقرونا بتوفيق الله ولن يكون هناك توفيق بدون الشرطين السابقين ..

وبالنسبة للنوع الثانى فيكن إجماله فى الشروط التالية والتى تم تقسيمها إلى ثلاثة مراحل عمرية مختلفة لكل مرحلة طريقة فى التعامل مع الناشئ وهو الأمر الذى تحدث عنه أشرف الخلق سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام فى الحديث الشهير الذى تحدث فيما معناه

" لاعب سبعا وأدب سبعا وصاحب سبعا ثم اترك الحبل على الغارب "

ففي خلال السبع السنوات الأولى لا يكون مطلوبا من الأب إلا المتابعة فقط وليس مطلوبا نهائيا أن تكون هناك أدوات منع أو حظر بالنسبة للطفل الذى يجب تركه على سجيته وحريته إلى أقصي مدى لاشباع عناده الطفولى الغريزى لأن عدم إشباع العناد هو الذى يتسبب فيما بعد فى تمرد الطفل بعد أن يطرق مرحلة الفتوة والشباب

وإضافة إلى المتابعة .. يجب أن يكون فى ذهن الأب المربي حقيقة دامغة وهى نظرة طفله إليه يكون مؤداها أنه قادر على كل شيئ وأى شيئ فمنتهى بصر الطفل فى تلك المرحلة يقع عند أبويه .. فيلزم الحرص الكامل معه فى تلك المرحلة لاجابة طلباته من ناحية والأهم إجابة استفساراته بطريقة بسيطة تناسب سنه مع توخى الحذر الشديد وعدم الاستهانة بعقل الطفل وإظهار الاستهانة أوالسخرية من تساؤلاته لأنها فى الواقع تكون تساؤلات معضلة فى أغلب الأحيان

" مثلا سؤلت من طفل لم يبلغ الرابعة من عمره عن ما هية الجماد فأجبته بأنه كل ما لا يأكل ولا يشرب ففاجأنى بسؤال أفدح عندما استفسر منى قائلا إذا هل يعتبر الله من الجماد لأنك قلت لى من قبل أنه لا يأكل ولا يشرب !! "

وتاتى المرحلة التالية وهى السبع السنوات المضروبة للتأديب وهى مرحلة أخطر من سابقتها لأنها مرحلة الالزام الجبري باتباع قواعد معينة وتدشين العقيدة فى عقل الطفل بممارسة الصلاة والعبادات واجباره عليها إن أبي .. وتلك المرحلة تبدو سهلة أو واضحة فى كونها تقتضي تلقين الطفل العبادات المطلوبة والبدء فى تغذية عقله بالمعلومات .. وكل هذا بسيط لكن ما يجدر الالتفات إليه هو ضرورة أن يتضاعف حذر الأب أمام طفله فى تلك المرحلة لأن استيعابه وذاكرته تكون أشد ألف مرة من ذاكرة والده فضلا على أن عقل الطفل يبدأ فى التفتح لاستقبال المثل العليا وأولهم والده ..

ويجب أن يعرف كل أب أن طفله فى تلك السن سيقرن أى أمر يتلقاه بموقف والده إزاء نفس الأمر وستكون الرقابة بينهما متبادلة .. وتصبح كارثة بالطب

المزيد


تعلم كيف تُربي وتعلم كيف تـُنشئ " ج 2 "

يوليو 12th, 2007 كتبها محمد جاد الزغبي نشر في , سلسلة تعلم

كيف نـُنشئ .. وكيف نـُربي ؟

ما كانت معاناة المجتمعات الاسلامية والعربية على وجه الخصوص بالعصر الحالى فى هذا الجانب إلا بسبب منفرد .. إهمال تربية النشئ الذى أنتج أجيالا مشوهه غير خاضعة للتربية السليمة فكان من الطبيعى أن تزداد هوة الأزمة بتحول تلك الأجيال إلى آباء فاقدى معايير التربية السليمة فكان أن ازداد الانهيار فى الأجيال التالية وإلى ما لا نهاية ..

وبدأت المأساة بفقدان سيطرة الأسرة .. ثم سيطرة المجتمع على النحو الذى نراه الآن ثم نهتف بالحسرة على الشباب الضائع عديم الفائدة دون أن ندرك أننا من أضاعوهم من البداية ..

والتربية الاسلامية علم فطرى إذا صح التعبير .. بمعنى أنه من الصعب تقنينه فى قوالب نظرية يتم تطبيقها ونظل فى انتظار النتائج .. لكن ما يحكمها ويمكن تقنينه هو المبادئ العامة التى يجب أن يراعيها كل مربي وتظل التفاصيل رهنا بظروف البيئة المحيطة ..

وسنبدأ بالتعرف أولا على ما هية التربية .. ثم نتعرف على مفهوم التربية الاسلامية وشروطها ومبادئها ؟

التربية ..

