ولا زلنا مع قصص القصائد لكبار المبدعين العرب ..
هؤلاء الشعراء الذين حركوا الحمم من تحت ركام الصخور فانفجرت .. وأيقظوا العزائم فانبثقت .. هم الرافضون الأولون لكل ما ينتهك حرياتهم وحرية أوطانهم ومواطنيهم هم الذين حرروهم رغما عن أنوفهم .. وأجبروهم أن يضعوا أنفسهم أمام مرآه اللفظ والمعنى بعد طول سبات بالرمال .. على عهد النعام ..
وشاعر القصيدة اليوم وبطل قصتها .. هو هذا الرجل الذى كتب بسن الخنجر ونثر الجوهر فلا أبدع ولا أقدر .. هو صاحب اللافتات .. اللافتات التى صارت فى التاريخ الأدبي الحديث علامة فكر وكبرياء غير مكررة إلا فى قليل أحب لغته وعشقها فوهبته من كنوزها أشهاها ومن حللها أعلاها وأغلاها
وأحمد مطر واحد من القلائل الذين استيقظت عيونهم على قضايا بلادهم فرهن لها براعته ويراعه فلم يكتب حرفا خارج هذا الإطار !!
وذلك تفرد لم يشاركه فيه إلا القليل من مبدعى العرب أمثال مظفر النواب ومحمود درويش وكمال عبد الحليم أشهر وأغنى الشعراء ثراء فى العصر الحديث لولا التعمية المقصودة على إنتاجهم الحر أى أن أحمد مطر لم يكتب إلا لهموم بلاده وقضاياها وطبقا للتعريف الصحيح للسياسة كما أسلفنا فلم يكتب أحمد مطر إلا للسياسة وللحرية وللفضيلة ..
أى أنه اختار أسمى رسالة للأديب فلزم حجرها لم يبرحه يقول أحمد مطر فى واحدة من روائعه ردا على أولئك الذين اتهموه بسلاطة اللسان لأنه يعبر عن قناعاته ومبادئه قال لهم
وليشتم المتلوثون شتائمى ×× وليستروا عوراتهم بردائي
وليطلق المستكبرون كلابهم ×× وليقطعوا عنقي بلا إبطاء
لو لم تعد فى العمر إلا ساعة ×× لقضيتها بشتيمة الخلفاء
بالطبع ودون أدنى شك إذا نظرنا لمدى البراعة الأدبية والاكتمال البنائي للقصيدة برؤية نقدية ـ وهو ليس موضوعنا الأصيل ـ لوجدنا أننا أمام تحفة فى التصوير وقمة فى التعبير وقصيدته أو بيانه السياسي العتيد بتلك الأبيات خاصة تلك المقدمة يرد فيه ردا مفحما وبالغ الألم أيضا على كل الاتهامات التى نالها من معاصريه وقد وضع أحمد مطر بقصيدته تلك حاجزا واضحا بين إبداء الرأى وبين الاتهام المغرض بالسب والاعتداء اللفظى .. وهى واحدة من أكثر طبائع العرب غرابة فلو هتف المظلوم بوصف الظالم لمن اعتدى على حقه فهو الملوم لأنه سب الرئيس أو الملك !!
ولو هتف معارض باتهام يراه وله دلائل ويطلب إلى السلطة معالجته .. فهو السليط وهو المعتدى !! ولست أدرى من أين أتى الحكام بتلك الفتاوى التى ما أنزل الله بها من سلطان .. والكارثة أن السلطات لا تكتفي باعتقال ومحاكمة ذوى الرأى على رأيهم بل تتعمد أن تكون الاعتداءات متسترة خلف القضاء .. هذا الحصن الذى إذا طاله خراب الذمم فى أى شعب فل تقوم له قائمة فى حياته ومستقبله والأمثلة أكثر من أن تحصي للأسفعبادة الذات وتضخيمها لدى أولى الأمر ومطالبتهم لشعوبهم بمعاملتهم كما يتعامل الأنبياء والمرسلون كانت خلف تلك الكوارث التى قيدت الألسنة وكتمت الأنفاس ..
لا سيما وأن الجماعات المحيطة بالسلطة تزين لهم أفعالهم حتى أصبح الحكام صورة مكررة من الحاكم بأمر الله الذى حكم مصر وأذاقها وأهلها أبشع وسائل الإكراه وادعى الألوهية لنفسه بعد ذلك والكارثة أنه صدق الكذبة التى اخترعها وروج لها مغرضوه حتى كانت نهايته الطبيعية بخنجر أحد العامة فى سوق مصر المحروسة .. ولم يقل أحد من العالمين أن النقد والجهر بالمخالفة أمر يخالف الشريعة ويطبع صاحبه بطابع المعتدى باللفظ والقول وحتى لو فرض هذا .. فشتان بين العقاب على السب وبين ما يلاقيه أهل الرأى فى أكثر أوطاننا ديمقراطية أو ادعاء للديمقراطية ..
قديما وأثناء ولاية الوليد بن عبد الملك للخلافة الإسلامية وكان الوليد عنيف الطبع متهورا بالرغم من انجازاته كرجل دولة … ولم يكن يطيق المعارضة .. حتى أنه أحب أن يستغل مكانة ابن عمه الخليفة النقي عمر بن عبد العزيز لدى العامة ليستخلص منه فتوى تبرر له أمام الناس بطشه بمن يجهر برأيه فقال لعمر بن عبد العزيز ذات مرة بمجلسه ..
" ماذا تقول يا عمر فيمن يسب الخلفاء .." ثم أضاف بلهجة ذات مغزى .. متسائلا بإيحاء واضح " أيقتل ؟.. " وكان بذهن الوليد أن عمر سيفهم رغبته ويفتيه بها .. بيد أن خامس الراشدين لم يكن من هذا