يقع مفهوم التربية فى موقع خاطئ لدى الأغلبية من الناس .. فقد درجنا على وصف الانسان غير المهذب بوصف عامى دارج " مش متربي " ..

وهو وصف خاطئ إلى أبعد حد .. فالتربية لا تعنى توافر الأخلاق والتهذيب .. بل من الممكن أن نزعم أن الأخلاق والتهذيب من الممكن توافرها بمعزل كامل عن التربية السليمة !!..
فالتربية ببساطة هى إنشاء شخصية الفرد ليقوم بدوره الطبيعى فى المجتمع ..

لذا فمن الممكن أن نصادف إنسانا مهذبا وعلى خلق لكنه خرج على المجتمع بشخصية مشوهه بناء على تربية خاطئة جعلته غير قادر على اتخاذ قراره بعد اعتياده التبعية وهى حالة شديدة الانتشار فى مجتمعاتنا والمتشدد منها على وجه الخصوص ..

فالأخلاق كعلم يجب غرسه بداية بالاقناع والاشباع لا بالرهبة والتخويف .. وهى كعلم يجب أن يخضع للاختبار .. وتـٌترك الارادة حرة للاختيار والتصرف لأن المربي أو الأب لن يظل العمر كله حارسا على من يربيه .. ولا فائدة من تعليم لم يـُختبر حائزه ..

ونتيجة للادراك الخاطئ من المربي لمفهوم التربية رأينا النماذج المنتشرة لشباب فى سن القرار وهى تروح وتجئ وفقا لتعليمات مسبقة وبلا قناعات تقريبا وهى هنا أقرب

لنموذج الانسان الآلى منها الى العنصر البشري مع ملاحظة أننا نتحدث عن النموذج المثالى للابن من وجهة نظر آباء اليوم !!

والتربية لا يمكن ممارستها عبر نسيج واحد بل هى ثلاثة أنسجة لثلاثة مراحل عمرية مختلفة ..
فتكون الأولى للمتعة دون محاذير والثانية للتعليم والثالثة للاختبار ثم يـُترك الشاب حرا بعدها للاختيار

كما أن التربية لا تكون مهمة الآباء فقط بل يشارك الأب فى تلك المهمة المعلمون فى دور التربية والعلم والمجتمع فى مرحلة ما من عمر الناشئ وهى المهمة التى انتهت من أرض الواقع لأن المفاهيم الخاطئة أصابت المعلمين كما أصابت الآباء ..

فعلى سبيل المثال من المتعارف عليه أن المعلمين ـ لا سيما فى مراحل التعليم الأولى ـ لابد أن يكونوا تربويين قبل التخصص العلمى وهى معلومة منتشرة بشكل تام على نحو يدفعنا للدهشة والذهول إذا شاهدنا عدم انطباقها على الواقع الفعلى بالرغم من أن الوزارات المسئولة عن التعليم فى أغلب البلاد العربية تقدم لفظ التربية على التعليم فى مسمى الوزارة .. بغض النظر عن الفهم الخاطئ لدى بعض المسئولين الذين يتفاخرون بأن تقديم التربية على التعليم مفاده الأول تقديم الأخلاق والتهذيب على التعليم دونما إشارة إلى بناء الطالب تربويا وتأهيله وتكوين شخصيته ودون إدراك لحقيقة بسيطة هى أن الأخلاق لصيقة بالعلم فى كأس واحد بينما التربية علم مستقل بذاته

وتزداد الدهشة عمقا إذا عرفنا أن الكليات المسئولة عن إخراج المعلمين للمراحل المختلفة تقرر المناهج التربوية بكثرة كاثرة تكاد تفوق التخصص فى بعض الأحيان تأكيدا لنظرية أن المعلم لا يمكن أن يكون معلما إلا إذا كان تربويا .. ولو انتفي الجانب التربوى فالمعلم يتحول ساعتها إلى ملقن كما هو واقع بالفعل فى العصر الحالى

وخطورة الملقن تتمثل فى عنصرين

الأول ..

أنه يردد ما يـُلقي إليه من تكليف بغض النظر عن اقتناعه من عدمه ويكون التركيز منصبا على إخراج آلات ميكانيكية مهمتها العبور من اختبارات آخر العام ومعيار عبور الاختبارات أصبح هو الفارق بين تمييز معلم و آخر .. دون أن يدرك أولياء الأمور حقيقة مؤسفة هى أن أبنائهم ـ وإن تفوقوا بنتائج الاختبارات ـ فهم ليسوا بطلبة متفوقين علميا بل هم طلبة مدربون على فن إجابة واجتياز الاختبارات .. والفارق ضخم للغاية لو يدرك المغيبون !
فقد غاب عن أولياء الأمور أن المراحل الأولى من التعليم ليس هدفها إخراج العلماء بل الهدف الرئيسي إخراج التلاميذ ..

فمن غير المنطقي أن نهمل الهدف الرئيسي وهو تدريب النشئ على حسن استقبال المعلومة ومعرفة معنى الزمالة وقيمة الكتاب والثقافة واحترام المعلم كطريق موصل إلى دور العلم فى المراحل الجامعية ونركز على فهم وإدراك الطالب لمواد دراسية

لا تعنى شيئا من القيمة العلمية لكونها مجالا للتدريب ولا يمكن أن تكون عنوانا لتفوق الطالب فيما بعد عند تلقيه العلم الحقيقي فى المراحل المتقدمة ..

ولبيان الأمر بمثال ..

فان مراكز التدريب للمستجدين من جنود القوات المسلحة " وهى فترة 45 يوما للجندى وستة أشهر لضابط الاحتياط فى النظام العسكري المصري " لا تكون تدريبا على القتال لا سيما فى الفترة الأولى بقدر ما تكون تدريبا على نظام التلقي وبمعنى أكثر وضوحا تكون تلك الفترة .. فترة إعداد الطالب أو المتدرب للقواعد العامة التى تحكم تلقيه لعلم وفن الحرب وبناء روحه المعنوية ومعنى سرية النشاط العسكري وهدف الدفاع عن الوطن ..

وبعد ذلك تكون المراحل التالية هى مراحل تدريب الجندى على القتال الفعلى بعد تشريبه لفن تلقي الأوامر العسكرية ولكيفية التعامل مع زملائه وقائده بالميدان
ولذلك لا يكون الاهتمام منصبا على الإجادة بالنسبة للجندى أو الطالب فى مرحلة الاعداد بقدر ما يكون منصبا على حسن استيعابه لقواعد التعامل العسكري .. فالفشل فى إجادة الأعمال العسكرية أثناء التدريب يمكن إدراكه فيما بعد بمزيد من التعليم والتدريب بينما الفشل فى تلقي المبادئ العسكرية لا يمكن أن يـُنشئ جنديا من الأساس مهما كان تفوقه فى مجال إطلاق النار أو التعامل مع آليات الحرب

تلك هى الاجابة المنطقية للسؤال الذى عصف بالمجتمع المصري عندما تساءلوا عن هؤلاء الشباب الذين التحقوا بالجامعة بمجموع درجات فلكى إبان حقبة التسعينيات .. مجموع درجات لم يحصل عليه النوابغ فى ت

المزيد


تعلم كيف تـُربي .. وتعلم كيف تـُنشئ " ج1 "

يوليو 12th, 2007 كتبها محمد جاد الزغبي نشر في , سلسلة تعلم

تعلم كيف تـُربي .. وتعلم كيف تـُنشئ
الجزء الأول
روى عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه قال فيما معناه ..

" خير ما يغنم المرء من الدنيا الزوجة الصالحة .. اذا نظر اليها أسرته واذا أقسم عليها أبرته .. وان غاب عنها حفظته "

وقال الشاعر العربي القديم ..

نـِعم الاله على العباد كثيرةٌ ×× وأجلهن نجابة الاولاد

والقولان متممان لبعضهما البعض .. فالرسول عليه الصلاة والسلام وصف الزوجة الصالحة بخير النعم وجاء الشاعر ليبين أجلَها وهى نجابة الأولاد .. والمقصود بالنجابة هنا الانجاب وليس الذكاء أو التفوق كما يظن البعض .. فلفظ النجابة هنا مشتق من الانجاب ..
وان كان الحديث قد ورد كاملا مكملا كطبيعة القول الشريف كله .. فان البيت الحكيم جاء قاصرا نوعا ما ..

فنجابة الأولاد لا تكون أجَل النعم إلا اذا كانت نجابة لأب معلم .. أب مربي وإلا انقلبت النعمة نقمة لا حدود لآثارها أبدا

ومعضلة تربية النشئ .. هى معضلة شبعت الأوراق من حبر المكتوب بشأنها عبر مختلف الثقافات عربية أو غربية .. دينية أو علمانية .. لكن المتأمل المحايد فى طرق تربية النشئ سيجد أن الفلسفة الاسلامية بلغت فى هذا المجال شأوا طرق حد الكمال .. فالتربية الاسلامية بنظراتها وإبداعيتها كانت ولا زالت هى الوسيلة المثلي لاخراج الطفل إلى طور الشباب عنصرا مكتمل البنية النفسية لا شائبة فيه .. لكن هذا إن تم تطبيقها كما يجب وبحذافيرها ..

لكن الشاهد أن أبناء الحضارة الاسلامية ذاتها لا يزالون أبعد ما يكون عن ثراء حضارتهم فى شتى المجالات وأخطرها تربية النشئ السليم والذى يعد بحق .. أهم

المزيد


تعلم كيف تعود الى الله

أبريل 23rd, 2007 كتبها محمد جاد الزغبي نشر في , سلسلة تعلم

العودة إلى الله .. !!!

وهل نحن نرحل بعيدا عنه أو نولى حتى نعود يا ترى .. ؟!

نعم .. كثيرا ما يحدث للأسف .. كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام  " إلا من أبي .. …. " كلٌ يدخل الجنة إلا من أبيوما يأبي إلا الخاسرون 

الرحيل

تأخذنا الحوادث وثقال الأمور فى الدنيا .. فنلهو عن حقيقة أننا أمة أشرف الخلق عليه الصلاة والسلام .. أمه خصها الله تعالى .. بميزات تمناها كل المرسلين .. عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام

 بسم الله الرحمن الرحيم ..  

" كنتم خير أمة أخرجت للناس .. تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر "

صدق الله العظيم

خصنا الله تعالى بأننا الأمة التى نالت شرف البعث المحمدى .. وخصنا بأننا الأقرب إلى رحمته .. وغفرانه جعل للجنة ألاف الأبواب نصل بها إليها وأغلق النار أمامنا إلا من باب واحد .. الشرك به والعياذ بالله تعالى .. أفرد لنا من أبواب الجزاء ما لا يحصي عددا ولا يفنى بددا وجعل لنا من سبل النجاة والقرب منه .. عشرات ومئات السبل كلها أهون عملا من بعضها البعض وكلها أثقل من بعضها البعض فى خير الجزاء جعل لنا التوحيد سبيلا للنجاة مهما طال العذاب وجعل لنا حب رسوله عليه الصلاة والسلام طاعة مقربة وجعل لنا القرءان شفاء .. من كل داء .. والصلاة دعاء .. جعل الصوم جـُـنه  من كل فتنه وجعل الزكاة أمانا لعباده من شر البلايا وجعل الحج إلى بيته الحرام عودٌ مأمول إلى يوم مقدمنا إلى الدنيا فارغى الكتاب من الذنوب جعل لنا الطاعات جميعها . سبلا للفوز فى الدنيا والآخرة فالعلم شرف الدنيا ..  ومقياس فوز الآخرة والجهاد طريق التميز فى الدنيا وسبيل القرب منه تعالى فى الآخرة جعل الهروب منه إليه .. والنجاة منه إليه علمنا بالقلم .. وأغدق بالنعم .. فسبحانه من تفرد فى صفاته تفردا مطلقا .. من دعانا لقرب منه .. فطوبي لمن أجاب الدعاء 

 كيف نعود إلى الله

عندما يفقد الإنسان الطريق الحقيقي لهدفه فى الدنيا أو يجهل قيمتها الدنيا .. والهدف منها فى الأساس تحت مختلف الدوافع .. ثم تأت كلمة .. أو عبارة .. أو حادثة فردية .. أو شخص ما . تكون الإشارة هنا .. دافعا للحيرة .. والتفكير والحيرة وعلى الرغم من قسوتها البالغة .. إلا أنها بداية طريق العودة لكن وكيف نعود ؟!الحيرة فى إجابة السؤال يغلفها الخوف الرهيب من أن نخطئ طريق النجاة .. فالمسالك متشابكة .. والأكمة غير واضحة المعالم ونحن سائرون يأخذنا الاضطراب  ولا طريق هنا إلا العلم .. والاقتناع العلم ..  لأنه لا هدى بسواهوالاقتناع الروحى بما نسمعه من العلماء كما قال الإمام على بن أبي طالب رضي الله عنه " استفت قلبك وان أفتوك " ولكن يا ترى .. هل كل القلوب كقلب بن أبي طالب !!

 أزمة قلب أم أزمة عقل

من البلايا المزمنة التى تعانيها الأجيال الحالية من الحائرين اللاهثين خلف الإجابة هى رهنهم الهداية والحق بالأشخاص لا بالعلم .. ورهنهم للحق بالرجال وتلك كارثة كبري .. بسببها رأينا من أسلم نفسه لدعاة الإفراط تارة .. والتفريط تارة أخرى مع أن جوهر العقيدة الإسلامية بسيط الإدراك على الرغم من تعقيده البالغ وتلك هى معجزة الإسلام الحقيقية ..  فالعقيدة الإسلامية جاءت موسوعة شاملة لما يخص البشر

" ما فرطنا فى الكتاب من شيئ " صدق الله العظيم ..

 من بداية إدراك الخالق .. وحتى تسيير شئون الحياة ..  فلا حاجة بنا إلى تعقيد ولا إلى تجهيل أو إفراط أو تعصب فا

المزيد


التالي